د. باعبود يوضح لـ “أثير”: ما الذي يجعل اتفاق هرمز المرتقب ممكنا؟

تستضيف صلالة اجتماعًا إقليميًا لبحث أمن الملاحة في مضيق هرمز، وسط فرص لتفاهم محدود يحدد ممرات آمنة وآلية اتصال وضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.

د. باعبود يوضح لـ “أثير”: ما الذي يجعل اتفاق هرمز المرتقب ممكنا؟
د. باعبود يوضح لـ “أثير”: ما الذي يجعل اتفاق هرمز المرتقب ممكنا؟
خاص- أثير
من المرتقب أن تستضيف ولاية صلالة يوم الاثنين المقبل اجتماعًا إقليميًا يبحث مسارات الملاحة التجارية الآمنة في مضيق هرمز، والذي يُعد الأول منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي وما تبعها من من تطورات عسكرية واضطرابات في حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، قد أوضح في وقت سابق أن هذا الاجتماع سيضم وزراء خارجية دول الخليج بالإضافة إلى العراق وإيران، غير أن وزارة الخارجية البحرينية أعلنت اليوم عدم مشاركتها في أي اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وفي هذا الإطار، حاورت “أثير” البروفيسور عبدالله بن صالح باعبود أكاديمي مختص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج والشرق الأوسط، لقراءة أهمية الاجتماع المرتقب، والتحديات التي تواجهه، وفرص الوصول إلى تفاهم قابل للتنفيذ، والسيناريوهات المحتملة، وموقع سلطنة عُمان بين الأطراف المختلفة.

أزمة إقليمية

أشار البروفيسور عبدالله باعبود إلى أن بعض التفاصيل النهائية للاجتماع لم تُعلن رسميًا بعد، وأن المعلومات المتاحة تتحدث عن دعوة لاجتماع وزاري في صلالة يوم الاثنين 14 سبتمبر، بمشاركة إيران والعراق ودول الخليج (وأعلنت مملكة البحرين عدم مشاركتها)، لبحث أمن الملاحة ونتائج المباحثات العُمانية-الإيرانية بشأن مضيق هرمز.
والدافع الأساسي هو أن أزمة مضيق هرمز لم تعد خلافًا سياسيًا أو عسكريًا محدودًا، بل تحولت إلى أزمة إقليمية ودولية تمس أمن الملاحة والطاقة والاقتصاد الخليجي والعالمي. وبعد أسابيع من المحادثات الثنائية بين مسقط وطهران، قررت سلطنة عُمان أن أي تفاهم بشأن المضيق لا يمكن أن يبقى ثنائيًا؛ لأن نتائجه تمس جميع الدول المطلة على الخليج. وهذا ما أشارت إليه اتفاقية التفاهم الأمريكية- الايرانية في بندها الخامس.
كما أن استمرار استهداف السفن، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وتقييد حركة العبور، بالتزامن مع تصاعد المخاطر في باب المندب، يجعل التحرك أكثر إلحاحًا. ويرى باعبود بأن مسقط تعمل على نقل المسار من إدارة الأزمة بين سلطنة عُمان وإيران إلى إطار إقليمي أوسع يمنح أي تفاهم قدرًا أكبر من الشرعية والقبول.

الاجتماع الأول منذ بداية الحرب

اعتبر البروفيسور بأن أهمية الاجتماع تبدأ من انعقاده. ففي ظل الحرب وانعدام الثقة وغياب العلاقات المباشرة بين بعض الأطراف، يشكل الاجتماع كسرًا لحالة القطيعة واعترافًا بأن الأمن البحري جماعي ولا يمكن فرضه عسكريًا من طرف واحد.
كما أنه ينقل دول الخليج من موقع المتلقي لنتائج الصراع الأميركي-الإيراني إلى محاولة المشاركة في صياغة ترتيبات تمس أمنها ومصالحها مباشرة. والجلوس إلى طاولة واحدة لا يعني انتهاء الخلافات، لكنه قد يؤسس لقناة إقليمية لإدارة الأزمة ومنع سوء الحسابات، وربما يفتح لاحقًا حوارًا أوسع حول الأمن والتعاون الإقليمي.
وأكد في حديثه لـ “أثير”، بأن هناك مصلحة مشتركة واضحة في استمرار حركة الملاحة، لكن لا توجد حتى الآن رؤية مشتركة متكاملة لكيفية إدارتها. فجميع دول الخليج، بما فيها إيران، تتضرر من تعطيل المضيق، كما أن تراجع حركة التجارة وصادرات الطاقة يضر بالاقتصاد الإيراني نفسه.
لكن الخلاف ربما يدور حول بعض تفاصيل الشروط والضمانات: هل يكون المرور بلا رسوم أو قيود؟ من يوفر الحماية؟ ما طبيعة الخدمات البحرية؟ وما دور الدول المشاطئة؟ وما دور القوى الأجنبية؟ لذلك فالأرضية المشتركة هي ضرورة إعادة الحركة وتأمينها، أما الخلاف فهو على القواعد السياسية والأمنية التي تحكم ذلك.

