“الدقم”: الميناء الذي لا يحتاج هرمز

تعزز الدقم موقع سلطنة عُمان في التجارة والطاقة عبر منفذ مفتوح على المحيط الهندي، فيما يدعم نمو الميناء ورأس مركز مرونة سلاسل الإمداد خارج مضيق هرمز.

عن الكاتب

أمين بركة
أمين بركة

صحفي‏ وكاتب محتوى

“الدقم”: الميناء الذي لا يحتاج هرمز
الدقم
أثير- أمين بركة
“إن أوضح دليل على إنجازاتنا يتجلى في ميناء الدقم والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم اللذين شهدا تحولًا جذريًّا منذ الشراكة الأولى مع ميناء أنتويرب في عام 2010. والواقع أن الدقم قد ازدهرت منذ ذلك الحين، من حيث الابتكار والبنية الأساسية والاتصال”.
تلخص هذه الكلمات لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه، استراتيجية سلطنة عُمان في استثمار المقومات الفريدة لمدينة الدقم، وتحويلها إلى قاطرة اقتصادية متطورة، ترسخ مكانة السلطنة كعصب حيوي في خارطة الطاقة والتجارة العالمية.
فالموقع العُماني المطل على بحر العرب، والمنفتح مباشرة على المحيط الهندي وخارج مضيق هرمز، لم يعد مجرد مشروع اقتصادي ضخم أو مدينة صناعية صاعدة، بل بات يمثل منفذًا استراتيجيًا للطاقة والتجارة في منطقة تبحث فيها الدول والشركات عن طرق بديلة أكثر مرونة وأقل عرضة للتعطيل.
ومنذ إنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم عام 2011، تسارعت رحلة التحول في هذه البقعة الساحلية؛ غير أن التحولات الإقليمية الأخيرة منحت جغرافيا الدقم أهمية لافتة، وبدلت السؤال من: كيف تُبنى مدينة الدقم؟ إلى: لماذا أصبح العالم يحتاج إلى الدقم الآن؟

خارج الاختناق.. على البحر المفتوح

تقع مدينة الدقم في محافظة الوسطى، على الساحل الجنوبي الشرقي لسلطنة عُمان، وتطل مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي، على مسافة تقارب 550 كيلومترًا جنوب العاصمة مسقط ونحو 600 كيلومتر شمال شرق صلالة.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الموقع لا تتعلق فقط بقربه من الأسواق الآسيوية والأفريقية، بل بوجوده خارج مضيق هرمز.
ولعقود، كان هذا الموقع يمثل ميزة اقتصادية كامنة، إذ تزايدت الحاجة إليه مع تصاعد التوترات البحرية التي شهدتها المنطقة مؤخرًا، لا سيما في ظل أزمة مضيق هرمز بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
فالدقم، بحكم موقعها، توفر منفذًا بحريًا لا يعتمد في الوصول إلى المحيط المفتوح على المرور عبر مضيق هرمز، وهو ما يمنحها أهمية متزايدة في حسابات التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.

من قرى الصيد إلى مدينة المستقبل

كانت مدينة الدقم قديمًا تمثل امتدادًا واسعًا من السهول الرملية والقرى الساحلية الصغيرة، مما جعل الصيد والرعي يشكلان أساس الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكانها.
وكشفت المسوحات الأثرية في الدقم عن مواقع تعود إلى عصور ضاربة في جذور التاريخ، وعُثر فيها على مقابر وأدوات صوانية ونقوش صخرية، وهو ما يشير إلى أن هذه المنطقة كانت مأهولة منذ آلاف السنين واستفادت من موقعها الساحلي للتواصل والحركة البحرية.
كما وثق المستكشف البريطاني ويلفريد ثيسيجر في أربعينيات القرن العشرين نمط الحياة في المنطقة، حيث تداخلت حياة البادية والترحال ورعي الإبل مع الصيد وصناعة القوارب التقليدية، لتتشكل هوية محلية تجمع بين الصحراء والبحر.
لكن الفصل الأبرز في تاريخ الدقم بدأ في 26 أكتوبر 2011، مع صدور المرسوم السلطاني رقم 119/2011 بإنشاء هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، لتتولى إدارتها وتطويرها ونقلها إلى واحدة من أكبر المشاريع الاقتصادية والعمرانية في سلطنة عُمان.
وتعزز الإطار التشريعي للمشروع عام 2013 بالمرسوم السلطاني رقم 79/2013 الخاص بإصدار نظام المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، قبل أن يأتي المرسوم السلطاني رقم 38/2025 بإصدار قانون المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، ضمن مسار مستمر لتطوير الإطار التنظيمي والاستثماري للمنطقة التي تعد الأكبر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تمتد على مساحة 2000 كيلومتر مربع.
ومع إطلاق “رؤية عُمان 2040”، اكتسبت الدقم موقعًا أكثر وضوحًا داخل استراتيجية الدولة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز دور القطاع الخاص والاستثمار والصناعة واللوجستيات والطاقة المتجددة.

