أثير- الركابي حسن يعقوب
حين منحت الولايات المتحدة الأمريكية الرئيس الإيراني ووفده المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها رقم 81 تأشيرات دخول للأراضي الأمريكية لحضور للمشاركة فيها، اعتقد كثير من المراقبين أن ذلك مؤشر لرغبة الإدارة الأمريكية في أن تستغل وجود الرئيس الإيراني ووفده رفيع المستوى في نيويورك للوصول إلى صيغة تفاهم تمهد الطريق نحو حل للأزمة المحتدمة بين البلدين منذ أواخر فبراير الماضي ، خاصة وأن السلطات الأمريكية امتنعت في ذات الوقت عن منح تأشيرة الدخول للأراضي الأمريكية لذات الغرض لكل من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ورئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان.
ويومها أثيرت التساؤلات حول الأمر واشتعلت المنصات الإعلامية بنقاشات وجدل محوره سؤال بدا منطقياََ وهو لماذا مُنِح بزشكيان وعراقجي التأشيرة وبلادهما في حالة حرب ضروس مع أمريكا ،بينما مُنِع محمود عباس والبرهان، بالرغم من انخراط إدارة ترامب في مساعي دبلوماسية من أجل إحلال السلام في بلديهما.
وخرجت معظم هذه النقاشات وهذا الجدل بخلاصة مفادها أن إدارة ترامب تريد الوصول إلى تسوية لنزاعها مع إيران عن قرب، ومن خلال وجود الرئيس الإيراني والوفد المرافق له والوسطاء داخل أراضيها، وتوفّر غطاء جيد وهو اجتماعات الجمعية العامة وهو وضع غير مسبوق ويندر أن يتكرر أو يتم التحضير له خارج ظرف وسياق المحفل الأممي.
كانت هذه الصورة المثالية باعثة على الشعور بالتفاؤل غير الحذر من أن حل الصراع الأمريكي الإيراني بات أقرب من أي وقت مضى مع الأخذ في الحسبان الحيثيات الخاصة بكل طرف والتي تضغط في إتجاه الحل السلمي، فالإدارة الأمريكية محاصرة بعنصر الوقت المرتبط بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس ، والرفض الشعبي واسع النطاق للحرب مع إيران، وارتفاع أسعار الوقود، وتراجع شعبية الرئيس ترامب، وبالمقابل فإن الحصار الأمريكي للموانيء الإيرانية ومنع تصدير النفط الإيراني، وسياسة الخنق الإقتصادي التي أضيف لها القيود على حركة الطيران مؤخراََ ألقت بظلال كثيفة سالبة على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بالداخل الإيراني، مما سيضعف قدرة طهران على الصمود أكثر ويجعل من استمرارها في ممارسة الصبر الاستراتيجي في مواجهة الحرب الإقتصادية وتحمل آثارها الضارة مهمة تحتاج لإنجازها إلى معجزة!
لكل تلك الحيثيات والمعطيات الموضوعية ظن الكثيرون - وبعض الظن إثم - إن طرفي الصراع سيعملان على تجاوز العقبات التي وقفت عائقاََ أمام التوصل لحل سلمي للصراع في السابق، وأنهما سيحسنان استغلال الفرصة النادرة التي تهيأت لهما تلقائياََ لطي هذا الملف، ولكن رغم ذلك وعلى غير المتوقع أتت الرياح بما لا تشتهي سفن الوسطاء.
تقدمت إيران بمقترح عبر الوسيط القطري عرف إعلامياً بمقترح “الأيام السبعة” متضمناََ تهدئة شاملة وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي والعقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ويقضي المقترح بأن يتم البدء في مفاوضات بشأن الملف النووي في اليوم السابع.
لكن كعادته تعجل الرئيس ترامب في الرد على المقترح الإيراني مستبقاََ الخطوة الإجرائية المتعارف عليها وهي أن تقوم الوساطة بنقل الرد الأمريكي إلى الجانب الإيراني، فصرح بأنه يرفض المقترح الإيراني جملة وتفصيلاََ، مبررا رفضه بأن إيران تتكبد خسائر كبيرة جراء إغلاق المضيق وأنها تريد فقط تفادي المزيد من الخسائر، ولم تعلق إيران على رد الرئيس ترامب حيث أشار عراقجي إلى أنهم ينتظرون الوسطاء لينقلوا إليهم الموقف الأمريكي النهائي بخصوص المقترح، وعلى ضوئه يحددون موقفهم التالي.
برأيي أنه كان من الممكن للجانب الأمريكي القبول بالمقترح الإيراني مع إدخال ما يرونه من تعديلات عليه طالما أنه يؤدي مباشرة إلى فتح المضيق فالمقترح قابل للحذف والإضافة والتعديل وكان من الممكن أن يكون ذلك مدخلاََ مناسبا ومرضيا للطرفين ، ففتح المضيق بالنسبة لأمريكا يعتبر “نصراََ” وفي ذات الوقت يؤدي إلى تخفيف أزمة الطاقة العالمية التي نتجت عن إغلاق المضيق، لكن الجانب الأمريكي فسّر المقترح الإيراني على أنه يمثل مخرجاً لإيران من ضيقها الاقتصادي وتحللها مما تسميه واشنطن بعملية “المنبوذ الإقتصادي”، وشكك في نوايا طهران المستقبلية دون أن يستند إلى وقائع ملموسة، بل فقط من وحي حالة إنعدام الثقة في الجانب الإيراني وهي حالة متبادلة على أي حال فالجانب الإيراني هو الآخر لديه عدم ثقة مفرط في الجانب الأمريكي بسبب نقضه للمسار التفاوضي ثلاث مرات.
