انتخابات إسرائيل تفتح معركة تشكيل الحكومة: هل يرحل نتنياهو؟

تُظهر النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية عجز المعسكرين عن تشكيل حكومة منفردة، مع مفاوضات ائتلافية قد تُبقي نتنياهو أو تدفع نحو بديل سياسي.

انتخابات إسرائيل تفتح معركة تشكيل الحكومة: هل يرحل نتنياهو؟
نتنياهو
رصد – أثير
كشفت وسائل إعلام عبرية، أن معسكر نتنياهو حصل على 59 مقعدا مقابل 46 مقعدا لمعسكر آيزنكوت و15 مقعدا للأحزاب العربية، وذلك بعد فرز نحو ثلث الأصوات حتى وقت نشر الخبر، ويلزم الحصول على 61 مقعدًا لازمًا لتشكيل حكومة أغلبية. وتبقى هذه الأرقام أولية، إذ سيستغرق فرز جميع الأصوات أياماً، على أن تُنشر النتائج الرسمية في موعد أقصاه 4 نوفمبر، ثم تبدأ مفاوضات تشكيل الائتلاف الحاكم التي قد تمتد أسابيع أو أكثر، ويطرح ذلك سؤالاً ملحّاً عن الرجل الذي قد يخلف نتنياهو، وعمّا إذا كان رحيله سيغيّر شيئاً فعلاً.
وبلغت نسبة المشاركة الانتخابية 77.7% حتى إغلاق الصناديق في العاشرة مساءً، أي 5,695,682 ناخباً، مقابل 70.6% في الساعة نفسها من انتخابات 2022، بحسب لجنة الانتخابات المركزية، وهي نسبة غير نهائية.

غالبية على الورق وحكومة بعيدة المنال

في تفكيك هذا المأزق، ترى صحيفة «جيروزاليم بوست» في تحليل سابق لها رصدته " أثير" أنّ أياً من المعسكرين لا يملك الشركاء اللازمين لتشكيل الحكومة التي وعد بها. فالأحزاب المعارضة للحكومة المنتهية ولايتها حصدت مجتمعةً غالبية واضحة، لكنها لا تشكّل كتلة واحدة مستعدة للحكم معاً، والنتيجة غالبية ضد الحكومة، بعد 1116 يوماً من السابع من أكتوبر، من دون اتفاق على بديلها.
وتضع الصحيفة الأحزاب العربية في صلب هذه الفجوة، فقد حصدت ما بين 17 و18 مقعداً، وأسهمت قوتها في حرمان نتنياهو من الغالبية. بيد أن آيزنكوت وضع أربعة شروط للشركاء المحتملين يُستبعد أن تستوفيها هذه الأحزاب، وهي، كما عدّدها في مقابلات إعلامية في سبتمبر الماضي: قبول إسرائيل دولةً يهودية وديمقراطية، والالتزام بقيم وثيقة الاستقلال، وقبول واجب الخدمة للجميع، واعتبار “حماس” منظمة إرهابية يجب تفكيكها والقضاء عليها. وقال آنذاك في مقابلة مع القناة 12 إنه لا يرى حالياً أي حزب عربي أو حريدي يقبل هذه المبادئ. وترى الصحيفة أنه حتى الاستعداد للاعتماد على “القائمة العربية الموحدة” بزعامة منصور عباس لن يسدّ الفجوة بالضرورة، فيما سيثير دعم “القائمة المشتركة” عقبات إضافية.
وتتوقع الصحيفة أن يعلن الرجلان الانتصار: نتنياهو استناداً إلى تقدّم “الليكود” على حزب “ياشار” بزعامة آيزنكوت بمقعدين أو ثلاثة، وآيزنكوت استناداً إلى ميزان الكتلتين. وتذكّر الصحيفة بأن الحزب الأكبر لا يشكّل الحكومة بالضرورة، ففي عام 2009 فاز “كاديما” بمقعد أكثر من “الليكود”، لكن نتنياهو هو من شكّل الحكومة.
وتطرح الصحيفة طريقين آخرين: ضمّ الحزبين الحريديين، اللذين يُتوقع أن يحصدا 12 مقعداً، بما يوفّر غالبية لكنه يجعل الوفاء بتعهّد كتلة التغيير بإجراء تغييرات جوهرية في ملف تجنيد الحريديم أصعب بكثير، أو حكومة تضم “الليكود” و“ياشار” و“بياحد” بزعامة نفتالي بينيت و“يسرائيل بيتنا” بـ67 مقعداً. وهو خيار بسيط حسابياً، لكنه معقد سياسياً، إذ يتطلب، إن بقي نتنياهو على رأس “الليكود”، أن يتخلى خصومه عن وعدهم بعدم الخدمة تحت قيادته.
وفي هذا الصدد، ترى الصحيفة أن الأسابيع المقبلة ستختبر ما إذا كانت مواقف الأحزاب نهائية أم تفاوضية، وسيتعين على أحد ما أن يقرر: هل الالتزام الأكبر هو الوفاء بالتعهد الانتخابي، أم تقديم تنازلات تتيح تشكيل حكومة؟
ويحدد القانون الإسرائيلي إيقاع هذه الأسابيع: فخلال سبعة أيام من نشر النتائج الرسمية، يكلّف الرئيس إسحاق هرتسوغ، بعد مشاورات مع رؤساء الكتل، أحد المرشحين بتشكيل الحكومة خلال 28 يوماً قابلة للتمديد 14 يوماً. وإن أخفق، يُكلَّف مرشح ثانٍ لمدة 28 يوماً دون تمديد، وإن تعذّر التشكيل في النهاية يُحلّ الكنيست وتبدأ دورة انتخابية جديدة مدتها 90 يوماً، فيما تواصل الحكومة الحالية عملها بصفة تصريف أعمال.

