أثير - الركابي حسن يعقوب
الضربة التي وجهتها أمريكا لجزيرة لارك الإيرانية أمس لم تكن هي الأولى ولن تكون الأخيرة، فقد استهدفت القيادة المركزية الأمريكية أواخر مايو الماضي الجزيرة بضربات لزوارق بحرية إيرانية كانت متواجدة جنوبي الجزيرة.
ومنذ ذلك الوقت ظلت الجزيرة هدفًا تعده واشنطن حيويًا ومهمًا ويمثل أحد أهم مفاصل تحكم إيران في مضيق هرمز ومحيطه، وبالتالي فإنها أدرجته ضمن بنك الأهداف الإستراتيجية لديها، وتأتي لارك على رأس أحد أربعة أهداف عسكرية تضعها واشنطن ضمن أولوياتها القصوى لإنهاء أو على الأقل إضعاف سيطرة طهران على مضيق هرمز من ناحية، ومن ناحية أخرى فرض سيطرتها هي على المضيق، وهو هدف أمريكي معلن كان قد كشف عنه موقع آكسيوس قبل نحو شهر من توقيع مذكرة التفاهم، وعبر عنه الرئيس ترامب عدة مرات، كان آخرها أمس الاثنين، حيث أشار بوضوح بأنه يعتزم إخضاع المضيق لسيطرة بلاده عقب ما سماه بـ”القضاء على إيران”.
وبرزت أهمية جزيرة لارك الإيرانية في أعقاب تحويل إيران لمسار حركة السفن العابرة التي كانت تمر بصورة سلسة بين جزيرة لارك والأراضي العُمانية، فحولت مسار السفن لتعبر بين مضيق هرمز وجزيرة قشم وجزيرة لارك، وبهذا التغيير أصبحت جزيرة لارك تطل مباشرة على حركة السفن ذهابًا وإيابًا، وبالتالي اكتسبت وضعًا إستراتيجيًا مهمًا، فهي تقع في قلب مضيق هرمز، واتخذتها إيران نقطة ارتكاز بحرية تستطيع من خلالها اعتراض السفن، بالإضافة إلى كونها نقطة تصدير رئيسية للنفط الإيراني وتمثل الجزيرة نقطة مراقبة مهمة للمضيق.
ومن هنا يمكن معرفة لماذا استهدفت البحرية الأمريكية الجزيرة بضرباتها أمس، حيث يمكن القول إنها ضربة البداية لخطة أمريكية للاستيلاء على الجزيرة تبدأ بتدمير منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية وراجمات إطلاق الألغام ولإضعاف السيطرة الإيرانية على الجزيرة، وبالتالي الحد من قدرة إيران على الإحاطة بمضيق هرمز وزرع الألغام فيه تمهيدًا لإنهاء سيطرة إيران عليها.
غير أن الأمر وبحسب الطبيعة الجغرافية للجزيرة وتضاريسها ليس بالسهل، حيث تتمتع جزيرة لارك بموقع حصين يجعل من الصعب على البحرية الأمريكية فرض السيطرة الكاملة عليها دون أن تتكبد خسائر فادحة مع احتمال فشل المهمة، خاصة وأن إيران تعتبرها نقطة مفتاحية تتيح لها مواصلة فرض سيطرتها على مضيق هرمز، وبالتالي لن تفرط في الإمساك بها باعتبارها أكبر نقاط القوة التي تمتلكها إيران في صراعها مع أمريكا.
وبناءً على هذه الحقائق الجيوإستراتيجية فالمعادلة الجديدة تقضي بأن من يسيطر على جزيرة لارك يسيطر على مضيق هرمز.
ويبدو أن أمريكا قد أخذت أمرها لقبول التحدي وخوض المغامرة، مغامرة السيطرة على جزيرة لارك، ورغم أن المهمة ووفقًا للمعطيات الجغرافية تبدو صعبة وبعيدة المنال، إلا أن الطموح الجامح للرئيس ترمب قد يجعلها افتراضيًا ممكنة جريًا على عادته باستخدام نهج التجربة والخطأ والمقامرة والرهان حتى على الفرس الأعرج، ولسان حاله يقول لا بد من لارك وإن طال السفر، فقد ظل يردد بأنه ليس في عجلة من أمره وأنه لا يأبه بالوقت، وهو ما يمكن أن يمثل خطرًا فعليًا على المنطقة ويطيل أمد الصراع والأزمة وقد بدأ ترامب في البحث عن حلول لمعضلة ارتفاع أسعار الطاقة في الداخل الأمريكي وذلك بإعلانه الأخير عن توصل بلاده لاتفاق “صفقة” مع فنزويلا للسيطرة على أكثر من 65 مليار برميل من احتياطياتها النفطية المؤكدة، وقد كتب في تروث سوشال “هذه الصفقة التاريخية تزيد احتياطيات النفط الأمريكية بأكثر من الضعف وتزيد بشكل كبير من إمداداتنا النفطية وتخفض أسعار البنزين بشكل ملحوظ لجميع الأمريكيين”.
وبهذا يكون الرئيس ترامب قد أمّن للأمريكيين حصولهم على حصصهم من الوقود بأسعار مخفضة ووقاهم تأثيرات أزمة الطاقة التي ستترتب على طول أمد الصراع مع إيران حول مضيق هرمز، وفي نفس الوقت يتفادى الآثار السياسية السالبة المتوقعة من طول أمد الأزمة مع غياب البدائل، وبالتالي يمكنه ذلك من خوض الصراع حول المضيق لأطول مدة قد يستغرقها.
وهذا السيناريو الذي هو الأقرب للحدوث بناءً على المعطيات الراهنة ستكون له عواقب وخيمة وآثار خطيرة على المنطقة وعلى سوق الطاقة والتجارة العالمية وقد يجر إلى ساحة الصراع قوى إقليمية ودولية ذات ارتباطات اقتصادية عضوية بالمنطقة وبالمضيق ومصالح متضادة مع أمريكا لا ترضى بهيمنة أمريكية أحادية على المضيق، حيث من المتوقع أن تفرض أمريكا شروطها على غرار تجربة فنزويلا خصمًا على مصالح هذه القوى.
إن الضربة الأمريكية لجزيرة لارك من المرجح أن تمثل نقطة تحول كبرى في الصراع الحالي بين طهران وواشنطن، ومن المرجح أن تتلوها ضربات لاحقة مرات ومرات مترافقة مع الخنق الاقتصادي حتى تحقيق الهدف منها وهو السيطرة عليها ومن ثم على مضيق هرمز وبسط النفوذ والهيمنة الأمريكية على المنطقة.






