”وزحزح قلعًا لا أحد يظنّ في تنقيلهن أبدًا“: وثيقة نادرة تكشف تفاصيل ”جائحة صياء“ قبل 93 عامًا

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

”وزحزح قلعًا لا أحد يظنّ في تنقيلهن أبدًا“: وثيقة نادرة تكشف تفاصيل ”جائحة صياء“ قبل 93 عامًا
تفاصيل ”جائحة صياء“
أثير- إعداد/ د. محمد بن حمد العريمي
لا تقتصر أهمية الوثائق التاريخية على تسجيل القرارات السياسية أو المراسلات الرسمية، بل تمتد إلى توثيق تفاصيل الحياة اليومية، والكوارث الطبيعية، وما خلّفته من آثار في المجتمع، ومن بين هذه الوثائق النادرة تبرز شهادة كتبها أحد أبناء (بلدة صياء بولاية حطاط)، يوثق فيها كارثة السيول التي اجتاحت البلدة في السادس من ذي الحجة سنة 1351هـ (أبريل 1933)، وهي من النصوص العُمانية المهمة التي تصف حدثًا طبيعيًا بهذا القدر من الدقة والتأثير الإنساني.

نص الوثيقة:

أخبركم عن وقوع الخصب، ونزول الأمطار في ساير الأقطار، واستغاثوا العباد، وسالت الأودية بغزارة، خصوصًا أخبركم عن جايحة استوت ببلدنا صياء، ولاية حطاط، في يوم سادس من شهر الحج، عام واحد وخمسين وثلاثماية وألف من الهجرة، واجتاح الوادي ما على وجهه، من شجرٍ ومدر، ونخل وجُدُر، وارتقى على أمكنة ما ارتقاها وادي قبله في سالف الزمان، ولاحدٍ أخبرنا من الكهول والرجال ولا النسوان، ودخل المسجدين؛ مسجد الكارجة ومسجد الشجر، واجتاح الكوارج، وعلا على الصفا الذي بجنب الكارجة من جهة الشرق وتعدّاه، وغدف على قطع النخل الذي من أعلى ذلك الصّفا، وخرّب من العمارة ما لا يوصف، وزحزح قلعًا لا أحد يظنّ في تنقيلهن أبدًا، وذلك من أمر ذي الجلال والإكرام، وابتدا الأمطار من قبل هذا العام، ولكن حرّرتُ هذا لأجل هذه الجايحة، وفي ذلك اليوم تساقط من نخل هذه البلدة مقدار مائتي نخلة، يخلف الله علينا وعلى كل مسلم من واسع فضله إنه كريم رحيم؛ حرّر ذلك الحقير لله حمود بن خالد بن عزيز بن محمد بن عزيز بن محمد الأمبوسعيدي الأصيوي مسكنًا سنة 1351هـ

بداية الوثيقة

يفتتح الكاتب وثيقته بقوله: ”أخبركم عن وقوع الخصب، ونزول الأمطار في سائر الأقطار، واستغناؤها العباد، وسالت الأودية بغزارة، خصوصًا أخبركم عن جائحة استوت ببلدنا أ صياء،ولاية حطاط...“ ويكشف هذا الاستهلال أن الأمطار كانت عامة وشملت مناطق عديدة، إلا أن ما وقع في صياء تجاوز حدود الخير المعتاد، وتحول إلى كارثة غير مسبوقة.

سيل لم يشهد له الناس مثيلًا

يصف الكاتب قوة السيل بأسلوب يفيض بالمهابة، فيذكر أن الوادي اجتاح كل ما اعترض طريقه من أشجار ومدر ونخيل، حتى بلغ منسوب المياه أماكن مرتفعة لم يعرف الناس أن الوادي وصل إليها من قبل، مؤكداً أن كبار السن والرجال والنساء جميعًا لم يشهدوا مثل ذلك الحدث في حياتهم.
ويقول إن السيل دخل مسجدي البلدة، مسجد الكارجة ومسجد الشجرة، وارتفع حتى تجاوز صفًّا من النخيل كان يعدّ حاجزًا طبيعيًا، ثم اندفع نحو العمران مخلفًا أضرارًا واسعة.

