ماكس كلادا الذي أحببته

تعود الكاتبة إلى قصة «أبو العريف» لسومرست موم، مستحضرة ماكس كلادا وموقفه النبيل، لتتأمل المنطقة الرمادية في البشر ومكانة القصة القصيرة بين قراءاتها.

ماكس كلادا الذي أحببته
Atheer - أثير

 

ماكس كلادا الذي أحببته!

سعدية مفرح

 

كنت قد انتهيت للتو من قراءة قصة قصيرة مترجمة من الانجليزية عندما وجدتني واقعة في هوى ماكس كلادا! وماكس هذا هو “الرجل الذي يعرف كل شيء”، وفقا لعنوان القصة القصيرة بالإنجليزية، والذي ترجمه المترجم المصري، على ما أظن، ب “أبو العريف”.

حدث هذا قبل أكثر من ربع قرن على ما أتذكر، ولذلك فقد نسيت الكثير من تفاصيل وأسماء شخصيات القصة لكنني لم أنسَ أبدا اسم بطلها ماكس كلادا الذي وقعت في هواه وتمنيت لو أنني أصادفه يوماً ما في واقع الحياة لأشكره على صنيعه النبيل تجاه السيدة الصغيرة التي التقاها على ظهر السفينة مع زوجها وأنقذها من ورطة كادت أن تقضي عليها لولا نبل الرجل غير النبيل! 

 

هل يمكن لغير النبلاء أن يتصرفوا بنبل حقيقي في بعض مواقف حياتهم؟ لا خير مطلق ودائم ولا شر مطلق ودائم ما دمنا نحكي حكايات البشر من ذوي النفوس التي سواها الله فألهمها فجورها وتقواها، وبين الفجور والتقوى يمكننا أن نجد الكثير من مواقف الحياة الحقيقية التي قد يغفل ويزوَرُّ عنها القصاصون لكن المهرة البارعين منهم يجدون فيها مواد أولية لصناعة قصص رفيعة المضمون، ومن هؤلاء البارعين المهرة سومرست موم، الكاتب الذي أخذ بيدي من حيث لا يدري إلى فن القصة القصيرة على أن تقبلي لمعظم ما يكتب تحت هذا التصنيف مهمة صعبة ومرهقة فعلاً.

 

كانت تمر علي فترات طويلة لا أقرب فيها هذا النوع من النصوص القصصية ثم تقع عيني فجأة على واحدة من قصص سومرست موم لأجدد من خلالها علاقتي الجميلة بالقصص القصيرة. وهكذا ظلت تلك القصص إحدى مفضلاتي في القراءة عموماً ولا يسبقها في مكانتها عندي تحت باب الإبداع الأدبي إلا الشعر والسير الذاتية.  

 

ولأنني أشعر بحنين ما هذه الأيام إلى القصة القصيرة فقد عدت لعالمي الجميل والمنسي في زحمة الاهتمامات والكتب والقراءات لأجدني في غابة متشابكة من العناوين والشخصيات والأحداث التي لم أعد أتذكرها بالترتيب ولا بنظامها في الكتابة والقراءة، ووحده ماكس كلادا كان يلمع في ظلام  ذاكرتي ليضيء المساحة بأكملها؛ النبل النابع من بين الوضاعة والادعاء، والشرف الرفيع الذي لا تحيطه سوى مظاهر الكراهية والتصنع البغيض.

 

وكما أحب سومرست موم على لسان راوي قصته ماكس كلارا في آخر سطور القصة على نحو مفاجئ وإن وفق احتمالات الحياة الواقعية أحببته أنا بدوري ولذات السبب. وجدته نوعاً من البشر الذي نعيش معه بتصوراتنا السلبية عنه حسب ما نراه ونسمعه منه بكل صدق وقد نمضي في تقاطعات الحياة المختلفة من دون أن نكتشف تلك الزاوية المضيئة من نفسه التي تراكمت حولها مياه الحياة الآسنة. 

 

الحياة ليست أبيض وأسود وحسب فهناك الكثير مما يفوت الذين يظنون أنها كذلك في تلك المنطقة البرمادية الملتبسة ما بين اللونين المتناقضين. ولمن يريد أن يكتشف شيئا من ذلك عليه أن يجتهد فقط. وقصص سومرت موم التي أعتبره أعظم من كتب في واقعية الحياة وتداخلاتها الإنسانية ذات النسق البسيط  تعتبر مدخلاً ممتعاً ًللاجتهاد.. وليست قصة “أبو العريف” الوحيدة في تمثيلها لهذا النسق ولكنني ذكرت بها هنا لأنها النموذج الذي صادفته في طريقي إلى القصة القصيرة ذات يوم فرافقتي دائماً باسم ماكس كلادا! 

 

شارك هذا الخبر