شاطئ الخلوف يستغيث: رسالة من مقيم تطرح سؤالًا؛ كيف نحمي شواطئنا؟

شاطئ الخلوف يستغيث: رسالة من مقيم تطرح سؤالًا؛ كيف نحمي شواطئنا؟
شاطئ الخلوف يستغيث: كيف نحمي شواطئنا؟
أثير - محمد الدغيشي
لم يكن مشهد النفايات والعبوات البلاستيكية على أحد أجمل شواطئ السلطنة مجرد صورة عابرة خلال رحلة سياحية، فقد تحوّل إلى جرس إنذار دفع مقيمًا أجنبيًا إلى التحرك. وما رآه إيليا، المقيم الذي قضى أكثر من عشر سنوات في عُمان، على شاطئ الخلوف، يعكس مشكلة تتجاوز حدود شاطئ واحد.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار عالميًا إلى معاهدة دولية لإنهاء التلوث البلاستيكي، تبدو القضية على الأرض أبسط وأقرب إلى حياتنا اليومية؛ إذ تتعلق بسلوك فردي يمكن تغييره، وبمسؤولية حماية الأماكن التي نحبها قبل أن نفقدها.

”عُمان بيتي... ويؤلمني أن أراها بهذا الحال“

بهذه العبارة عبّر إيليا عن حزنه في رسالته، موضحًا أنه كان يرافق ضيوفًا في رحلة باتجاه رأس الحد، فقرر اصطحابهم إلى شاطئ الخلوف المعروف باسم ”Sugar Dunes“، الذي يعدّه واحدًا من أجمل شواطئ عُمان برماله البيضاء ومناظره الساحرة. لكن الصدمة كانت في انتظاره؛ إذ وجد النفايات متناثرة على الرمال بصورة عشوائية، واصفًا انتشار المخلفات البلاستيكية والعبوات الفارغة بأنه ”شعور مؤلم ومحرج“ أمام ضيوفه.
ولم يكتفِ بالشكوى، بل قال: ”أنا لا أريد أن أكتفي بكتابة منشور والشكوى من النفايات ثم أنسى الموضوع“. وأشار إلى أنه سيعود إلى الشاطئ بعد شهر لتنظيفه، هذه المرة بعيدًا عن مرافقة الزوار، داعيًا أصدقاءه ومعارفه وكل محب لعُمان إلى المشاركة، سواء بالحضور أو بالدعم المالي، أو حتى بتوفير وسائل النقل وأكياس النفايات والمياه. وختم رسالته بعبارة تصلح شعارًا للمبادرة: ”عُمان تستحق منا الأفضل“.

”مطلوب للعدالة“: حين تصبح القمامة جريمة

القضية ليست جديدة على الساحة العُمانية؛ فقد أطلقت الشركة العُمانية القابضة لخدمات البيئة ”بيئة“ سابقًا وسم #مطلوب_للعدالة ضمن حملة ”عُمان تستاهل“، وحظي بتفاعل واسع من المواطنين والمقيمين على منصة X. وصوّرت الحملة رمي المخلفات في الأماكن العامة بوصفه جريمة فعلية، يكون ”الجاني“ فيها من يلقي النفايات، و”المجني عليه“ الشواطئ والصحاري والمتنزهات.
وتفاعل المغرّدون مع الفكرة، مؤكدين أن الضمير والوعي هما الرادع الأول. وشارك بعضهم صورًا لأماكن سياحية ملوثة، فيما طالب آخرون بلوائح وغرامات واضحة في الأماكن العامة.

ماذا تقول الأرقام عن حجم الأزمة؟

عالميًا، يصف تقرير لبرنامج ”المرصد“ في الجزيرة البلاستيك بأنه أحد أكبر مصادر التلوث على الأرض. وينتج العالم نحو 430 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنويًا، يُستخدم ثلثها مرة واحدة فقط قبل التخلص منها. ومنذ منتصف القرن الماضي حتى عام 2017، تجاوز الإنتاج العالمي من البلاستيك 9 مليارات طن، لم يُعَد تدوير سوى نحو 10% منها. وتشير التقديرات إلى أن الإنتاج قد يبلغ 1.1 مليار طن بحلول عام 2050.
وحذّرت إنغر أندرسن، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، من أن تسرب البلاستيك إلى البيئة قد يزداد بنسبة 50% بحلول عام 2040، مشيرة إلى أن هذا التلوث يصل إلى أجسامنا عبر الطعام والماء والهواء.

