لماذا تتجه سلطنة عُمان إلى قلب آسيا؟

لماذا تتجه سلطنة عُمان إلى قلب آسيا؟
جلالة السلطان في كازاخستان
خاص- أثير
يكشف حراك سلطنة عُمان نحو دول آسيا الوسطى خلال عام 2025 و2026م نمطًا يتجاوز العلاقات الدبلوماسية والمشاورات السياسية، إذ أصبحت تشمل جوانب استثمارية ولوجستية بالإضافة إلى الطاقة والأمن الغذائي وغيرها، في مسار تبدو فيه سلطنة عُمان بوابة محتملة لآسيا الوسطى نحو أسواق الخليج والمحيط الهندي: كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان، وتمتد نحو أذربيجان ومنغوليا أيضًا.

لماذا آسيا الوسطى؟

تكمن مصلحة دول الخليج في آسيا الوسطى، عبر تقديم رأس المال والخبرة دون أعباء جيوسياسية، وكشفت ورقة تحليلية بعنوان “آسيا الوسطى وتحولات الشراكات الخليجية الاستراتيجية”، عن السبب، فدول الخليج بعيدة عن جوار المنطقة ولا تحمل إرثًا استعماريًا فيها، ولا يُفرض عليها الاختيار بين الدول المتنافسة، مما يسمح بفرصة تقديم استثمارات وشراكات دون طلب الاصطفاف السياسي، في الوقت الذي تتجه هذه الدول نحو تعدد الأقطاب وليس عبر نقل الهيمنة من روسيا إلى الصين.
واعتبرت الورقة البحثية، أن هناك عدة مجالات تتقاطع بين دول الخليج وآسيا الوسطى، من بينها:
  • امتلاك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز واليورانيوم والمعادن الحرجة، إلى جانب إمكانات واسعة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح
  • الأمن الغذائي: تُعد كازاخستان من المنتجين والمصدرين المهمين للحبوب، وتمتلك مساحات واسعة للرعي وإنتاج اللحوم والثروة الحيوانية، بينما تنتج أوزبكستان كميات كبيرة من القمح والخضروات والفاكهة، إلى جانب القطن ومنتجات زراعية متنوعة.
  • البنية التحتية واللوجستيات: فدول آسيا الوسطى حبيسة جغرافياً، بينما تمتلك دول الخليج موانئ وشركات نقل وخدمات لوجستية ذات حضور عالمي

أول زيارة لسلطان عُماني إلى آسيا الوسطى

تُعد جمهورية كازاخستان أسرع نموذج لتحول العلاقات وتوسعها، وتأتي زيارة جلالة السلطان حفظه الله ورعاه إلى كازاخستان كأقوى خطوة لتعزيز العلاقات بين البلدين، فهي أول زيارة لسلطان عُماني إلى آسيا الوسطى بشكل عام وكازاخستان بشكل خاص، كما أن إعلان الزيارة الرسمية رافقه تحديد الهدف: مد جسور جديدة للشراكة والاستثمار، وينعكس ذلك على الوفد الرسمي المرافق، الذي يشمل رئيس جهاز الاستثمار العُماني ووزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، بالإضافة إلى المسؤولين السياسيين المرافقين.
وأثمرت الزيارة عن التوقيع على 20 وثيقة تترجم العلاقات السياسية إلى شراكات اقتصادية.

وتعكس الزيارة ما قاله جلالة السلطان حفظه الله ورعاه:

“إنّ ما تتمتّع به كازاخستان من موقع استراتيجي في منطقة آسيا الوسطى، وما تحظى به عُمان من موقع عند مُلتقى طرق التّجارة البحريّة الكبرى، إنما يفتحان آفاقًا رحبة لتعزيز التواصل بين بلدينا ومحيطنا الجغرافي الأوسع. وإننا لنلمس إمكانات هائلة لمواصلة تطوير وتوسيع روابط التّجارة والنّقل الجديدة، ولتحقيق الاستفادة القصوى من موانئ عُمان كبوّاباتٍ للأسواق الرئيسة في الخليج وآسيا وأفريقيا”
وستشمل الزيارة أيضًا عقد منتدى الأعمال الكازاخستاني – العُماني، والذي من المقرر أن يكون منصة لمناقشة التعاون الاقتصادي الثنائي وإقامة علاقات تجارية، وتشمل المجالات ذات الأولوية بحسب Khaza Invest الخدمات اللوجستية، والنفط والغاز، والزراعة، والصناعات الكيميائية، والبناء، وتطوير البنية الأساسية.
وعقد البلدان في أغسطس الماضي الجولة الثانية من المشاورات السياسية بين البلدين، وناقشا مشروعات محتملة في الطاقة والتعدين وإنتاج الغذاء والنقل واللوجستيات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة.
وانتقل النقاش السياسي إلى نقاش اقتصادي؛ إذ تم آنذاك الحديث عن إنشاء مجلس الأعمال الكازاخستاني العُماني وصندوق استثماري مشترك، وهو ما تم الإعلان عنه اليوم.
وتلا ذلك تسلم الرئيس الكازاخستاني أوراق اعتماد أول سفير عُماني مقيم في أستانا، وهو سعادة الشيخ الدكتور صلاح بن سالم جعبوب.