خسائر كبيرة

تكشف الوثيقة عن حجم الدمار الذي أصاب البلدة، إذ يشير الكاتب إلى خراب أجزاء من العمارة، واقتلاع عدد كبير من النخيل، حتى إنه يذكر أن ما سقط من نخيل البلدة في ذلك اليوم بلغ مقدارًا لم يسبق أن شهدته المنطقة.
ورغم أن النص لا يقدم أرقامًا دقيقة للخسائر، فإنه يعكس بوضوح الأثر الاقتصادي الكبير الذي خلفته الكارثة، خاصة أن النخيل كان يمثل المورد الزراعي الرئيس لسكان المنطقة.

شهادة إنسانية صادقة

ومن أكثر ما يلفت الانتباه في الوثيقة البعد الإنساني في السرد، إذ يصف الكاتب ما شاهده بنفسه، ثم يختم حديثه بروح إيمانية قائلاً: ولكن حرّرت هذا لأجل هذه الجائحة... يخلف الله علينا وعلى كل مسلم من واسع فضله إنه كريم رحيم.
ويكشف هذا الختام عن نظرة المجتمع العُماني آنذاك إلى الكوارث الطبيعية، حيث امتزج تسجيل الحدث التاريخي بروح الصبر والاحتساب والدعاء.

كاتب الوثيقة

خُتمت الوثيقة باسم كاتبها حمود بن خالد بن عزيز بن محمد بن عزيز بن محمد بن عزيز بن محمد الأمبوسعيدي الأصيوي، الذي أشار إلى أنه كتبها سنة 1351هـ.
وهو حمود بن خالد بن عزيز أمبوسعيدي، من أسرة لها مكانتها في العلم والنسخ واقتناء الكتب والمخطوطات، فجدّه هو الشيخ العالِم عزيز بن محمد بن عزيز أمبوسعيدي (ت 1322هـ)، تولى القضاء للسلطانين تركي بن سعيد، وفيصل بن تركي على قريات، وترك جملة من الآثار العلمية من بينها: أرجوزة دلائل الميراث، ومنظومة نور المصلين، وأرجوزة الدر المنتخب، وتقريظ لأرجوزة الصايغي، كما نسخ العديد من المخطوطات مثل كتاب البصيرة لأبي عثمان الأصم، وملحة الإعراب، ورائية أبي نصر فتح بن نوح في الصلاة، وخلّف خزانة حافلة بالكتب والمخطوطات.
أما حمود بن خالد فقد وجدت له تقييدات كثيرة سجّل فيها معاملات وأحداث ووقائع. كما نسخ بيده مسائل عبدالله بن سلام يوم 15 صفر 1357هـ، وألحق بها نصوصًا ومختارات شعرية من بينها قصيدة بائية له في رثاء ابنه خالد، وقصائد في المفاخرة بين العدنانية والقحطانية، وقصيدة في رثاء أخته شمساء بنت خالد.

أهمية الوثيقة

يمثل هذا النص وثيقة تاريخية ذات قيمة كبيرة، ليس لأنه يسجل وقوع كارثة طبيعية فحسب، وإنما لأنه يكشف عن جوانب متعددة من البيئة والمجتمع والوعي التاريخي في عُمان خلال القرن الثالث عشر الهجري. ويمكن تحليل النص من عدة زوايا:

القيمة التاريخية

يؤرخ النص لحدث محدد بدقة، إذ يذكر اليوم والشهر والسنة: السادس من شهر ذي الحجة سنة 1351هـ، وهو ما يمنح الوثيقة قيمة زمنية عالية، ويسهل ربطها بالأحداث المناخية أو الاجتماعية الأخرى في تلك الفترة.

القيمة البيئية والمناخية

يعد النص شاهدًا مهمًا على أحد الأحداث المناخية المتطرفة في عُمان، فالكاتب يبدأ بالإشارة إلى أن الأمطار عمّت البلاد وكانت سببًا في الخصب، ثم يبين كيف تحولت في منطقة معينة إلى كارثة، وهو ما يوضح التباين في آثار الظواهر المناخية بين المناطق.
كما يقدم النص معلومات مهمة عن شدة جريان الأودية، ارتفاع منسوب المياه إلى مستويات غير مسبوقة، اقتلاع الأشجار والنخيل، وتأثير السيول على البيئة الزراعية. وهذه المعلومات تمثل مصدرًا مهمًا لدراسات التاريخ المناخي والبيئي.

