أثير - محمد حسن، كاتب وباحث سوري
قبل عقود، وفي ذروة الحرب الباردة، حذر كارل ساغان من أن القوة التدميرية لسلاح نووي واحد تعادل اليوم جميع الأسلحة التي أُطلقت خلال الحرب العالمية الثانية بأكملها، وأردف ساغان، إنّ أي حرب بين القوى الكبرى ستكون بمثابة “حرب عالمية ثالثة تتكرر في كل ثانية على مدار ظهيرة يوم صيفي هادئ”، وأمام هذه الآفاق المرعبة، تساءل ساغان: ألا ينبغي لنا أن نبذل كل ما في وسعنا لتجنب مثل هذه الكارثة؟ ألا ينبغي لنا أن نعيد بشكل فاعل وجماعي صياغة سياساتنا واقتصاداتنا وتقنياتنا وأدياننا وثقافاتنا لتفادي هذه النتيجة؟ وبدلاً من ذلك، وكما يوثق كتاب “العاصفة القادمة”، فإننا نتحرك منذ عقود في الاتجاه المعاكس تماماً.
يرى أود أرني ويستاد في كتابه “العاصفة القادمة” أنّ عالم اليوم هو عالم “تتزاحم فيه قوى كبرى متعددة من أجل السيادة”. إنه عالم تحركه المصالح المتضاربة وتتحكم بتحالفاته وصداقاته المتقلبة والهشة، وما يلبث الشك والخوف على المستوى الجيوسياسي أن يشتد بفعل التأثيرات المُربِكة للتقنيات الجديدة، لتغدو آفاق اتخاذ القرار ضيقة للغاية، وتبدو أنها تسير نحو مجال أضيق، وإجمالاً، عالم اليوم يشبه أوروبا عشية الحرب العالمية الأولى أكثر مما يشبه أي اصطفاف جيوسياسي شهدناه منذ ذلك الحين.
وانطلاقاً من هذه المقدمات، ينجز كتاب “العاصفة القادمة” ثلاثة أمور: فهو يمسح عالماً زاخراً بإمكانات الصراع، ويتنبأ بالظروف التي قد تشعل حرباً افتراضية بين القوى الكبرى، ويضع أمام الحاضر المرآة المظلمة لعام 1914.
وباعتباره نرويجياً يعمل في الولايات المتحدة، فإن خلفية ويستاد كعالم متخصص في الشؤون الصينية وخبير بارز في تاريخ الحرب الباردة العالمية تؤهله بالخبرة واتساع الرؤية المطلوبين لإنتاج هذا النوع من التحليل، وعلى الرغم من إيجاز الكتاب، فإنه ينجح في تغطية مساحة هائلة من القضايا.
وليس من المستغرب، بصفته مؤرخاً، أن ينجذب ويستاد إلى المثال القاتم للحرب العالمية الأولى، إذ إنه بين الباحثين، لم تحظَ أي حادثة، على الإطلاق، بهذا القدر من السخونة أو الخلاف، ورغم أن الحرب العالمية الثانية تظل الإطار الذي نستقي منه القدر الأكبر من مفرداتنا السياسية، إلا أن أسباب اندلاع سالفتها تظل الكارثة التاريخية النموذجية لصناع السياسات، فهي الكابوس الذي لا نستطيع، في نظر ويستاد، ولا ينبغي لنا، أن نفيق منه.
يرسم ويستاد أوجه التوازي بفرشاة عريضة للغاية، فأمريكا اليوم، القوة العالمية الآفلة، تحتل تقريباً موقع بريطانيا قبل عام 1914، أما ألمانيا، القوة التي ترى لنفسها الحق في السيادة، فتقابلها الصين (حيث يلعب دينغ شياو بينغ دور بيسمارك) كما أن محاولة بوتين الوجودية للحفاظ على منطقة نفوذ بلاده تجعل روسيا بمثابة النمسا-المجر الجديدة. أما الهند، “القوة الكبرى الحساسة”، فتؤدي دور فرنسا.
