أثير- ناصر الحارثي
وسط انشغال العالم بالحروب والأزمات في شرق العالم وغربه، هناك دولة لطالما عُرفت بأنها تعيش في عزلة شديدة، أصبحت اليوم تحقق نموًا اقتصاديًا بنسبة 3% للعام الثالث على التوالي، وفق تقديرات بنك كوريا التابع لكوريا الجنوبية، كما شهدت نموًا في الإنشاءات بنسبة 12% في عام 2024، وارتفع نمو قطاع الصناعات الثقيلة في العام نفسه بنسبة تتجاوز 10%، فمن هي الدولة وما الذي يحدث بالضبط؟
لا توجد دولة يكتنفها الغموض والأخبار الغريبة في العصر الحالي مثل كوريا الشمالية، ولقد قمت في سفري قبل عدة سنوات بزيارة المنطقة منزوعة السلاح على الحدود بين الكوريتين، وتسمى (DMZ)، لم تُجب الزيارة عن الكثير من الأسئلة التي تساورني حول طبيعة الحياة والعمران في شمال شبه الجزيرة الكورية، إذ تكتفي برؤية برج وعلم كوريا الشمالية في زيارة مدتها نصف يوم من العاصمة سول، إلا أنه، ولغرابة الأمر، عند عودتي إلى قريتي في سلطنة عُمان رأيت عمالًا من كوريا الشمالية يشتغلون في بناء أحد المشاريع الاستراتيجية في البنية التحتية، واكتشفت لاحقًا أن كوريا الشمالية تعتمد كثيرًا على الاقتصاد الخفي أو اقتصاد الظل والسرية في البيانات الاقتصادية، وهذا الاقتصاد، مدفوعًا بعوامل أخرى، ساهم في تحقيق تنمية عمرانية متزايدة في سواء في العاصمة وحتى في القرى والتي عادة ما يُنظر إليها بأنها معزولة تمامًا عن الحياة المعاصرة.
يقرأ الناس بين الفينة والأخرى عددًا من الغرائب والعجائب من كوريا الشمالية، وكأنها قصص من عالم آخر، فيما يتابع المحللون اقتصاد كوريا الشمالية من خلال التقارير التي يصدرها بنك كوريا التابع لكوريا الجنوبية، وكذلك انطباعات وقراءات المنشقين أو الهاربين من النظام الكوري الشمالي، وهذه الرواية تحمل بطبيعة الحال انحيازات كثيرة، وتروي عن اقتصاد صغير خانق وشعب مأزوم ومحروم من أبسط فرص الحياة، ومع الانتعاش الاقتصادي فإن الرواية الوطنية تكاد تكون مختفية في ظل العزلة المفروضة على البلاد، سواء طوعًا أو كرهًا من نظام حزب العمال الكوري، كما أن الدول والمؤسسات التي تتعامل مع المؤسسات الكورية تفضل السرية التامة لتجنب العقوبات الدولية، فكيف يمكننا قراءة المشهد الاقتصادي في كوريا الشمالية؟
إن من أفضل الطرق لقراءة التنمية والتطور الاقتصادي في كوريا الشمالية الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الصناعية لقراءة الاقتصاد الحقيقي؛ لأنها تُظهر البنية التحتية من مبانٍ وطرق جديدة ومصانع ومحطات كهرباء، وقد أوضحت صور الأقمار الصناعية اتساع حجم المدن وتحول القرى الريفية إلى مجمعات سكنية جديدة. وقد ركز الباحث كيوشل كيم على دراسة النمو الاقتصادي في كوريا الشمالية من خلال الإضاءة الليلية، ووجد أن النمو الاقتصادي أعلى مما يصوره لنا بنك كوريا. كما أن هناك معهدًا يملك وحدة متخصصة في دراسة مختلف مجالات الحياة في كوريا الشمالية، هو معهد التنمية الكوري “Korea Development Institute”، ويركز المعهد في دراساته على الاقتصاد وتطور المدن والزراعة والتبادل التجاري.
