أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في الوقت الذي كانت فيه سلطنة عُمان تخطو خطواتها الأولى بعد انطلاق النهضة الحديثة في عام 1970م، لم يقتصر حضورها على المشروعات التنموية أو النشاط الدبلوماسي الرسمي، بل امتد إلى الإعلام بوصفه إحدى أدوات التعريف بالدولة الجديدة وسياساتها، ومن أبرز الشواهد على ذلك نشرة ”عُمان“، وهي نشرة إعلامية شهرية كانت تصدرها سفارة سلطنة عُمان في صنعاء خلال سبعينيات القرن العشرين.
ومن بين الأعداد التي وصلتنا، العدد (48) الصادر في مارس 1976م، والذي يقدم صورة واضحة عن طبيعة الخطاب الإعلامي العُماني في تلك المرحلة، والقضايا التي كانت تحظى بالأولوية في السياسة الخارجية للسلطنة.


إعلام دبلوماسي يتجاوز الأخبار
تعرّف النشرة نفسها بأنها ”نشرة إعلامية شهرية تصدرها سفارة سلطنة عُمان بصنعاء“، وهو تعريف يعكس أنها لم تكن مجرد نشرة لنقل الأخبار، وإنما وسيلة إعلامية موجهة للتعريف بعُمان وسياساتها، وتوضيح مواقفها من القضايا العربية والإقليمية.
ويظهر ذلك منذ افتتاحية العدد التي حملت عنوان ”افتتاحية العدد“، والتي أكدت أن سلطنة عمان أصبحت منذ بزوغ فجر النهضة ;مرتبطة بهذه الأحداث، وأصبح لعُمان دورها الإيجابي والمؤثر"، مؤكدة حرصها على توضيح مواقفها في مختلف القضايا العربية، والعمل من أجل التنسيق والتضامن العربي.

مصر في صدارة الاهتمام
خصصت النشرة مساحة واسعة للزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس المصري محمد أنور السادات إلى سلطنة عُمان في 26 فبراير 1976م، فنشرت نص البيان العُماني–المصري المشترك، وافتتاحية بعنوان ”خطوات على الطريق“ تناولت أهمية الزيارة باعتبارها محطة لتعزيز التضامن العربي في مرحلة ما بعد حرب أكتوبر. كما أبرزت النشرة توافق القيادتين حول عدد من الملفات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والحفاظ على استقلال لبنان، والعلاقات الثنائية، إضافة إلى التأكيد على أهمية الحوار العربي في معالجة الخلافات.
ويكشف هذا التركيز عن المكانة التي أولتها السلطنة لعلاقاتها مع مصر، بوصفها إحدى ركائز سياستها العربية في تلك المرحلة.

مواجهة الفكر الشيوعي
من أبرز موضوعات العدد، الحوار المطول الذي أجرته النشرة مع قيس الزواوي وزير الدولة للشؤون الخارجية آنذاك، والذي تناول فيه التطورات السياسية في المنطقة، وبخاصة الأوضاع في محافظة ظفار.
ويبرز الحوار بوضوح الخطاب السياسي العُماني السائد آنذاك، والذي ربط ما يجري في ظفار بالدعم الذي كانت تتلقاه الجبهة الشعبية لتحرير عُمان من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والكتلة الشرقية، مؤكدا أن الصراع لم يكن محليًا فحسب، بل جزءًا من مواجهة أوسع مع التمدد الشيوعي في المنطقة.
وفي المقابل، ركز الزواوي على أن انتصار الحكومة العُمانية جاء نتيجة التفاف المواطنين حول الدولة، وتبني مشروعات التنمية، إلى جانب الدعم العربي والدولي.

تغطية للسياسة الخارجية
كما احتوى العدد على أخبار متنوعة تعكس النشاط الخارجي للسلطنة، من بينها: زيارة وزير الدولة للشؤون الخارجية قيس الزواوي إلى المملكة العربية السعودية، وزيارة وفد اقتصادي مصري إلى سلطنة عُمان، ومشاركة السلطنة في اجتماعات الأمم المتحدة الخاصة بقانون البحار، ونشاطات رسمية داخل السلطنة، وبرقية تهنئة من رئيس وأعضاء بعثة السفارة في صنعاء إلى السلطان قابوس بمناسبة زفافه.

ويلاحظ أن الأخبار كانت تُعرض بصورة مختصرة ومباشرة، مع التركيز على العلاقات العربية وتعزيز حضور السلطنة في المحافل الدولية.
إخراج بسيط ورسالة واضحة
تعكس النشرة الإمكانات الفنية المحدودة للإعلام الرسمي في منتصف السبعينيات؛ فقد جاءت مطبوعة بالأبيض والأسود مع استخدام لونين فقط في الغلاف، واعتمدت على الصور الرسمية والعناوين المباشرة دون زخرفة صحفية كبيرة.
ورغم بساطة الإخراج، فإن المادة التحريرية جاءت منظمة، تجمع بين المقالات السياسية والبيانات الرسمية والحوارات والأخبار، بما يجعلها أقرب إلى مجلة سياسية شهرية صغيرة منها إلى نشرة أخبار تقليدية.

وثيقة تؤرخ لمرحلة التأسيس
تمثل هذه النشرة اليوم وثيقة تاريخية مهمة، ليس لأنها تسجل أحداث عام 1976م فحسب، وإنما لأنها تكشف طبيعة الخطاب الإعلامي العُماني في سنوات التأسيس الأولى، وكيف سعت السلطنة إلى تقديم نفسها عربيًا باعتبارها دولة تنتهج الاعتدال، وتؤمن بالتعاون العربي، وترفض التدخلات الخارجية، وتربط بين التنمية الداخلية والاستقرار السياسي.
كما تكشف عن الدور الذي اضطلعت به السفارات العُمانية في تلك المرحلة، فلم تكن مؤسسات دبلوماسية فحسب، بل كانت أيضًا منابر إعلامية وثقافية تعمل على تعريف الأشقاء العرب بعُمان الجديدة، في وقت كانت فيه وسائل الاتصال محدودة، وكانت النشرات المطبوعة تمثل إحدى أهم أدوات التواصل وبناء الصورة الذهنية للدولة.
وبعد مرور نحو خمسين عامًا على صدور هذا العدد، تبقى نشرة ”عُمان“ شاهدًا على مرحلة مبكرة من الدبلوماسية الإعلامية العُمانية، ومصدرًا تاريخيًا يضيء جانبًا من الجهود التي بذلتها السلطنة لتقديم رؤيتها السياسية وتعزيز حضورها في الفضاء العربي خلال عقد السبعينيات.