أوزبكستان: نموذج للعلاقات العُمانية مع آسيا الوسطى

إذا كانت كازاخستان تمثل المسار الأسرع صعودًا، فإن أوزبكستان تقدم نموذجًا لما يمكن أن تصبح عليه علاقات سلطنة عُمان مع المنطقة. ففي فبراير 2026م، زار وفد عُماني أوزبكستان لمناقشة تعزيز التكامل في النقل واللوجستيات بما يرسخ مكانة سلطنة عُمان كمركز عبور إقليمي يربط دول آسيا الوسطى بالأسواق العالمية كما ناقش الطرفان ربط شبكات الطرق والسكك الحديدية وفتح ممرات تصل دول آسيا الوسطى بالموانئ العُمانية.
وفي يونيو 2026 انتقل هذا التصور من النقاش إلى الاستثمار المباشر؛ إذ استحوذت مجموعة أسياد على حصة مسيطرة في شركتي Universal Logistics Services وHighway Logistics Center في أوزبكستان، وهما منصتان تعملان في حركة الحاويات والتخزين.
ووصفت الشركة الأوزبكية العُمانية للاستثمار الصفقة بأنها تؤسس جسرًا لوجستيًا مباشرًا بين عُمان وآسيا الوسطى، ويربط طرق التجارة بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأوروبا والصين.

تركمانستان: توسيع “عشق آباد”

على خلاف التسارع الواضح في علاقات عُمان مع كازاخستان وأوزبكستان، يبدو الحراك الثنائي مع تركمانستان خلال 2025 و2026 محدودًا. ومع استمرار التواصل السياسي، جرى مناقشة توسيع التعاون في إطار اتفاقية عشق آباد وذلك خلال العام الجاري، بمشاركة جميع أطراف ممر النقل أوزبكستان–تركمانستان–إيران–عُمان، وذلك لإنشاء مسار مستدام للنقل والعبور يربط آسيا الوسطى بالخليج.
وترتبط سلطنة عُمان مع تركمانستان بممر دولي، جرى التصديق عليه بمرسوم سلطاني رقم 108، لإنشاء محور دولي للنقل والعبور بين حكومات إيران وعُمان وقطر وتركمانستان وأوزبكستان “اتفاقية عشق آباد”.

قيرغيزستان: مقترح لصندوق استثماري مشترك

بدأت العلاقة تأخذ شكلًا مؤسسيًا في 2025 مع إنشاء قناة للمشاورات السياسية بين البلدين، ثم انتقلت في أكتوبر 2026 إلى مناقشات اقتصادية. ففي 5 أكتوبر بحثت الوكالة الوطنية للاستثمار القيرغيزية مع وفد عُماني التعاون في الطاقة والطاقة المتجددة والسياحة والزراعة والتصنيع الغذائي والنقل واللوجستيات والطيران والرقمنة، إلى جانب إمكانية إنشاء صندوق استثماري تنموي عُماني- قيرغيزي مشترك.

طاجيكستان: مشاورات سياسية

تبدو العلاقة حتى الآن في مرحلة يغلب عليها البناء السياسي، مع حضور الملفات الاقتصادية والاستثمارية ضمن المشاورات، ففي أغسطس 2026 عقد البلدان الجولة الثالثة من المشاورات السياسية في دوشنبه، وناقشا توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والنقل واللوجستيات والسياحة والتعليم والثقافة.

أذربيجان: صندوق استثماري يشمل آسيا الوسطى

في 8 أكتوبر 2025 وقّع جهاز الاستثمار العُماني وأذربيجان للاستثمار القابضة اتفاق إنشاء صندوق أذربيجان–عُمان للاستثمار المباشر برأس مال أولي يبلغ 200 مليون دولار أمريكي، يقدم كل طرف 100 مليون دولار منه.
والأهم أن نطاق الصندوق لا يقتصر على عُمان وأذربيجان، بل يشمل الاستثمار في آسيا الوسطى أيضًا، في قطاعات تشمل الغذاء والصحة والطاقة المتجددة والسلع الاستهلاكية واللوجستيات. ووصفت أذربيجان القابضة -الطرف الآخر من الاتفاقية- أذربيجان بأنها بوابة إلى بحر قزوين وآسيا الوسطى، مقابل ارتباط عُمان بالخليج وأفريقيا.