وتبدو الصورة الآن على صعيد الحراك التفاوضي عبر الوسطاء على ظاهرها كما لو كانت تتجه نحو الانتكاسة، في ظل تصريحات الرئيس ترامب التصعيدية المتتالية ، وتزداد قتامة الصورة مع بروز شكوك حول وقوف إسرائيل وراء هذه التصريحات التصعيدية من قبل الرئيس ترامب خاصة وأن المقترح الإيراني ذو الايام السبع تحدث عن شمول وقف العدائيات والأعمال القتالية الجبهة اللبنانية وهو ما تعارضه إسرائيل ولا تلتزم به.
لكن رغم ذلك كله ما تزال هناك فرصة سانحة لتدارك إنهيار المسار التفاوضي الحالي وإعادة توجيه بوصلته نحو الوجهة الصحيحة ، ذلك أن الحاجة تتزايد لدى الطرفين للوصول إلى إتفاق رغم السقوف العالية التي ينطلق منها كل طرف، وهناك برأيي ثلاث شروط إذا تحققت ينفتح الطريق نحو بلوغ المسار التفاوضي منتهاه باتفاق يضع حداََ للأزمة.
الشرط الأول أن تُزال حالة “المغالطة” السائدة حالياً بين الطرفين والخاصة بمضيق هرمز ، فكلا الطرفين يؤكد بأنه هو من يسيطر على المضيق دون الطرف الآخر وهو ما ليس له أساس على أرض الواقع البتة وينافي منطق الأشياء ، والصحيح أن كلا منهما يسهم في تعطيل الملاحة عبر المضيق ، فأمريكا بحصارها على الموانيء الإيرانية تعطل حركة السفن عبر المضيق ، وإيران بتحديدها لمسار محدد وتقييدها حركة الملاحة بشروط وضعتها هي ، هي الأخرى تعطل حركة الملاحة وفوق ذلك فإن حالة التنازع حول المضيق بين الجانبين يجعل الملاحة عبره محفوفة بالمخاطر ويدفع كثير من السفن إلى الإحجام عن المرور عبره. وما عليه المضيق الآن هو وضع أشبه بالإغلاق وبالتالي على الطرفين الإيراني والأمريكي ابداء قدر من المرونة بما يزيل حالة “المغالطة” هذه وبما يؤدي إلى إعادة فتح المضيق ولا يتحقق ذلك إلا برفع الحصار من الجانب الأمريكي ، ورفع القيود على حركة المرور عبر المضيق من الجانب الإيراني.
الشرط الثاني هو أن يتخلى كل طرف عن “وَهْم” تحقيق النصر المطلق على الطرف الآخر، ونقول وهم لأنه هو بالفعل كذلك فقد أثبتت الوقائع على الأرض عجز كل طرف عن تحقيق نصر مطلق على الطرف الآخر فأمريكا استخدمت كل عناصر قوتها العسكرية حتى اقصاها ولم يتحقق لها النصر المطلق، وجربت كل عناصر الضغط الاقتصادي ولم تستطع تحقيق النصر المطلق، وإعادة تجريب المجرب يعتبر إعادة لإنتاج الفشل، وإيران كذلك لم تستطع فرض شروطها عنوة أو إجبار الطرف الأمريكي على القبول بمقترحاتها وعروضها للحل فهي لا تملك أدوات ووسائل تستطيع بها حمل أمريكا على النزول عند مطالبها.
والشرط الثالث هو الذي لو تحقق يمكن أن يكون خطوة صحيحة في الطريق الصحيح المفضي إلى الحل والخروج من المأزق بالنسبة للطرفين ، وهو تقديم التنازلات والقبول بمبدأ الأخذ والعطاء وأنصاف الحلول والمرونة في المواقف بديلاََ للتصلب والجمود ، والشعور المبالغ فيه بتضخيم الذات والإفراط في تقدير الإمكانيات ، ويرتبط بهذا الشرط الرئيسي شرط فرعي مهم وهو إفساح المجال بشكل أوسع للوسطاء ليتسنى لهم التقريب بين وجهات نظر الطرفين وردم الهوة بينهما والأخذ في الاعتبار بأن هذا الصراع له تأثيراته السالبة على المنطقة والإقليم بصفة خاصة ، والعالم بصفة عامة وأن هذا الأثر قد يتعدى الجانب الإقتصادي ليلقي بظلاله القاتمة على الأمن والسلم الدوليين فتداعيات هذا الصراع يمكن أن تمتد لتعم الإقليم وبالتالي يؤثر ذلك على الإستقرار العالمي بحكم العامل الجيواستراتيجي الذي يميز المنطقة والعوامل الإقتصادية ذات التأثير المباشر على الإقتصاد العالمي، وحينها لن يكون هناك رابح فالكل سيكون خاسر.