هل يمكن إيقاف الزحف البلاستيكي؟

تبعث دراسات وخبراء الأمم المتحدة بعض الأمل؛ إذ تشير تقديرات إلى أن العالم قادر على خفض التلوث البلاستيكي بنسبة 80% بحلول عام 2040، شريطة الالتزام بإجراءات تشمل إعادة التدوير، وإعادة النظر في استخدامات البلاستيك، واستبدال مواد أخرى به حيثما أمكن.
وتقدم ألمانيا نموذجًا في هذا المجال، إذ تُفرز النفايات البلاستيكية وتُعالج لاستخراج مواد أولية يمكن استخدامها مجددًا، بما في ذلك في صناعة عبوات مخصصة للأغذية وفقًا لمعايير السلامة المعتمدة.
وعلى المستوى السياسي، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش المفاوضين إلى العودة إلى طاولة الحوار في أغسطس من العام الماضي بعزم أكبر، للتوصل إلى معاهدة ”طموحة وموثوقة وعادلة“ تشمل دورة حياة البلاستيك كاملة.

ضحايا لا يتكلمون: البلاستيك يصل إلى الدماغ

لا يقتصر الضرر على تشويه المنظر العام؛ فقد كشفت دراسة أجراها باحثون من جامعة تسمانيا، ونُشرت في مجلة ”ساينس أدفانسز“، أن فراخ طيور القطرس الصغيرة التي ابتلعت البلاستيك عن غير قصد عانت أضرارًا في الجهاز العصبي ومشكلات في المعدة والكبد والكلى والدماغ.
ووجد الباحثون في دمائها أنماطًا من البروتينات تشبه تلك التي تُرصد لدى المصابين بألزهايمر. وقالت الدكتورة أليكس دي جيرسي، التي قادت الدراسة، إن هذه الطيور ”تعاني بشدة“ من آثار البلاستيك، ولا سيما على صحة أدمغتها.
وهذا الخطر ليس بعيدًا عنا؛ فالحياة البحرية على شواطئنا معرضة بدورها للأضرار حين تُترك العبوات والأكياس البلاستيكية على الرمال، لتجد طريقها إلى البيئة البحرية.

مبادرة فردية تنتظر من يرافقها

بين الأرقام العالمية والمعاهدات المنتظرة، تذكّرنا مبادرة إيليا بأن التغيير يبدأ بخطوة بسيطة، وأن حماية الشواطئ مسؤولية مشتركة بين المواطن والمقيم والزائر. وسيعود إيليا إلى شاطئ الخلوف مجددًا بعد شهر، في محاولة لتحويل حزنه على ما رآه إلى فعل ملموس.
وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان من أكثر الكائنات تأثيرًا في البيئة، لا بما يمتلكه من قوة فحسب، بل أيضًا بما يتركه خلفه من أضرار حين يتخلى عن مسؤوليته تجاه الطبيعة. فالكائنات الأخرى تعيش وفق فطرتها، أما الإنسان فيملك العقل الذي يمكّنه من البناء والحماية، لكنه قد يستخدمه أيضًا في الإفساد والتدمير.
وشاطئ الخلوف، بما تناثر على رماله من نفايات بلاستيكية، ليس إلا شاهدًا على هذا التناقض المؤلم؛ فكيف لمن يرى في الطبيعة مصدرًا للجمال والراحة أن يحوّلها بيديه إلى مصب للنفايات؟ إن عُمان التي نحبها لا تحتاج إلى كلمات الإعجاب بجمالها بقدر ما تحتاج إلى أفعال تحمي هذا الجمال من التلوث والدمار.

المصادر:

شارك هذا الخبر