القسوة بعينيها وذيلها القذر

القسوة بعينيها وذيلها القذر
Atheer - أثير

 

القسوة بعينيها وذيلها القذر

محمد الهادي الجزيري

 

أعرف العديد من المبدعين في الوطن العربي ممّن استقالوا من وجع الكتابة، اضطرّوا إلى مصارعة رغيف الخبز وفواتير الماء والغاز والكهرباء، فأهملوا أنفسهم ومواهبهم نصّا إثر آخر ، إنّ ما يقاسيه الأديب العربي أكبر من أن تضمّه مقالة، ومع ذلك لابدّ لي من ترك شهادتي على هذا الخور، قبل فراري إلى قبر أوسع ولا شكّ من الفضاء الثقافي الأدبي العربي، أنا لا أنكر أنّ عالم الكتابة تراتبيّ ككلّ مجال آخر من مجالات الحياة الكثيرة، لكنّي أصرّ إلحاحا على ضرورة توفير الأرضية المناسبة لكلّ موهبة إبداعية كبيرة، وبي إيمان لا لبس فيه ، خلاصته أنّ التجارب الأدبية العظيمة التي فرضت نفسها وتجذّرت داخل دائرة الأضواء والنقد والمتابعة، توفّرت لأصحابها السياقات الملائمة وصادفتهم رياح مواتية، دعّمتهم أقدار وظروف ومناخات اجتماعية وسياسية ، متحالفة معهم….

 

قال المسعدي ” إنّ الأدب مأساة أو لا يكون “، وقد تصدّى لتفسير هذه المقولة صعاليك لهم هيئات أدباء وشعراء خاصة، صعاليك ينظّرون للبأس والتشرّد والتسوّل والخصاصة، فحوّلوا وجهة مقولة المسعدي إلى غير مقصدها، فالمأساة التي أشار إليها أديبنا الكبير هي محنة الوجود وقلق الإقامة على ظهر هذا الكوكب التائه بين المجرّات، وليس العيش بين مخالب الحاجة وفوق نار الكراء وتحت ضغط الفقر وفواتير الحياة الكثيرة، نعم أنا من الداعيين إلى رفع تكاليف العيش عن المبدع وإلى تفرّغه التام للكتابة والخلق ، لكنّ هذه الدعوة هي للجهد الإبداعي والكدّ المعرفي ولا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالمنظّرين للبطالة والكسل والعيش على حساب الندامى والمجتمع ككلّ .

 

أعتقد أنّ تجربة عظيمة مثل تجربة محمود درويش مثلا، ما كان لها أن تزهر وتتفرّع في الأرض وقلوب الناس، لولا توفّر أسباب كثيرة منها السياسي والسياق التاريخي خاصة، وللتوضيح فقط، لست بصدد التشكيك في فداحة الموهبة الدرويشية ولكنّي صراحة أشير إلى ما لا يحصى من المواهب الصافية التي تمّ تجفيفها وما تزال عمليّة التجفيف متواصلة في نسق حثيث وعلى مرأى اللئام والأيتام، لنضرب مثلا على ما أقول، ونقارن بين مبدعيْن عربييْن يختلفان كليّا في ظروفهما الحياتية ، الأوّل يفتتح يومه بباقة الصحف والكتب وفنجان القهوة الخالي من النكد اليوميّ طبعا، يقرأ ما تيسّر من الإبداع الإنساني، إلى أن يجد في نفسه هوى وميلا لكتابة فكرة جديدة، فما عليه سوى أن يستهلّ الحفر في حقول اللغة وغياهب الذات ، فليس له من هاجس آخر سوى الكتابة ولا مواعيد له مع التزامات الحياة البغيضة، أمّا الثاني، موظّفا بسيطا كان أو مديرا عظيما، فعليه أن ينهض باكرا ويسلّم نفسه مباشرة.. للآخرين ، من نسمّيهم عادة أفراد المجتمع المدني، فيبدّد مجبورا طاقته الذهنية والجسدية في مسائل بعيدة عن حدائق الإبداع، بُعد الشيخ الخرف عن حبيبته الأولى القاتلة المشتهاة…، خلاصة القول أيها القساة : رفقا بالأديب العربي ، لا تحمّلوه ما لا طاقة له به، ففاقد الشيء لا يعطيه…، فاقد الصفاء الذهني والوقت اللازم للقراءة والكتابة … لا ينتج غير القليل ، وهذه منّة منه على هذا الخراب العظيم، هذا إن لم يكن أغلب ما يصدر عنه ليس سوى صراخ وصياح وعويل أدبي احتجاجا على الورطة التي وقع فيها …،

 

 ” قصّوا جناحيه وقالوا له : طرْ…”

هذه هي القسوة بعينها …بل بعينيها القبيحتين وذيلها القذر.  

 

 

شارك هذا الخبر