رصد - أثير
في الشهر السادس من حرب كان المأمول أن تستغرق ستة أسابيع فقط، تواصل إدارة ترامب تقليص أهدافها الحربية بشكل تدريجي. فما بدأ بمسعى لتغيير النظام في إيران تحول إلى محاولة لاحتواء برنامج طهران النووي (الذي تم الادعاء بتدميره كاملاً)، ثم إلى تدمير قدراتها الصاروخية، أو على الأقل تحييد وكيليها الإقليميين، أو في أضعف الإيمان إعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً أساساً قبل أن يبدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الحرب.
ناقشت فورين بوليسي في مقال لها رصدته “أثير” سياسة تقليص الأهداف هذه وهل هناك إمكانية لتحقيق الهدف الجديد، حيث طرح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس هدفاً حربياً جديداً وأكثر تقشفاً ومحدودية: خفض أسعار الطاقة للمستهلكين الأمريكيين، والتي شهدت قفزات حادة جراء أشهر من الاضطرابات التي أصابت أسواق الطاقة العالمية بنتيجة هذه الحرب.
وقال فانس الأسبوع الماضي: “هذا هو الهدف رقم واحد، إبقاء النفط والغاز رخيصَي الثمن لجميع الأمريكيين في كافة أرجاء البلاد”، مضيفًا أن “الهدف رقم اثنين بطبيعة الحال هو ضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي أبداً”.
وسرعان ما كرر ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي أن إنهاء البرنامج النووي الإيراني المترنح يظل الأولوية القصوى، على الرغم من تقارير تشير إلى عدم وجود أي مناقشات بين واشنطن وطهران حول الملف النووي منذ أشهر. ويبدو أن إيران ليست في وارد خوض المزيد من المحادثات، إذ تطالب إيران إدارة ترامب بالالتزام ببنود مذكرة التفاهم التي وقّعها ترامب في يونيو، بما في ذلك دفع 300 مليار دولار كتعويضات، وإنهاء الحصار الأمريكي، ورفع العقوبات.
إن كبح أسعار محطات الوقود، التي ارتفعت بنحو دولار واحد للغالون منذ العام الماضي، يمثل هدفاً سياسياً مفهوماً قبل أشهر قليلة من الانتخابات التكميلية الأمريكية، حيث سمحت إدارة بايدن لأسعار النفط بإملاء جزء كبير من حملة الضغط التي مارستها ضد روسيا في أعقاب غزو أوكرانيا عام 2022.
معضلة أسعار الطاقة
قال كيفن بوك، المدير العام لشركة “كلير فيو إنرجي بارتنرز”، وهي شركة استشارات طاقة مقرها واشنطن: “لقد صرح فانس بالحقيقة، ففي بعض الأحيان تكون الأولوية للوضع الاقتصادي، وفي أحيان أخرى للمهمة النووية، وفي أوقات أخرى للمهمة العسكرية”
لكن كبح أسعار البنزين (والديزل) سيكون مهمة شاقة، حتى لو أُدرجت الآن ضمن أولويات البيت الأبيض.
فما يزال مضيق هرمز، وهو أهم اختناق ملاحي للطاقة في العالم، يعاني من حالة شلل، حيث تبقى حركة العبور اليومية للسفن أعلى بقليل من خانة الآحاد، بعد أن كانت تتجاوز 100 رحلة عبور يومية قبل الحرب (وقليل من هذه السفن، سواء الداخلة أو الخارجة، هي ناقلات نفط). كما أنها لا تزال منطقة استهداف، إذ تعرضت سفينة للهجوم في وقت مبكر من يوم الثلاثاء أثناء محاولتها الخروج من المضيق عبر المسار الجنوبي. ولن تسهم الهجمات المستمرة على الشحن في تشجيع مالكي السفن على خوض هذه المخاطرة، بغض النظر عن تأكيدات ترامب المتكررة بأن الولايات المتحدة تمتلك “سيطرة كاملة” على المضيق. وقامت شركتا شحن صينيتان كبيرتان مملوكتان للدولة بإيقاف إرسال الناقلات عبر المضيق يوم الثلاثاء.
وهذا يعني أن ما لا يقل عن 5 إلى 6 ملايين برميل من النفط ما تزال غائبة عن الأسواق العالمية يومياً، كما هو الحال في كل يوم منذ بدء الحرب. وفي الوقت نفسه، تتناقص مخزونات النفط، سواء التجارية أو الاحتياطيات الاستراتيجية، بشكل مستمر منذ أشهر (على الرغم من أن المخزونات التجارية الأمريكية أظهرت انتعاشاً غير متوقع الأسبوع الماضي).
