أثير - الركابي حسن يعقوب
اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خيار شن حرب اقتصادية قوية وغير مسبوقة في التاريخ حسب تعبيره على إيران وسماها بإنزال اقتصادي على غرار “إنزال نورماندي”.
وإنزال نورماندي هو أكبر عملية إنزال في التاريخ العسكري نفذتها دول ما عرف بـ “الحلفاء” وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفياتي السابق في يونيو من العام 1944م، خلال الحرب العالمية الثانية وتمت انطلاقًا من بريطانيا على سواحل منطقة النورماندي شمال غربي فرنسا، لفتح جبهة جديدة ضد ألمانيا وشارك فيها أكثر من مليونيْ جندي و300 ألف مركبة عسكرية.
ومن المفارقات التي تعكس تقلبات السياسة الدولية وتحولاتها الهائلة وطبيعة تحالفات الفاعلين الدوليين في ساحتها، هي إمكانية تحالف الأضداد إذا توافقت وتلاقت المصالح، وتنافر المتحالفين إذا تفرقت المصالح، حيث جمع معسكر الحلفاء في ذلك الوقت الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي قبل أن تتبدل المصالح وتفترق الطرق بينهما ويقع ما بينهما ما صنع الحداد ليصبحا لاحقاََ عدوين لدودين تزعما معسكرين متنافرين متضادين فيما عرف في السياسة الدولية بالحرب الباردة
وأكثر من ذلك مفارقة، أن الاجتماع الأول لدول “الحلفاء” للتحضير لعملية النورماندي ضد دول “المحور” والتي ضمت ألمانيا وإيطاليا واليابان والمجر ورومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا وكرواتيا، انعقد في العاصمة الإيرانية طهران!!
نعم طهران، ففي 28 نوفمبر من العام 1943 التقى قادة دول “الحلفاء” الأساسية الكبرى وهي الولايات المتحدة وبريطانيا والإتحاد السوفيتي في العاصمة الإيرانية طهران، وقد كانت طهران في ذلك الوقت أمريكية الهوى غربية التوجه، حيث ناقش زعماء الدول الثلاثة خلال اللقاء مستقبل إستراتيجية المواجهة العسكرية مع دول “المحور”، حيث خرجت القمة الثلاثية بقرار يقضي بفتح جبهة جديدة في غرب أوروبا تم التوافق عليها فيما عرف لاحقاً بإنزال النورماندي وهو ساحل فرنسي، حيث أدت العملية إلى إنزال هزيمة ساحقة بدول المحور وتحرير أوروبا من سيطرة ألمانيا وتغيير مسار الحرب العالمية الثانية.
ولا أعتقد أن استدعاء ترامب لهذا الحدث التاريخي الكبير في هذا التوقيت الذي يواجه فيه أكبر أزمة في ولايته الثانية حتى الآن من قبيل التغني بمجد سالف أو مجرد “خطرفة” من “خطرفاته” التي اعتاد أن يطلقها واعتاد الناس على سماعها ومقابلتها برفع حواجب الدهشة و الاستغراب والسخرية، إن في الأمر دلالة عميقة في اعتقادي تتعدى سطح الدهشة والاستغراب لتغوص أكثر نحو العمق..
فالرئيس ترامب يهدف بهذا الاستدعاء تحريك ما يراه قد سكن في عقل زعماء الغرب، ووجدان الشعوب الغربية، هو يريد إيقاظهم وإثارة الحمية التي تربطهم ليقفوا معه في مأزقه وحربه على إيران التي استعصت عليه وأعيته. ترامب يصور بمقولته هذه إيران بألمانيا النازية التي هي في العقل والوجدان الغربي إحدى كبريات نماذج الحكم المتسلط والدكتاتوريات الغاشمة والسلطة الأكثر دموية، وإحدى تشوهات الثقافة الغربية في العصر الحديث.
ويريد من وراء هذا التصوير والتشبيه أن يستقطب إليه الدول الغربية، عسى أن يستجيبوا له ويناصروه في حربه العصية لهزيمة إيران بإنزال شبيه في أثره بإنزال نورماندي العسكري، لكنه إنزال اقتصادي حيث لا مجال للإنزال العسكري الذي أصبح نجاحه - بالتجربة - من رابع المستحيلات. لذلك فقد كتب ترامب في منصة تروث سوشيال ما يشبه الاستغاثة لحلفائه الغربيين يقول “إن الولايات المتحدة بحاجة إلى وقوف جميع حلفائها إلى جانبها لـ”عزل التهديد الإيراني وهزيمته“.
ولكن من واقع الحال منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتكرار نداءات واستغاثات ترامب المبالغ فيها، فإن حاله سيماثل حال الراعي في القصة الشعبية المشهورة " الراعي والذئب“.!