القيمة الجغرافية

يسجل النص أسماء معالم محلية داخل بلدة صياء، مثل مسجد الكارجة، ومسجد الشجر، والصفا المجاور للكارجة، وتساعد هذه الإشارات في إعادة رسم جغرافية البلدة القديمة، ومعرفة اتجاه حركة السيل، والمناطق الأكثر انخفاضًا وارتفاعًا، وهو ما يفيد الباحثين في الجغرافيا التاريخية.

القيمة العمرانية

يكشف النص طبيعة العمران في تلك المرحلة، إذ يذكر أنه ”اجتاح الوادي ما على وج هه منشجر ومدر... وخرّب من العمارة ما لا يوصف.“ ويفهم من ذلك أن معظم المباني كانت تعتمد على الطين (المدر)، وهو ما جعلها أكثر عرضة للتلف أمام السيول. كما أن دخول المياه إلى المساجد يوضح أن السيل بلغ قلب التجمع السكني.

القيمة الاقتصادية

يبرز الجانب الاقتصادي من خلال الإشارة إلى سقوط مائتي نخلة في يوم واحد، وهذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل يعكس حجم الخسارة؛ لأن النخلة كانت تمثل مصدر الغذاء والدخل والمواد الإنشائية، وبالتالي فإن فقدان هذا العدد يعني تراجعًا اقتصاديًا امتدت آثاره لسنوات.

القيمة الاجتماعية

يكشف النص عن اعتماد المجتمع على الذاكرة الشفوية، ويتضح ذلك في قوله: ”ولا حد أ خبرنامن الكهول والرجال ولا النسوان.“ فالكاتب يستند إلى شهادة كبار السن باعتبارهم المرجع التاريخي للمجتمع، وعندما يؤكد أنهم لم يعرفوا مثل هذا السيل، فإنه يضفي على الحدث صفة الاستثنائية.
كما أن استخدامه لفظ ”الجائحة“ يعكس إدراك المجتمع لحجم الكارثة، وهو مصطلح كان يطلق غالبًا على ما يستأصل الزروع أو يوقع خسائر عامة.

الأسلوب اللغوي

يجمع النص بين اللغة الفصيحة والعبارات المحلية، وهو أمر شائع في الوثائق العُمانية، ومن سماته: السجع في بعض المواضع مثل: ”شجر ومدر، ونخل وجدر“.
واستخدام ألفاظ البيئة المحلية مثل: الكوارج، الصفا، غدف، والميل إلى الإيجاز مع المحافظة على قوة التصوير.
ويلاحظ كذلك أن الكاتب لا يبالغ في الوصف، بل يترك للوقائع أن تتحدث عن نفسها.

البعد الديني

يظهر الحس الديني بوضوح في النص منذ بدايته حتى نهايته؛ إذ يربط نزول المطر بالخير الإلهي، ثم يرد وقوع الكارثة إلى مشيئة الله: ”وذلك من أمر ذي الجلال والإكرام.“
ويختتم بالدعاء: ”يخلف الله علينا وعلى كل مسلم من واسع فضله إنه كريم رحيم.“ وهذا يعكس رؤية المجتمع التقليدي للكوارث الطبيعية بوصفها جزءًا من القضاء والقدر، مع الجمع بين توثيق الحدث والتسليم بحكمة الله.

تاسعًا: الوعي بالتوثيق

من أبرز ما يلفت الانتباه قول الكاتب ”ولكن حررت هذا لأجل هذه الجائحة.“ فهذه العبارة تكشف وعيًا تاريخيًا واضحًا؛ إذ لم يكتب النص لمجرد السرد، وإنما بدافع حفظ ذكرى حدث استثنائي للأجيال القادمة.
وهذا يدل على إدراك أهمية التوثيق حتى خارج الأطر الرسمية.
المرجع
- الشيباني، سلطان بن مبارك. فهرس مخطوطات خزانة الشيخ عزيز بن محمد
أمبوسعيدي، ذاكرة عمان، مسقط، سلطنة عمان، 2020.

شارك هذا الخبر