منغوليا: بحث الفرص

تبدو الموارد الطبيعية والاستثمار في قلب العلاقة مع منغوليا، ففي 2025م، صدر المرسوم السلطاني رقم 12/2025 بالتصديق على اتفاقية الإعفاء المتبادل من التأشيرة لحملة الجوازات الدبلوماسية والخاصة والرسمية والخدمة بين سلطنة عُمان ومنغوليا.
وفي العام ذاته، زارت وزيرة الخارجية سلطنة عُمان، وجرى بحث عزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، كما تبادلا وجهات النظر حول القضايا الإقليميّة والدوليّة ذات الاهتمام المشترك. وأكّد معالي السّيد وزير الخارجية حرص سلطنة عُمان على تعزيز التعاون مع منغوليا في مجالات الاستثمار والتبادل التجاري والسياحي والتعاون الفني والأكاديمي، مشيدًا بالعلاقات الودية التي تجمع البلدين.
وبعد 6 أشهر، دخل جهاز الاستثمار العُماني على الخط؛ إذ زار معالي عبدالسلام بن محمد المرشدي رئيس جهاز الاستثمار العُماني جمهورية منغوليا، في إطار سعي سلطنة عُمان إلى تنويع شراكاتها الاستثمارية وتعزيز حضورها في الأسواق الواعدة. وعقد الوفد العُماني سلسلة لقاءات رسمية مع عدد من كبار المسؤولين في الحكومة المنغولية، وركزت على استكشاف فرص التعاون في قطاعات التعدين، والطاقة، والزراعة، والصناعات الغذائية، إلى جانب مناقشة سبل تطوير مشروعات مشتركة.
وفي مايو عام 2026م، أعلنت وزارة الطاقة المنغولية قائمة الشركات التي أبدت اهتمامًا بمشروع ماندالغوفي المستقل لطاقة الرياح بقدرة 100 ميجاواط المرتقب، وضمت القائمة شركة عُمانية.

الصناديق الاستثمارية: أداة عُمانية

تُعد الصناديق الاستثمارية واحدة من الأدوات العُمانية لتحويل العلاقات الدبلوماسية إلى مصالح اقتصادية طويلة الأجل؛ إذ تم انشاء صندوقين الأول في أوزبكستان والآخر في أذربيجان، فيما طُرح إنشاء صناديق مشتركة مع كازاخستان وقيرغيزستان.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك قطاعات رئيسية طُرحت بشكل مستمر في المباحثات العُمانية مع دول آسيا الوسطى، وهي:
  • اللوجستيات: تحويل الموانئ والمطارات العُمانية إلى بوابة جنوبية لآسيا الوسطى، بالتوازي مع بناء وجود عُماني داخل الشبكات اللوجستية في المنطقة.
  • الأمن الغذائي: الزراعة وإنتاج الغذاء والصناعات الغذائية تظهر في المباحثات مع كازاخستان وقيرغيزستان وأذربيجان وأوزبكستان وغيرها.
  • الطاقة والمعادن: كازاخستان ومنغوليا وقيرغيزستان وغيرها تمتلك موارد معدنية وطبيعية كبيرة، بينما يتكرر التعدين والطاقة ضمن أجندة الوفود العُمانية.
  • تنويع الاستثمارات: يفتح قلب آسيا مجموعة جديدة من الأصول والقطاعات والأسواق.

الخلاصة

يكشف التحرك العُماني منذ يناير 2025 تجاه آسيا الوسطى، عن مسار سياسي يبدأ، يليه مناقشات لاستثمار العلاقات اقتصاديًا واستثماريًا، وصولاً إلى الهدف اللوجستي: ربط آسيا الوسطى بالأسواق العالمية عبر سلطنة عُمان.
لتنسجم مع توجيهات جلالة السلطان حفظه الله ورعاه في سبتمبر الماضي:
تعظيم الاستفادة من الاتفاقيات والتفاهمات التي تم توقيعها مع تلك الدول، وبذل الجهود الحثيثة للعمل على تحقيق أهدافها، بما يخدم الـمصالح الـمشتركة ويسهم في تحقيق الأهداف الوطنية، خصوصًا نمو الاقتصاد الوطني وتنمية الصادرات وزيادة الناتج الـمحلي.

شارك هذا الخبر