إن السمة السائدة عن العاصمة بيونغ يانغ أنها مدينة الدراجات والمشي والنقل العام، مع عدد محدود من السيارات، لذلك كانت الشوارع شبه خالية من الازدحام المروري، أما اليوم، ومع التحسن التدريجي لمستوى معيشة المواطنين والتسهيلات الحكومية في ملكية الأسر للسيارات، فقد أشار تقرير لرويترز، من خلال مراقبة صور الأقمار الصناعية بين يناير 2024 ويناير 2026، إلى أن مواقف السيارات بدأت تشهد ازدحامًا بالمركبات، سواء الصينية أو الأوروبية، وهو ما يعكس وجود طبقة مرتفعة الدخل وارتفاع النشاط التجاري في البلد.
إن النمو الاقتصادي عائد إلى أسباب تعكس تغيرات بنيوية طويلة المدى في النمط الاقتصادي داخل البلد، إلى جانب الظروف السياسية الراهنة خارجه، ومن أهمها أربعة أسباب رئيسية:
- الحرب الروسية الأوكرانية: ساهمت الحرب في تعزيز صادرات كوريا الشمالية من الصناعات الثقيلة والمنتجات المعدنية إلى روسيا، وذلك عن طريق المعبر الحدودي وهو عبارة عن سكك حديدية تربط بين البلدين، وكذلك عبر ميناء راجين إلى مختلف الموانيء الروسية، فيما استوردت كوريا الشمالية النفط والفحم من روسيا، وقد كشفت صور الأقمار الصناعية حركة نشطة لتبادل البضائع بين البلدين، كما شارك عدد من قوات كوريا الشمالية في الحرب، مما خلق لكل من الحكومة وأسر الجنود دخلًا ماليًا جديدًا.
- التعاون التجاري مع الصين: تعد الصين الرئة الاستهلاكية لاقتصاد كوريا الشمالية، من خلال صادراتها إليها من الأغذية والأقمشة وقطع الغيار، في حين تستورد الصين من كوريا الشمالية بعض الصناعات التي تعتمد في إنتاجها على عمالة كورية منخفضة التكلفة، كالرموش الصناعية والشعر المستعار وغيرها.
- نشاط التجار والنساء خارج إطار الحكومة: بسبب أزمة الغذاء في التسعينيات، والتي نجمت عن العقوبات الاقتصادية وانهيار الاتحاد السوفيتي، اتجهت الأسر في كوريا الشمالية إلى إيجاد مصادر دخل جديدة خارج إطار العمل الحكومي الاشتراكي، ولأن وظائف الرجال محددة مسبقًا في المصانع الحكومية، اتجهت النساء إلى الأسواق، وأصبح دخل النساء مصدرًا رئيسيًا لدخل الأسر، مما ساهم في اتساع اقتصاد السوق، كما نشأ في المجتمع طبقة من التجار والأثرياء والذي يعملون في أنشطة تجارية مستقلة.
- المشاريع الاستراتيجية الحكومية: أولت الحكومة اهتمامًا كبيرًا بالبنية التحتية عبر مشروع «20×10»، الذي يهدف إلى إقامة صناعات ومرافق حديثة في نحو عشرين مدينة أو مقاطعة كل عام، لمدة عشر سنوات وتظهر صور الأقمار الصناعية أن المشاريع بدأت فعلا بالتحقق على أرض الواقع سواء في الأرياف أو في المدينة.
إن من أهم الدروس المستفادة من نموذج كوريا الشمالية الاقتصادي أن الأسواق المحلية للدول ليست سوى حجر في رقعة الشطرنج التي تسمى التجارة الدولية، وأن الأسواق لا تنمو بالصناعة المحلية وحدها، بل بشبكة متداخلة من العلاقات الداخلية ضمن نظام يسمح باتساع النشاط والتنافس التجاري في الدولة، إلى جانب التعاون الموثوق مع الشركاء الدوليين، ولا غنى لأحدهما عن الآخر.