كيف يمكن الوصول إلى تفاهم؟

وعن إمكانية الوصول إلى تفاهم قابل للتنفيذ، أشار باعبود إلى إمكانية الوصول إلى تفاهم محدود وقابل للتنفيذ إذا ركز على المسائل العملية، مثل تحديد ممرات آمنة، وحرية عبور السفن التجارية، وإزالة الألغام والعوائق، وإنشاء آلية اتصال مباشرة للتعامل مع الحوادث.
أما إذا حُمّل الاجتماع ملفات الحرب والعقوبات والبرنامج النووي والوجود العسكري الأميركي دفعة واحدة، فستتضاءل فرص نجاحه، فالمطلوب في هذه المرحلة ليس حل جميع أزمات المنطقة، بل منع المضيق من التحول إلى ساحة حرب مفتوحة. نجاح محدود وعملي أفضل من اتفاق شامل غير قابل للتطبيق.

لماذا اتفاق مؤقت وليس حلًا دائمًا؟

اعتبر باعبود بأن الظروف السياسية والعسكرية الراهنة لا تسمح بتسوية دائمة، فالحرب لم تنتهِ، وأسباب التصعيد ما زالت قائمة، كما أن الولايات المتحدة طرف مؤثر في المعادلة وإن لم تكن حاضرة في الاجتماع، مشيرًَا إلى أن الاتفاق المؤقت هو إجراء لبناء الثقة واختبار الالتزام، وليس بديلاً عن الحل الدائم. ويمكن أن يوفر فترة آمنة للملاحة ويمنع مزيدًا من التصعيد، ثم يتحول لاحقًا إلى ترتيب أوسع. لكن المؤقت يجب ألا يصبح إدارة مفتوحة للأزمة؛ بل ينبغي أن يتضمن آلية للمراجعة وجدولًا زمنيًا للانتقال إلى تسوية أكثر استدامة.

السيناريوهات الأكثر احتمالًا

أفاد البروفيسور بأن هناك عدة سيناريوهات محتملة:

  • السيناريو الأكثر ترجيحًا هو صدور تفاهم سياسي عام يؤكد حرية الملاحة ورفض استهداف السفن، مع تشكيل لجنة فنية أو أمنية لمناقشة آليات التنفيذ.
  • السيناريو الأفضل يتمثل في اعتماد ممرات آمنة بلا رسوم، وجدول زمني لإزالة الألغام، وآلية اتصال مشتركة، ومتابعة دورية بمشاركة الدول المعنية.
  • السيناريو السلبي فهو أن يتحول الاجتماع إلى تبادل للمواقف والاتهامات من دون نتائج تنفيذية. ومع ذلك، حتى في هذه الحالة، فإن إبقاء القناة مفتوحة يظل مهمًا لمنع سوء التقدير والانزلاق نحو مواجهة أوسع.

ما الضمانات التي تحتاج إليها الأطراف لضمان الالتزام بما يتم التوصل إليه؟

أكد باعبود على أن الضمانات الفاعلة لا تقوم على الوعود وحدها، بل تحتاج إلى آليات واضحة، أهمها:
  • أن يكون هناك نص مكتوب يحدد الحقوق والالتزامات بدقة.
  • عدم فرض رسوم على حق المرور الدولي .
  • لجنة فنية مشتركة لمتابعة التنفيذ.
  • خط اتصال مباشر لمعالجة الحوادث.
  • آلية محايدة للتحقق من الانتهاكات.
  • إشراك شركات الملاحة والمنظمات البحرية الدولية في الجوانب الفنية.
  • تعهد متبادل بعدم استهداف السفن والمنشآت والممرات البحرية.
  • كما يحتاج الاتفاق إلى ضمان سياسي أوسع بألا يُستخدم المرور الآمن غطاءً لعمليات عسكرية، وألا تُستغل الترتيبات الملاحية لفرض سيادة أحادية على المضيق.

