معادلة “رابح - رابح” هي الحل بين طهران وواشنطن

عن الكاتب

الركابي حسن يعقوب
الركابي حسن يعقوب

كاتب وصحفي سوداني

معادلة “رابح - رابح” هي الحل بين طهران وواشنطن
معادلة “رابح - رابح” هي الحل بين طهران وواشنطن
أثير- الركابي حسن يعقوب
أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية أن 71% من الناخبين الأمريكيين يرون أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تفتقر إلى استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب على إيران. كما أظهر الاستطلاع أن 60% من الناخبين الأمريكيين يرون أن العمل العسكري الأمريكي ضد إيران كان قراراََ خاطئاََ، فيما يعتقد 47% منهم أن الحرب على إيران ستجعل الولايات المتحدة أقل أمانًا على المدى البعيد.
وفوكس نيوز التي تأسست في العام 1996 هي واحدة من أكثر الشبكات الإعلامية الأمريكية مشاهدة ومتابعة وتتمتع بدرجة عالية من المصداقية والموثوقية، وهذا آخر استطلاع رأي بخصوص الحرب الأمريكية على إيران أجرته الشبكة.
تأتي نتيجة هذا الاستطلاع في خضم جدل واسع محلي ودولي حول مصير الحرب الأمريكية على إيران ومآلاتها، ووسط حالة من التأرجح والمراوحة عنوانها العريض “لا حرب لا سلم”، وهي حالة تطاول مداها رغم محاولات الجانب الأمريكي لملء فراغها وكسر جمودها بما أعلنته واشنطن من تدابير ضغط وتضييق مالية واقتصادية على إيران أسمتها بعقوبات “المنبوذ الاقتصادي” ، وسعت إلى توسيع دائرتها لتشمل كل مظان ودوائر التعامل والتعاون المحتملة مع إيران سواء كانت دبلوماسية أو سياسية إمعاناََ في إحكام الخناق على إيران من كل الجوانب.
ويبدو حتى الآن أن كل هذه التدابير “الخنقية” وعمليات التضييق الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية لم تؤتِ أكلها كما تريد واشنطن، فطهران ما تزال غير آبهة بهذه التدابير وتتحدى التشديد الأمريكي ولسان حالها يقول “هل من مزيد”!
وتأتي نتائج استطلاعات الرأي التي أجرتها فوكس نيوز لتعزز الموقف الإيراني وتضعف موقف إدارة الرئيس ترامب التي هي في أمس الحاجة إلى الدعم من الداخل الأمريكي، وهي تتأهب لخوض الانتخابات النصفية في نوفمبر القادم في مواجهة الديمقراطيين وخططهم المتنافية مع خطط واستراتيجيات الإدارة الجمهورية، وفي الحياة السياسية في أمريكا فإن الاستطلاعات التي تجرى بين يدي المواسم الانتخابية بمختلف مستوياتها هي في الغالب تعكس حقيقة الصورة والواقع الماثل وتعطي مؤشرات حقيقية عالية الدقة.
عليه فإن نتيجة استطلاعات فوكس نيوز الأخيرة تعبر عن الواقع الراهن بصورة دقيقة بما يمكّن دوائر التحليل من التنبؤ بصورة أكثر دقة بنتيجة الانتخابات النصفية القادمة، فرغم أن هذه النتائج نسبية وقائمة على اختبار عينات عشوائية وليست انتقائية، وأنها محدودة وليست شاملة، إلا أن لها تأثير قوي ومباشر على اتجاهات الرأي العام، بحيث يتشكل رأي عام أوسع نطاقاََ يمثل رافداََ يجرف معه بقية الآراء في طريقه ومن ثم يصب في نفس الاتجاه الذي أظهرته نسب الاستطلاع في حالة أشبه بالنظرية الفيزيائية المسماة بـ “الأواني المستطرقة”.
فحينما تؤكد نتيجة استطلاع فوكس نيوز أن 71٪ من الناخبين الأمريكيين يرون أن إدارة الرئيس ترامب تفتقر إلى استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب على إيران، فإن ذلك يعني أن الناخب الأمريكي كان يتوقع أن تكون لإدارة الرئيس ترامب استراتيجية مسبقة للخروج من الحرب، لكنه اكتشف أنه ليس لديها هذه الإستراتيجية، وبالتالي فإن الناخب الأمريكي لديه شعور مختلط باليأس وخيبة الأمل، وهو شعور ناتج عن إدراك بأن الإدارة التي تدير البلاد التي هي القوة العظمى عاجزة عن وضع حد للحرب التي بدأتها هي ووعدت بأنها ستكون عملية “خاطفة” ناجحة تحقق المصلحة الوطنية للشعب الأمريكي، وهذا في مجمله يعني فقدان الثقة في هذه الإدارة والعمل على الحيلولة دون منحها الثقة أو تمكينها مرة أخرى عبر التجديد النصفي.
وحين تقول فوكس نيوز بناء على استطلاع رأي الناخب الأمريكي إن 60٪ من الأمريكيين يرون أن قرار العمل العسكري ضد إيران كان قراراََ خاطئاََ، فإن هذا يدل ويقف شاهداََ على أن هذا العمل العسكري لا يمت بصلة لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية ولا يعبر عن إرادة الشعب الأمريكي، وبالتالي يثبت أن من اتخذ هذا القرار لم يضع مصلحة الولايات المتحدة والشعب الأمريكي في حسبانه، وهو ما يعزز ويدعم فرضية ومزاعم أن الحرب شُنت لصالح إسرائيل وأن من اتخذ قرارها إنما كان يذعن لمطالب إسرائيلية وليس لشيء آخر، مما يعني أن الاستمرار فيها هو استمرار في تنفيذ قرار خاطئ، وإذعاناََ لرغبات ومصالح إسرائيل على حساب الشعب الأمريكي الذي مطلوب منه تحمل التكلفة المالية الباهظة للحرب التي قال البنتاغون أنها قد بلغت 45.1 مليار دولار حتى الآن!! وبهذا فإنه من المتوقع أن ينعكس هذا الاستياء الشعبي في صناديق الاقتراع في الانتخابات النصفية.
