مدادرسالة متأخرة
في نص نشر عام 2015، تستعيد سعدية مفرح رسالة من الشاعر صلاح نيازي تأخر وصولها ثلاث سنوات تقريبًا، وتتأمل الكتابة والبوح وما قد يفوت القارئ بين الكلمات والسطور.
رسالة متأخرة!
سعدية مفرح
أزعم أن أجمل الرسائل في حياتي وصلتني متأخرة عن موعدها المفترض، لكن ما يجعلني أتقبل تأخرها قبولا حسنا هو أنها وصلت أخيرا. حتى لو وصلت متأخرة فيكفي أنها لم تضع وأنني ما زلت قادرة على قراءتها.
تأسرني فكرة الرسالة، ولطالما تساءلت عمن اخترعها، من هو صاحب أول رسالة في التاريخ، كيف تأتى له أن يفكر بصب أفكاره على الورق، أو ربما على الحجر أو الجلد، لتصل إلى من ينبغي أن تصل إليه. بأي دهشة قرأ مستقبل الرسالة الأولى في التاريخ/الكلمات؟ وكيف استخلص المشاعر الكامنة بين السطور والكلمات. هل فكر بالرد في اللحظة نفسها؟ أم أن الرد على الرسالة فكرة مستقلة بذاتها اكتشفت لاحقا؟
قبل أيام وصلتني رسالة من الشاعر الصديق د. صلاح نيازي، وقبل أن أفتحها علمت أنها متأخرة عن موعد وصولها الافتراضي لي ثلاث سنوات تقريبا. قال لي الزميل الروائي ابراهيم فرغلي الذي حملها إلي أنه وجدها بين صفحات كتاب منسي في مكتبته في مقر مجلة العربي حيث يعمل، ويبدو أن د. نيازي قد طلب إيصالها لك أثناء وجوده في الكويت للمشاركة في ندوة مجلة العربي، ولسبب ما نسيت الرسالة كل هذه السنوات في قلب ذلك الكتاب الذي لم يفتح إلا اليوم!
تركت الرسالة ثلاث ساعات إضافية قبل أن أفتحها، أردت أن أتفرغ تماما لاسترجاع ما يمكن استرجاعه منها، ثم أن تأخيرا إضافيا لمدة ثلاث ساعات لا يكاد يغير شيئا بالنسبة لرسالة تأخرت ثلاث سنوات. لا يغير شيئا بالنسبة لي ولا بالنسبة للمرسل كما أظن، ولذلك تمهلت كثيرا وأنا أفتحها بدقة وأناة كمن يحاول إبطال مفعول قنبلة موقوتة.
رغم أنها رسالة عادية مما يتداول بين الزملاء والأصدقاء. لكن شعوري أنها قادمة من زمن مضى أضفى عليها ذلك السحر الغريب الذي نستشعره بكل الأشياء القديمة الحميمة ونحن نعيد اكتشافها أو نجدها بعد فقد وغياب.
حسناً… فتحت الرسالة أخيراً وقرأت سطورها التي كان يعاتبني فيها كاتبها على عدم الرد على رسالته السابقة لهذه الرسالة أيضا!
يا إلهي! ما حكايته مع الرسائل المرسلة إلي من صلاح نيازي تحديداً؟
لماذا تضيع في طريقها من لندن، حيث يقيم، إلى الكويت، حيث أقيم؟
في الرسالة الأخيرة كان النسيان هو السبب، فما سبب ضياع الرسالة التي سبقتها وقد فهمت أنه أرسلها بريديا في تلك المرة؟
كثير من رسائلنا نكتبها ولا تصل، وكثير منها نقولها ولا تصل، أو نلمح بها فلا يفهمها الشخص المعني بالتلميح.
هل نكتب الرسائل دائما لتصل إلى من المرسلة إليه فعلا؟ أم أننا نكتب لمجرد البوح في التو؟ كثير من الرسائل نكتبها فعلا وكأننا نود إرسالها، ولكننا نتراجع فتبقى هكذا مكتوبة بلا عنوان. وكثير من الرسائل نكتبها ونرسلها فعلا، ويقرأها المرسلة إليه ولكنها لا تصل.. يقرأ الكلمات، ولكنه يغفل عما وراء الكلمات، وتتمشى عيونه على السطور ولكنها تفوت ما بين السطور، فتذهب الرسالة هدرا رغم الجهد الذي بذله الكاتب في الكتابة، والقارئ في القراءة وساعي البريد في التوصيل.
في كتابي “تواضعت أحلامي كثيرا” ، استغرقتني فكرة الرسائل بعدد من النصوص كتبت في واحد منها :
“سأُدركُ بعْدَ فواتِ الأَوانِ
كمْ هي لئيمةٌ
فكرةُ الرسائلِ المُتأخِّرةِ
وكم هو رحومٌ
ساعيُ البريدِ الكَسولِ”.
ويبدو أنني أدركت ذلك فعلا… بعد فوات الأوان!