منظومة متكاملة

لم تُبن الدقم باعتبارها ميناءً فقط، بل بوصفها منظومة اقتصادية ولوجستية متكاملة، إذ تضم، بالإضافة إلى الميناء، مرافق تجارية ونفطية، والحوض الجاف، وميناء الصيد البحري، فضلًا عن مناطق صناعية ولوجستية وسياحية، ومطار إقليمي، وشبكة طرق وبنية أساسية واسعة.
وتتوزع داخل المنطقة الاقتصادية أنشطة الصناعات التحويلية والصناعات الغذائية والسمكية، ومشروعات الطاقة المتجددة والصناعات الخضراء، إلى جانب مشروعات البتروكيماويات والتقنيات المتقدمة.
كما شهد المخطط العمراني للمدينة تحولًا واسعًا، نقلها من تجمعات ساحلية محدودة إلى مدينة حديثة يجري تطويرها وفق تقسيمات واضحة للمناطق الصناعية والسكنية واللوجستية والسياحية.
وشكل التكامل بين هذه المرافق أساسًا لتحول الدقم إلى مركز قادر على الجمع بين الإنتاج الصناعي والتخزين والنقل والخدمات البحرية وإعادة التصدير، كما أتاح لها تجاوز دور نقطة العبور التقليدية.
ومن هذه الزاوية، تصبح الدقم جزءًا من استراتيجية أوسع لا تستهدف فقط زيادة حركة السفن في مينائها، وإنما بناء سلسلة متكاملة تمتد إلى الصناعة والطاقة والتخزين وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، من خلال استقطاب الصناعات التي تستفيد من قربها من الميناء ومصادر الطاقة ومناطق التخزين.
كما تستفيد المنطقة من وجود موارد معدنية في محافظة الوسطى، مثل الجبس والحجر الجيري والسيليكا، وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة قبل تصديرها إلى الأسواق العالمية.
وفضلًا عن ذلك، أصبحت الدقم جزءًا من خطط التحول نحو الطاقة النظيفة، من خلال استقطاب مشروعات الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، مستفيدة من المساحات الواسعة وموارد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يتماشى مع رؤية عُمان 2040 ومستهدف الحياد الصفري الكربوني بحلول 2050.
وقد بدأ تشغيل ميناء صيد الأسماك في عام 2024، وافتُتحت المرحلة الأولى من مجمع صناعات الأسماك والأغذية الذي يمتد على مساحة 750 هكتارًا في مارس 2025.