ويقول استطلاع فوكس نيوز إن 47% من الأمريكيين يعتقدون أن الحرب على إيران ستجعل الولايات المتحدة أقل أمانًا على المدى البعيد، وهي نسبة وإن بدت أضعف من سابقاتها إلا أنها معتبرة وتعكس مخاوف شعبية من ارتدادات غير حميدة قد تنتج عن الحرب الأمريكية على إيران على أمن واستقرار المواطن الأمريكي بالداخل والخارج وهي نتيجة لا يرغب فيها أحد.
وفي موازاة ذلك لم ينفك الرئيس ترامب عن إطلاق تصريحاته التي تأتي متناقضة في كثير من الحالات، وبعضها ينسخ بعضه بعضاََ في اليوم والليلة، وفي إحدى تصريحاته قال ترامب إن على الشعب الأمريكي أن يتحمل بعض الأعباء من أجل ألا تمتلك إيران سلاحاََ نوويا، وهو ما يمكن تفسيره بأنه تلميح إلى مواصلة الحرب على إيران وأنه يتحتم على الشعب الأمريكي تحمل تبعاتها المالية والأمنية والاقتصادية وأنه “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.
ويأتي هذا الإصرار من جانب ترامب في وقت كشفت فيه صحيفة “واشنطن بوست” نقلاََ عن مسؤولين امريكيين إن عدد قتلى الجيش الأمريكي خلال الحرب على إيران أكبر مما أعلنه البنتاغون!! وهذا مرشح أن يفتح الباب لمطالب واسعة بالداخل الأمريكي بضرورة وقف الحرب، فضلاََ عن كونه أضاف عبئاََ أخلاقياََ على كاهل الرئيس ترامب وفريقه الذي يتولى إدارة الحرب ويظهرهم بمظهر الخداع فيما لو صحت الأنباء التي نقلتها “واشنطن بوست” عن مسؤولين امريكيين.
ويأتي إعلان البيت الأبيض عن توقيع الرئيس ترامب مشروع قانون العقوبات على روسيا وإيران ليصبح قانوناََ ، بمثابة وضع الملح على الجرح حيث من المتوقع أن يثير هذا الإجراء حفيظة روسيا التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع إيران، وهو إجراء اختار له الرئيس ترامب توقيتاََ صعبا وهو يعتزم تصعيد حربه على إيران ويحتاج لتحييد الأطراف الدولية الفاعلة التي لها علاقات جيدة مع إيران ومنها روسيا والصين.
وعلى الضفة الأخرى، تقول إيران أنها مستعدة لكل الاحتمالات وصرح قائد القوات البرية للحرس الثوري إن بلاده مستعدة لمواجهة ما وصفه بـ “أي خطأ في حسابات العدو”، وأردف رئيس البرلمان الإيراني في ذات الاتجاه بالقول “إن عصر اصطياد طائرات إف 35 وإف 15 الأمريكية بدأ بالفعل وستضطر للإبلاغ عن تعرضها للأضرار”.
وفيما يعتقد أنه رد على تصريحات نتنياهو التي أطلقها بالأمس عن أن إسرائيل ستعمل على إسقاط النظام في إيران وتقضي على حماس، وتلويح ترامب بهجمات جديدة على إيران قريباََ “ضربة قاضية” تضع حداََ للحرب، أظهرت صور بثتها قنوات تلفزيونية إيرانية حشود لمتطوعين إيرانيين للقتال ضمن حملة تعبئة شعبية أعلن عنها سابقاََ تحت مسمى" الشعب فداء لإيران" وهي كتائب شعبية مقاتلة تقول إيران أن عددها سيصل إلى 1000 كتيبة.
وإزاء هذا الواقع تتزايد التوقعات بفصل جديد من التصعيد لن يكون كسابقيه في حدته ودمويته وتبعاته السالبة على كل الأصعدة، سواء على صعيد الداخل الأمريكي حيث يزداد الوضع الاقتصادي سوءاََ، أو على صعيد الأمن الإقليمي بالمنطقة، أو على صعيد الاقتصاد والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز ومضيق باب المندب الذي دخل بالفعل دائرة الصراع.
إن فرص تجنب وقوع صدام وحريق إقليمي كبيرة وتزداد مع تطورات الأحداث، لكن بالمقابل فإن فرص تجنب هذا الصدام وإطفاء الحريق هي الأخرى كبيرة بشرط أن تتخلى كل من واشنطن وطهران عن أوهام القوة ومزاعم النصر المطلق ويقدمان تنازلات بما يتيح لهما العودة للتفاوض للوصول لتسوية واتفاق على أساس “رابح - رابح”.
فواقع تطورات الأزمة منذ بدايتها يعكس عجز أي من الطرفين على إخضاع الآخر وإملاء شروطه عليه، فالولايات المتحدة ليست بقادرة على إحراز نصر مطلق على إيران - وقد جربت ذلك بمختلف السبل - ولا إيران في استطاعتها تحقيق نصر عسكري مطلق على الولايات المتحدة إذ أن ذلك يعد من قبيل المستحيل، أي أن معادلة “رابح – خاسر” في هذا الصراع غير واردة تماماََ وإنما الوارد والممكن وفقاً للشواهد على الأرض هي معادلة “رابح – رابح” وهي معادلة لا تتحقق إلا على طاولة التفاوض.

شارك هذا الخبر