غير أن الأمر الأكثر أهمية وخطورة وغرابة هو اختيار ترامب لخيار الحرب الاقتصادية تالية للخيار العسكري بعد فشل الأخير، وهو اختيار خالي تماماََ من الرشادة السياسية ويعكس تخبطاََ في ترتيب الأولويات، فترامب بهذا الفعل يكون كمن تناول ترياقاََ، ثم تجرع السم بعده ، أو كمن يقدح أعواد الثقاب كلها ليتأكد من صلاحيتها.
والسبب هو ببساطة أن الحرب الاقتصادية لن تكون حصراََ على إيران، فالحرب التقليدية يمكن فيها استخدام الذخائر الذكية الموجهة لأهدافها بدقة عالية ويمكن فيها تفادي التحليق فوق أجواء الدول باستخدام الصواريخ الذكية والمسيرات وغيرها من الأسلحة الموجهة. لكن الأمر يختلف بشأن الحرب الاقتصادية لا مجال فيها للتحكم في آثارها ولا توجيهها بدقة دون أن تصيب نيرانها الأصدقاء والأعداء من غير المنخرطين في الحرب بصورة مباشرة.
ترامب يشعل النار في طرف ثوبه وهو يقدح الشرارة الأولى في حربه الاقتصادية التي يستهدف بها إيران، ذلك أن الاقتصاد العالمي عبارة عن دائرة مكتملة الولايات المتحدة جزء أصيل لا يتجزأ من هذه الدائرة وإيران التي يراد خنقها اقتصادياََ تقع في قلب منطقة هي بالمقاييس الاقتصادية الراهنة تمثل مركز هذه الدائرة ونقطتها الثابتة في منتصفها بلا منازع.
منطقة الخليج ليست منطقة هامشية نائية بحيث يمكن إشعال حريق فيها دون أن تمتد ألسنته إلى بقية المناطق الأخرى، وإن أنداد ومنافسي الولايات المتحدة من القوى الدولية الأخرى ذات الوزن الثقيل اقتصادياََ وسياسياََ وعسكرياََ وتلك التي لديها روابط اقتصادية خاصة تجمعها بإيران هي أول من ستطالها حرب ترامب الاقتصادية ، وأن إمعان الرئيس ترامب في إطلاق تهديداته للقوى والكيانات الدولية التي تتعامل مع إيران بأن سيف العقوبات سيسلط عليها هو إمعان في استعداء هذه الدول والكيانات وجرها لساحة مواجهة هي غير ضرورية ولا تخدم موقف ومصلحة الولايات المتحدة ، بل يمكن أن تتسبب في المزيد من التضييق عليها وسد كل منافذ وسبل خروجها من هذا المأزق غير المسبوق.
فالصين على سبيل المثال لديها مصالح خاصة وحيوية تربطها بإيران، فهي تستورد ما نسبته 80٪ من حاجتها من النفط من إيران وتمر صادراتها التجارية من خلال هذه المنطقة عبر مضيق هرمز، وبطبيعة الحال لن تسكت على أي نوع من الإجراءات والتدابير التعسفية في هذه المنطقة من شأنه أن يضر بمصالحها ويؤدي لخنقها اقتصادياََ.
فهناك حرب اقتصادية قائمة أصلاََ بين الصين وامريكا ابتدأتها الأخيرة، حين فرضت رسوماََ جمركية عالية جداً على السلع الصينية وقيوداََ صارمة على التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإمداد العالمية والعقوبات المباشرة على الشركات الصينية العملاقة ووضعها في قوائم الحظر التجاري الأمريكية.
ويأتي هذا التطور الأخير من قبل أمريكا بمثابة القشة التي ستقصم ظهر العلاقة بين الصين وأمريكا، ما لم تتراجع واشنطن عنه، وقد ينسف انعقاد القمة الصينية الأمريكية المرتقبة الشهر القادم في واشنطن والتي تعول عليها واشنطن كثيراً لوضع العلاقات الثنائية بينها وبين ندها الاقتصادي في نصابها الصحيح. وبكين التي لديها مآخذ على سلوك واشنطن تجاه تايوان ستلتقط تحذيرات ترامب للدول التي لا تلتزم بتطبيق عقوباتها على إيران كرسالة تهديد مباشرة لها ولن تقبل بذلك بالطبع.
روسيا هي الأخرى لن تقبل بذلك لما لها من مصالح مع إيران كحليف إقليمي ذو أهمية كبرى، وكلتا الدولتين الصين وروسيا ستنظران إلى الحرب الاقتصادية التي أطلقتها واشنطن على أنها حرب الهدف منها تقليص نفوذهما وتقويض مصالحهما الحيوية في المنطقة وهي مصالح تقع داخل المنطقة الحمراء التي لا تسمح الدولتان لأحد من القوى الدولية التعدي عليها.
إن آخر ورقة في يد ترامب مما تبقى في يده من أوراق في حربه ضد إيران توشك أن تحترق .