ميناء الدقم.. قلب المشروع الاقتصادي

يقف ميناء الدقم في قلب المشروع الاقتصادي للمدينة، مستفيدًا من موقعه على بحر العرب ومن البنية التحتية التي صُممت لاستقبال السفن العملاقة وخدمة قطاعات التجارة والطاقة والصناعة.
ويمتلك الميناء، الذي افتتح في مطلع فبراير 2022، حوضًا مائيًا عميقًا يصل إلى نحو 19 مترًا، بما يسمح له باستقبال ناقلات النفط والسفن التجارية الكبيرة، إضافة إلى أرصفة ومناطق لوجستية مخصصة للتخزين وإعادة التصدير.
وتبلغ مساحة الميناء 188 كيلومترًا مربعًا، ويشمل أراضي مخصصة للصناعة، ومحطة لتخزين النفط، وأرصفة تجارية وحكومية، وحوضًا جافًا، وأراضي لوجستية ملحقة.
وهو محمي بحاجز أمواج رئيسي وآخر ثانوي؛ يبلغ ارتفاع الحاجز الرئيسي 11 مترًا فوق مستوى سطح البحر، ويتجاوز ارتفاعه المتوسط 22 مترًا حتى قاع البحر، ويبلغ طوله 4.1 كيلومترات.
ويضم الرصيف التجاري أربع محطات، تشمل محطتين للحاويات بطول 1600 متر تقريبًا، وطاقة استيعابية سنوية تبلغ نحو 3.5 ملايين حاوية قياسية، ومحطة للمواد السائبة الجافة بطاقة استيعابية سنوية تبلغ نحو 5.5 ملايين طن، ومحطة متعددة الاستخدامات بطاقة استيعابية سنوية تبلغ نحو 800 ألف طن، وسعة سفن الدحرجة “Ro-Ro” تبلغ حوالي 200 ألف سيارة سنويًا.
ويحتوي ميناء الدقم على 3 أرصفة متصلة لمناولة البضائع متعددة الأغراض، بينما الأرصفة الأخرى مزدوجة الطرف.
كما تتوفر مرافق الحوض الجاف لإصلاح السفن العسكرية التابعة لشركاء عمان الاستراتيجيين، بما في ذلك حوض بناء السفن البحري للاستخدام المحلي والدولي.
ويوجد بالميناء رافعات الحاويات “STS” المتطورة التي تدعم قدراته في المناولة والتعامل مع أكبر سفن الحاويات في العالم، ويضم ثلاثة أرصفة متنوعة تلبي كافة متطلبات الشحن للسلع المختلفة، وهي الرصيف التجاري، والرصيف الحكومي، والرصيف النفطي.
ونظرا لما سبق كله، حازت التزامات ميناء الدقم بالاستدامة على جائزة “الخيار الأمثل للجودة 2025 - الماسي” من الجمعية الأوروبية لأبحاث الجودة، تقديرًا لممارساته التجارية الأخلاقية وابتكاراته الرقمية وإدارته البيئية وتوافقه مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

أرقام تكشف نمو الميناء

وخلال السنوات الأخيرة، بدأت المؤشرات التشغيلية تعكس نموًا واضحًا في نشاط الميناء، ففي عام 2023 استقبل ميناء الدقم 933 سفينة، قبل أن يرتفع العدد إلى 1204 سفن في عام 2024، بزيادة بلغت نحو 29%.
وتزامن ذلك مع ارتفاع مناولة البضائع السائلة بنسبة 169.2%، والبضائع الجافة بنسبة 86.2%، والبضائع العامة بنسبة 81.6%، فيما ارتفع إجمالي مناولة هذه الأنواع الثلاثة من البضائع بنسبة 152% مقارنة بعام 2023.
وفي عام 2025، واصل الميناء نموه، إذ ارتفع حجم البضائع المناولة بنسبة 24% خلال الفترة من يناير حتى نوفمبر، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في مؤشر على استمرار توسع النشاط التجاري واللوجستي.
وفي 2026، شهد الميناء نشاطًا تشغيليًا واستثماريًا متسارعًا، حيث عزز مكانته كمركز لوجستي وصناعي إقليمي، لا سيما في ظل أزمة مضيق هرمز.
كما عزز مكانته كمركز إقليمي رائد لعمليات مناولة شحنات الدحرجة، مسجلًا 34,024 وحدة تم التعامل معها، عبر أكثر من 20 سفينة وذلك منذ بداية 2026 حتى أغسطس من العام نفسه.
وقد انعكس هذا الزخم على حركة التجارة الخارجية؛ إذ بلغت قيمة صادرات الميناء 439 مليون دولار أمريكي بنهاية أبريل 2026، مما يعكس الأداء التصاعدي للعمليات النفطية وغير النفطية، والنمو المستمر في حركة مناولة الحاويات والبضائع السائبة التي تدعم جهود التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان.