كيف يمكن أن تنظر واشنطن إلى الاجتماع؟

أفاد البرفيسور في حديثه لـ “أثير” بأن واشنطن قد تنظر إليه من زاويتين. فمن جهة، سيخدم فتح المضيق مصالحها ومصالح الاقتصاد العالمي، ويخفف الأعباء العسكرية والاقتصادية المترتبة على حماية السفن ويوفر مخرج لها من هذه الأزمة. ومن جهة أخرى، قد تتحفظ على أي اتفاق يمنح إيران نفوذًا سياسيًا أو ماليًا، أو يفصل ملف الملاحة عن العقوبات والملف النووي والقوة الصاروخيّة ووكلاءها في المنطقة.
المشكلة أن الولايات المتحدة ليست طرفًا في الاجتماع، لكنها طرف مباشر في الصراع وفي المعادلة الأمنية للمضيق. ولذلك يمكن لاتفاق إقليمي أن يخفف الأزمة، لكنه لن يكون مستدامًا إذا استمرت المواجهة الأميركية-الإيرانية. المطلوب ليس بالضرورة مشاركة واشنطن في تفاصيل إدارة المضيق، بل عدم عرقلتها للتفاهم وتقديم ضمانات لاحترام الملاحة التجارية.

مبادئ مسقط

أكد باعبود بأن سلطنة عُمان لا توازن بين ولاءات لأي طرف، بل بين مصالحها الوطنية والتزاماتها الإقليمية والدولية. فعلاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة لا تعني تبني جميع سياساتها، كما أن علاقتها الجيدة بإيران لا تعني الموافقة على جميع مواقف طهران.
وأوضح بأن المعيار العُماني هو الحفاظ على السيادة والمصلحة الوطنية، والقانون الدولي، وحرية الملاحة، وسيادة الدول الساحلية، ومنع تحويل أراضي المنطقة ومياهها إلى ساحة صراع. مشيرًا إلى أن قوة عُمان تكمن في قدرتها على التحدث إلى الطرفين من دون أن تصبح أداة لأي منهما. وإذا تعارضت رؤيتاهما، تتمسك مسقط بالمبادئ لا الاصطفاف: لا لإغلاق المضيق، ولا لفرض رسوم على المرور الدولي، ولا لاستخدامه منصةً للحرب.

تطورات المنطقة

وعن التطورات الأخيرة، أوضح البروفيسور بأن التطورات في اليمن تزيد أهمية الاجتماع وتعقّد مهمته في الوقت نفسه. فالتصعيد حول باب المندب، والتقدم الحوثي، واستهداف خط النفط السعودي شرق-غرب، يعني أن المخاطر لم تعد محصورة في هرمز، بل أصبحت تطوق طرق التجارة والطاقة من الشرق والغرب.
وهذا قد يدفع السعودية ودول الخليج إلى التعامل مع اجتماع صلالة بجدية أكبر، لأن حماية هرمز أصبحت ضرورة عاجلة بعد تراجع موثوقية البدائل. لكنه قد يزيد أيضًا الشكوك تجاه إيران إذا رأت الرياض أن حلفاء طهران في اليمن يستخدمون باب المندب والأراضي اليمنية للضغط عليها. وبالتالي فإن أحداث اليمن قد تكون حافزًا للتفاهم، لكنها ستجعل مسألة الضمانات وفصل أمن الملاحة عن صراعات النفوذ أكثر إلحاحًا.
وختم البروفيسور عبدالله بن صالح باعبود حديثه لـ “أثير” بأن اجتماع صلالة لا ينبغي أن يُختزل في كونه محاولةً لإعادة فتح ممر بحري مؤقت. فأهميته الحقيقية تكمن في اختبار قدرة دول المنطقة على إدارة أمنها عبر الحوار والتعاون، بدل انتظار تفاهم أميركي-إيراني أو دفع ثمن الصدام بينهما.
واعتبر أن نجاح الاجتماع، ولو جزئيًا، قد يفتح الباب أمام إطار إقليمي دائم لأمن الملاحة يضم دول مجلس التعاون وإيران والعراق. أما فشله فسيؤكد مجددًا أن الخليج يمتلك الثروة والموقع الاستراتيجي، لكنه ما زال يفتقر إلى منظومة جماعية قادرة على حماية أمنه واستقراره. فمضيق هرمز يمكن أن يبقى رهينة للصراع، أو يتحول إلى نقطة البداية لنظام إقليمي جديد مبني على أسس الحوار وحسن الجوار، والتعاون والتكامل والتفاهم والقبول بالآخر؛ واجتماع صلالة هو اختبار أساسي وأول لهذا الخيار.

شارك هذا الخبر