وعادت أسعار النفط الخام المرجعية العالمية لتتجاوز 90 دولاراً للبرميل. وبلغ متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة 4.06 دولار للغالون على مستوى البلاد، ارتفاعاً من 3.14 دولار للغالون قبل عام واحد. أما المشهد بالنسبة للديزل فأكثر قتامة، إذ بلغ 5.46 دولار للغالون حالياً مقابل 3.69 دولار قبل عام، وهو ما ينذر بالسوء مع الاقتراب من موسم الحصاد. وخرق هامش تكرير الديزل (الفارق بين سعر الخام والمنتج المكرر) حاجز 100 دولار للبرميل لأول مرة على الإطلاق هذا الأسبوع، في إشارة إلى مدى الضغط الذي تعانيه مصافي التكرير.
هل تنجح زيادة إنتاج النفط في خفض الأسعار؟
نحن الآن في عنق الزجاجة بالفعل، ولكن الأمر لا يقتصر على مضيق هرمز فحسب. فالطاقة التكريرية العالمية عاجزة ببساطة عن مواكبة متطلبات معالجة النفط الخام المتاح لتلبية الطلب على البنزين والديزل ووقود الطائرات. وتعمل المصافي الأمريكية بنسبة تشغيل قياسية بلغت 96%، ومع ذلك تواصل أسعار البنزين والديزل الارتفاع. والشهر المقبل، من المقرر أن تتوقف العديد من المصافي عن العمل لأعمال الصيانة الموسمية، مما سيفاقم أزمة التكرير.
يُضاف إلى ذلك فقدان جزء كبير من طاقة التكرير العالمية، ويرجع ذلك جزئياً إلى حملة “العقوبات بعيدة المدى” التي تشنها أوكرانيا عبر ضربات الطائرات المسيرة والصواريخ التي عطلت جزءاً ضخماً من المصافي الروسية، فضلاً عن الأضرار المستمرة التي لحقت بمصافي الشرق الأوسط جراء حرب المواجهات القصيرة في الخليج في وقت سابق من هذا العام.
وقال بوك: “لا يوجد حل أمريكي خالص. المشكلة عالمية، فهوامش التكرير ضخمة في كل مكان، والعديد من المصافي خارج الخدمة. وحتى إضافة المزيد من النفط الخام لن يحل المشكلة، المتمثلة في أن المصافي في روسيا تضررت بفعل المسيرات في نفس الوقت الذي تضررت فيه المصافي في الشرق الأوسط جراء القتال”.
الخيارات الصعبة في أبريل قد تصبح خيارات مقبولة في أكتوبر
قد يكون هناك حل واحد، ولكنه ليس خياراً جيداً: تقليص الصادرات الأمريكية من المنتجات المكررة مثل البنزين والديزل، والتي تبلغ نحو 3 ملايين برميل يومياً. وهي فكرة تطفو على السطح باستمرار منذ الربيع، ويكرر البيت الأبيض التأكيد على أنها ليست مطروحة على الطاولة. إن تقليص تلك الصادرات من شأنه، على المدى القصير جداً، الاحتفاظ بالمزيد من المنتجات المكررة داخل الولايات المتحدة، مما قد يخفض أسعار المحطات في بعض المناطق.
وتكمن المشكلة في هذه الفكرة، وهو السبب الذي جعل شركات النفط تجادل بقوة مع الإدارة ضد مجرد التفكير فيها، في أنها ستكون كارثية.
إن إنهاء الصادرات من المصافي الأمريكية، والتي يقع معظمها على ساحل الخليج الأمريكي، سيؤدي إلى تخزين وتخثر فائض ضخم من البنزين والديزل في تلك المنطقة. ولكن سيكون من الصعب جداً شحن تلك الإمدادات الفائضة إلى مناطق أخرى من البلاد. ومع انقطاع تدفق الصادرات المربحة وتراكم الفائض، ستعمد المصافي تلقائياً إلى خفض إنتاجها، مما يؤدي إلى خفض أكبر في المنتجات المكررة وارتفاع الأسعار. كما سينقل هذا العبء المتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة إلى حلفاء الولايات المتحدة الذين باتوا يعتمدون على كميات ضخمة من صادرات الطاقة الأمريكية لتجاوز الاضطرابات في الشرق الأوسط.
ختم بوك تصريحه قائلاً:
“إنها فكرة مروعة. لكن الأفكار المروعة في أبريل قد تصبح خيارات مطروحة في أكتوبر”.