توسع في خدمات الميناء

ونظرًا لهذا النشاط، وقعت إدارة الميناء العديد من الاتفاقيات الاستراتيجية، أبرزها مع شركتي “موارد النفط العالمية” و“أسطول للتموين” لتقديم خدمات تزويد السفن بالوقود التقليدي والبديل مباشرة في الميناء، مما رفع جاذبية الميناء للسفن العابرة للمحيط الهندي.
كما وقعت مذكرة تفاهم مع شركة الشحن اليابانية “نيبون يوسن لاين” لتطوير عمليات النقل البحري والبنية التحتية للحاويات والسيارات في الميناء.
وكذلك وقعت إدارة الميناء اتفاقية تعاون مع منصة “إنفستكورب” لاستثمار 550 مليون دولار لتوسعة الميناء وبناء رصيف بحري جديد لخدمة مصانع الحديد الأخضر.
وفي الأول من يونيو 2026، بدأت رسميًا الاتفاقية التجارية بين الهند وسلطنة عُمان، والتي منحت ميناء الدقم دورًا محوريًا كبوابة رئيسية لتدفق الصادرات والواردات مع الأسواق الهندية.
رأس مركز.. 200 مليون برميل خارج هرمز
إضافة إلى ذلك، تتجلى أهمية الدقم في منظومة الطاقة بصورة أوضح في محطة رأس مركز لتخزين النفط الخام، التي تمثل أحد أهم عناصر منظومة الطاقة في المنطقة.
تقع المحطة خارج مضيق هرمز، وتتيح سعات تخزينية كبيرة يمكن أن تصل مستقبلًا إلى 200 مليون برميل، وترتبط بمصفاة الدقم عبر خط أنابيب يبلغ طوله نحو 80 كيلومترًا.
كما تضم منشآت قادرة على استقبال الناقلات العملاقة ومنصات تصدير عائمة، بما يتيح تخزين النفط وإعادة تصديره من موقع مفتوح مباشرة على المحيط الهندي.
وفي منتصف مايو الماضي، كشف رئيس جهاز الاستثمار العُماني عبد السلام المرشدي أن دولًا خليجية وعالمية تدرس تخزين النفط في الدقم بكميات تكفي لفترات تتراوح بين أسبوع وشهر، على أن يعاد تصديره وبيعه مباشرة من الدقم.
وفي خطوة تعكس تحول الاهتمام من الفكرة إلى التطبيق، وقعت شركة تسويق النفط العراقية “سومو” اتفاقًا مع “أوكيو” لإنشاء مرافق تخزين في المنطقة بسعة أولية تبلغ 10 ملايين برميل.
موقع ميناء الدقم يتيح للمستثمرين جني فوائد الحوافز التشغيلية والمالية
ميناء الدقم

منفذ استراتيجي لا غنى عنه

يرى الأكاديمي العُماني المختص في منطقة الخليج والشرق الأوسط عبد الله باعبود أن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الخليج والبحر العربي منحت الدقم أهمية استراتيجية تتجاوز كونها مشروعًا اقتصاديًا أو ميناءً تجاريًا.
ويشير في حديث لـ “أثير” إلى أن موقع الدقم على بحر العرب وانفتاحها المباشر على المحيط الهندي ووجودها خارج مضيق هرمز يمنح سلطنة عُمان منفذًا استراتيجيًا أكثر مرونة في أوقات الأزمات.
ويضع باعبود الدقم ضمن سياسة عُمانية أوسع تقوم على تنويع الموانئ وممرات التجارة والطاقة، وتقليل مخاطر الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية.
ويرى باعبود أن أهمية هذه الميزة قد ازدادت مع التوترات الأخيرة في هرمز والبحر الأحمر؛ فمنذ اندلاع أزمة المضيق في 28 فبراير 2026 عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، تراجع العبور في مضيق هرمز إلى مستويات حادة، ولم تعد المسألة تتعلق فقط بزمن النقل وكلفته، بل بأمن واستمرارية سلاسل الإمداد والطاقة.
ومن هنا، يشير باعبود إلى أن منشآت مثل الدقم ورأس مركز تحولت إلى خيارات إضافية في منظومة إقليمية تبحث عن مرونة أكبر في التعامل مع الاضطرابات.
ويشدد باعبود أن الدقم يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى منصة جيوسياسية ولوجستية تربط الخليج بالمحيط الهندي وشرق أفريقيا وآسيا، لا باعتبارها منافسًا للموانئ الخليجية الأخرى، بل بوصفها مكملًا استراتيجيًا يوفر خيارًا إضافيًا عند تعطل الممرات التقليدية.