التغييرات الجذرية مستبعدة حتى لو أُطيح بنتنياهو

في قراءة لهذه النتائج، يذكّر مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية رصدته “أثير” بأن آيزنكوت هو من صاغ “عقيدة الضاحية” حين كان رئيساً لشعبة العمليات في الجيش، والتي تقوم على استخدام قوة هائلة ضد معقل “العدو”، بما في ذلك تدمير واسع للبنى التحتية المدنية والاقتصادية، بحيث يرتدع الخصم عن الاشتباك مع إسرائيل مجدداً. وقد طُبّقت في حرب 2006 مع حزب الله. ويستحضر المقال هذه الواقعة لأن صاحبها قد يصبح رئيس الوزراء المقبل، وإن كان طريقه إلى السلطة غير مضمون.
ويرى المقال أن الإطاحة بنتنياهو ستُسعد كثيرين في واشنطن، لكن كتلة التغيير لا تختلف كثيراً عن الائتلاف الحالي في غزة والضفة الغربية وحل الدولتين، إذ ظل نتنياهو فيها في صلب التيار السائد، تماماً كخصومه.
ويذهب المقال إلى أن كثيرين في واشنطن يعانون مما يسميه “متلازمة الهوس ببيبي”، فيعجزون عن التمييز بين ما يتحمّل نتنياهو مسؤوليته فعلاً وبين حقائق السياسة الإسرائيلية التي لا تروق لهم. ولا يعفي المقال نتنياهو من المسؤولية، فقد أثار حفيظة رؤساء أمريكيين متعاقبين.
ومع ذلك، يخلص المقال إلى أن رئيس الوزراء، بصرف النظر عن طباعه الشخصية، يعبّر عن شريحة من الناخبين الإسرائيليين أوسع بكثير مما يرغب كثيرون في أوساط صنع السياسة في تصديقه.

ما لن تغيّره الانتخابات الإسرائيلية

كانت مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية قد رسمت، في مقال لها نُشر قبيل الاقتراع ورصدته “أثير”، ملامح هذه المعركة وما قد يليها، وأشارت إلى أن كثيرين خشوا أن تتحول إسرائيل، إن عاد نتنياهو لولاية سابعة، إلى دولة مارقة ذات طابع ثيوقراطي. ورغم أن الحملة تناولت إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، وتهم الفساد الموجهة إلى نتنياهو، فإن المنافسة تركّزت على المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر.
وتشير المجلة إلى أن آيزنكوت سيحتاج، إن صحّت الاستطلاعات، إلى دعم الحزبين العربيين ولو ضمنياً، ولذلك سعى نتنياهو إلى استمالة ناخبين لا يحتملون حكومةً يسهم الفلسطينيون في بقائها. في المقابل، رأى الليبراليون في الانتخابات الفرصة الأخيرة لإنقاذ بلادهم من الانزلاق نحو الدكتاتورية، واعتزم كثير من الإسرائيليين المقيمين في الخارج العودة للتصويت، فيما أيّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملة نتنياهو.
أما ما بعد الاقتراع، فقد توقعت المجلة ألّا يحصل أيٌّ من الرجلين على غالبية مطلقة، وأن تشهد البلاد مساومات مكثفة، قد يحاول خلالها نتنياهو ضمّ آيزنكوت إلى حكومة وحدة وطنية مقابل تجميد خطته للإصلاح القضائي. ورغم رفض آيزنكوت القاطع العمل تحت قيادة نتنياهو، حتى بالتناوب، فإن التراجع عن المواقف سمة متكررة في سياسة الائتلافات الإسرائيلية. وثمة احتمال آخر هو فشل المفاوضات والعودة إلى صناديق الاقتراع، كما حدث خمس مرات بين عامي 2019 و2022.
وحتى إن تولّى آيزنكوت الحكم وأبطأ الاستيطان، فإنه سيخيّب آمال من يتوقعون تراجعاً جذرياً، لأنه يعارض شخصياً قيام دولة فلسطينية، ولأن حزبين يمينيين في كتلته، منهما حزب أفيغدور ليبرمان، سيُسقطان حكومته إن أبدى انفتاحاً على هذه الفكرة.
وبغض النظر عن شكل الحكومة المقبلة، سواء بقي نتنياهو على رأس حكومة تصريف أعمال أو حكومة غالبية، أو تشكّلت حكومة وحدة وطنية، أو قاد آيزنكوت حكومة أقلية يدعمها الحزبان العربيان أو حكومة غالبية، تخلص المجلة إلى أن رئيس الوزراء المقبل سيواصل احتلال أجزاء من أراضي الدول المجاورة وقمع الفلسطينيين، وسيجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع عزلة إسرائيل المتزايدة. بل قد تواجه إسرائيل في نهاية المطاف أكبر مخاوفها: فقدان حق النقض الأمريكي في مجلس الأمن، الدرع الذي حمى احتلالها من الإدانة الدولية منذ عام 1967.
وتقرّ المجلة بأن هذا المصير قد لا يكون ما يريده الإسرائيليون فعلاً، لكنها ترى أنهم يندفعون نحوه حتماً ما لم يحدث تحوّل جذري في طريقة تفكيرهم في مشكلاتهم، ويتعاظم هذا الاحتمال إذا بقي نتنياهو وشركاؤه في السلطة، ففي هذه الحال، لن ينتظر الإسرائيليون الأكثر ليبرالية ليروا مدى قسوة العقوبات التي قد يفرضها العالم على بلادهم، بل سيغادرونها بحثاً عن مكان أكثر هدوءاً يعيشون فيه وفق نمط الحياة الذي يريدونه.
الصورة: الجزيرة

شارك هذا الخبر