الدقم في شبكة علاقات عُمان

يرى الباحث والأكاديمي في العلاقات الدولية عبد العزيز أبو عليان أن موقع الدقم يمثل عنصرًا مهمًا في العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية لسلطنة عُمان، إذ يمنحها هامشًا واسعًا في بناء علاقات متعددة الاتجاهات.
ويؤكد أبو عليان في حديثه إلى “أثير” إلى أن ارتباط موقع الدقم جغرافيًا بالهند وشرق أفريقيا ودول الخليج يساعد على جذب الاستثمارات الهندية والصينية والآسيوية، إلى جانب الانفتاح على الشركات الغربية والاستثمارات الأوروبية.
وينبه أن هذا التنوع ينسجم مع السياسة العُمانية القائمة على تنويع الشركاء وعدم الارتهان لمحور جيوسياسي واحد، بما يعزز استقلالية القرار الاقتصادي والاستراتيجي.
وتشير هذه السياسة، بحسب أبو عليان، إلى أن الميزة العُمانية لا تقوم على الجغرافيا وحدها، بل على القدرة على إبقاء الدقم منصة اقتصادية مفتوحة أمام شركاء متنافسين دون تحويلها إلى ساحة استقطاب سياسي.
أما باعبود، فيرى أن الحياد العُماني في هذا السياق لا يمثل موقفًا سياسيًا فحسب، بل يحمل قيمة اقتصادية قابلة للاستثمار؛ فالشركات والدول تميل إلى المواقع التي تستطيع التعامل مع مختلف الأطراف دون أن تكون جزءًا من صراع المحاور.

مشاريع ضخمة

وفي يونيو 2026، أُعلن عن حزمة من الاتفاقيات والاستثمارات الجديدة في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، بلغت قيمتها أكثر من 2.9 مليار ريال عُماني، بما يعادل نحو 7.5 مليارات دولار أمريكي. وشملت عشرة اتفاقيات ومذكرات تعاون لإقامة مشروعات جديدة في المنطقة.
وتضمنت هذه الاستثمارات ما يلي:
1.6 مليار ريال: مشروع شركة “أكمي” للهيدروجين الأخضر.
350 مليون ريال: مشروع تصميم وتنفيذ وتشغيل محطة توليد الكهرباء من قبل شركة “الساحل للطاقة” بالتعاقد مـع الشركة العمانية لشراء الطاقة والمياه.
  • 192.2 مليون ريال: تأسيس مشروع صناعة مواد أنود البطاريات المستخدمة فــي الـسـيارات الكهربائية.
  • 30 مليون ريال: إنشاء 500 وحدة سكنية لموظفي شركة جندال للحديد.
  • 12.3 مليون ريال: إنشاء مصنع لصناعة المنتجات الكيميائية.
  • 10 ملايين ريال: مشروع صناعة الهياكل الحديدية من قبل شركة “دي اس” دي فيرومـيتالكو“.
  • 507 مليون ريال: مشروع صناعة القوالب الاسمنتية الجاهزة للمشروعات.
  • 288 مليون ريال: محطة فصل ومعالجة سوائل الغاز (أوكيو).
  • 184.5 مليون ريال: مشروع روبي السياحي والتجاري.
  • 96.2 مليون ريال: مشروع كوري لإنتاج السيارات الكهربائية وخلايا البطاريات، بطاقة إنتاجية تصل إلى 60 ألف سيارة سنويًا و1.6 مليون خلية بطاريات عند اكتمال مرحلته الثانية.
وتشير الاستثمارات الجديدة إلى اتساع قاعدة الأنشطة في الدقم، لتشمل إلى جانب الطاقة والصناعة مشروعات مرتبطة بالسيارات الكهربائية والبطاريات والكيميائيات والإنشاءات والسياحة والبنية الأساسية.

فرص استثمارية واعدة

ومؤخرا، طرحت المنطقة الاقتصادية الخاصة في الدقم فرصًا استثمارية واعدة ضمن 8 قطاعات استراتيجية تشمل الصناعات الثقيلة والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والسياحة والصناعات التحويلية والصناعات السمكية والغذائية، إلى جانب الأنشطة المرتبطة بالتعدين والتقنيات المتقدمة.
وتأتي هذه الفرص ضمن بيئة أعمال مدعومة ببنية أساسية حديثة وحوافز تنافسية وإجراءات ميسرة، بما يعزز جاذبية الاستثمار ويدعم نمو المشروعات وتوسعها.
وتتمثل أبرز المساحات المخصصة في:
  • 37 كيلومترًا مربعًا للمصافي والبتروكيماويات.
  • 24 كيلومترًا مربعًا لتخزين النفط ومشتقاته.
  • 9 كيلومترات مربعة للبتروكيماويات بجانب مصفاة الدقم.
  • 48 كيلومترًا مربعًا للصناعات التعدينية والإسمنتية.
  • 31 كيلومترًا مربعًا للمشروعات السياحية.
  • 35 كيلومترًا مربعًا لمنطقة المعادن الخضراء.
ويرى أبو عليان وباعبود أن هذه الفرص الاستثمارية تعكس توجهًا نحو توسيع القاعدة الإنتاجية والاستثمارية في المنطقة.

وجهة سياحية فاخرة

وإلى جانب التحول الصناعي والاقتصادي، تمتلك الدقم مقومات طبيعية وجيولوجية تجعل السياحة أحد القطاعات التي تسعى المنطقة إلى تطويرها، من الشواطئ الممتدة والتكوينات الصخرية إلى المواقع الأثرية والحفريات والطيور المهاجرة.
وتبرز حديقة الصخور بالدقم بوصفها أحد أبرز معالمها الجيولوجية، إذ تمتد على نحو 6 كيلومترات وتضم تشكيلات من الحجر الرملي والحجر الجيري يعتقد أنها تعود إلى 46 مليون عام، تشكلت بفعل عوامل الرياح والمياه والجليد والعناصر الطبيعية الأخرى على مدى ملايين السنين.
كما تتميز منطقة الحقف بتاريخها الجيولوجي وتضاريسها المتنوعة، وتوفر المواد الخام عالية الجودة لتصنيع الأدوات الحجرية، إلى جانب الصخور والحفريات والمدافن التي تعود إلى عصور قديمة.
وتضم الدقم كذلك صخور الدقم الثلاثية، وهي تشكيلات حجرية عمرها نحو 2000 عام تشكلت بطول الوديان على امتداد الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، من حضرموت في اليمن إلى رأس الحد في شمال عُمان.
وتعد الدقم كذلك منطقة مهمة للطيور المتوطنة والمهاجرة، حيث تزيد الطيور التي تتغذى وتستريح وتعشش على طول شواطئها الرملية وأخوارها وتلالها الداخلية على 100 ألف طائر.
أما شواطئ رأس الدقم ورأس مركز وشوير ونفون، إلى جانب منطقة رأس حمر، فتضيف إلى المشهد السياحي تنوعًا طبيعيًا يمتد من الرمال والمياه المفتوحة إلى التلال والتكوينات الصخرية والحفريات.
ومن أجل تطوير القطاع السياحي في الدقم، طرحت الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة مخططا لتطوير أكثر من 2600 وحدة ضيافة فندقية بحلول 2040، وأكثر من 3700 وحدة سكنية، إلى جانب مرافق ثقافية وترفيهية تمتد على أكثر من مليون متر مربع، مع توقعات باستقطاب حوالي 370 ألف زائر سنويا.

من الجغرافيا إلى الاقتصاد

وأخيرا؛ فمشروع تطوير الدقم الذي بدأ قبل 15 عاما من الآن، بدأ يؤتي ثماره، ومع تغير خريطة المخاطر في الممرات البحرية، يصبح الموقع المفتوح على بحر العرب واحدًا من أهم مشايع سلطنة عُمان، لتحويل هذه الميزة الجغرافية والبنية الأساسية والاستثمارات المتنامية إلى حركة تجارة وصناعة وقيمة اقتصادية مستدامة.

شارك هذا الخبر