قد يكون من المغري نقد هذه التقييمات لسطحيتها، غير أنني أظن أن ذلك يخطئ المغزى الرئيسي من وراء قصد الكاتب، فالهدف الذي يسعى إليه ويستاد في “العاصفة القادمة” ليس إقامة روابط تحليلية صلبة، وموقفه ليس قائماً على فحص تاريخي دقيق يستخرج البُنى والقوانين والأنماط الأعمق لتوفير جوهر تفسيري للمقارنات التي يقدمها. إنّ الكتاب يُعنى بـ “أوجه التوازي”، وليس بـ “المقارنات التفصيلية”، بمجرد أن ندرك السجل التشريحي الذي يقدم من خلاله ويستاد أوجه التوازي هذه، فإن صورته التي رسمها لعام 1914 أثبتت بالفعل أنها ملهمة ومفيدة للغاية. فبالنسبة للمؤرخين، تكمن أحد جوانب الفتنة التي تسببت باندلاع الحرب العالمية الأولى بجدل مراكز القوة الذي سلط الضوء على الصراع التفسيري الدائم بين قوى البنية الهيكلية والإرادة الفردية، فلو كانت الإرادة حازمة بدرجة كافية في عام 1914، لما فقد رجال الدولة الأوروبيون هامش الحرية لضمان السلام، ومع ذلك، فقد تصرفوا تحت وطأة ضغوط وقيود هائلة كانت في كثير من الأحيان غير مرئية لهم تماماً. وكانت هذه المؤثرات محليّة بقدر ما كانت مجردة، حيث ألقى هيكل السلطة الداخلي، والمسارات الشخصية، والمنطق السياسي بثقله على قراراتهم بنفس القدر الذي فعلته القوى غير الشخصية للإمبريالية والنوايا القومية والتنافس الجيوسياسي، فالقومية والشعبوية كانت في تصاعد وشعر الكثيرون بأن العولمة قد خذلتهم، وهو الوقت الذي زادت فيه التعريفات الجمركية وكانت الهجرة والإرهاب من بين أكبر قضايا العصر حيث ألقى عدد متزايد من الناس باللوم على مواطني الدول الأخرى في مشاكلهم، إنه زمن يحمل أوجه تشابه مخيفة مع واقعنا الحالي، فضلاً عن الميزة التنافسية اليوم فيما يتعلق بالتكنولوجيا النووية والذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء والتجارة، وبالتالي أصبح عالمنا أكثر هشاشة وعدم استقرار وقابلية للانفجار، حيث بات اندلاع حرب عالمية بين القوى العظمى اليوم أمراً مرجحاً بشكل متزايد.
أطلق المؤرخ المشهور من جامعة يال تحذيراً مثيراً للقلق في كتابه “العاصفة القادمة”، أولاً: نحن نعيش في عصر يتسم بتعدد القوى الكبرى، التي يُدار بعضها من قبل قادة لا يمكن التنبؤ بسلوكهم، مما يرفع خطر نشوب حرب كارثية إلى مستويات فائقة. ثانياً: تختلف عواقب الحرب بين القوى الكبرى بمستويات شاسعة عن الحروب التي اعتاد عليها العالم مثل فيتنام والعراق وأوكرانيا وغزة، ويشير " أود آرني ويستاد" إلى أن الحروب الكبرى هي حروب عالمية تتصاعد ألسنتها بسرعة لتخرج عن السيطرة، وتسفر عن خسائر بشرية تتجاوز بكثير أي شيء شهدناه منذ الحرب العالمية الثانية.
وهو أمر يعزوه السيد بدر البوسعيدي وزير الخارجية العماني في مقالته المنشورة في صحيفة فاينانشيال تايمز إلى بُعدين جديدين ومقلقين في السياسة العالمية، يستدعيان استجابة جماعية عاجلة من المجتمع الدولي.
يتمثل البعد الأول في تراجع الالتزام بالقانون الدولي، فقد شهدت السنوات الأخيرة ترسيخاً لحالات الاحتلال، وتزايداً في استخدام الاغتيالات والاختطاف كأدوات سياسية، وشن هجمات متهورة على المدنيين، فضلاً عن ازدراء صريح لمؤسسات مثل الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وينذر هذا الوضع بالعودة إلى حقبة سابقة كانت فيها القوى الكبرى تتصرف دون خشية من المحاسبة، ولكن مع فارق جوهري هذه المرة يتمثل في امتلاك أسلحة الدمار الشامل.
أما البعد الثاني فيتمثل في ميل بعض قادة العالم إلى الاعتقاد بأن بإمكانهم ممارسة الدبلوماسية بأنفسهم، دون إشراك الدبلوماسيين. وتكمن المشكلة في أنهم سرعان ما يكتشفون قلة الأدوات المتاحة لديهم لتحقيق أهدافهم، فيجدون أنفسهم مضطرين للجوء إما إلى الأسلوب الإمبريالي التقليدي الذي ساد في القرن التاسع عشر، أي “دبلوماسية الزوارق الحربية”، أو إلى نظيره الحديث الأكثر تهذيباً ولكنه لا يقل تدميراً، والمتمثل في استخدام القوة الاقتصادية لإخضاع شعوب بأكملها وإجبارها على الرضوخ، أملاً في تحقيق “تغيير للنظام” وتنصيب إدارة تابعة ومطيعة.
وهو ما يستوجب تدخلات دبلوماسية عاجلة وإعادة بناء المؤسسات الدولية لاستيعاب القوى الصاعدة قبل أن يتحول التنافس إلى صدام حتمي لا يبقي ولا يذر، وهو نفس النداء الذي اختتم ويستاد به كتابه، فالخطر الشديد الذي يحدق بالعالم اليوم لا يعود في المقام الأول إلى كوننا نعيش في عالم متعدد الأقطاب بين قوى كبرى، بل يعود إلى أننا نعيش في عصر يحكمه مستبدون متوهمون بدرجة خطيرة، إذ في غياب البرلمانات أو المنظمات الدولية التي تكبح جماحهم، غالباً ما يفشل الحكام الفرديون في اللحظات الحاسمة بين الحرب والسلام لأنهم يخشون وسمهم بالضعف أكثر من خشيتهم لعواقب الحرب نفسها، وعلى هذه الشخصيات يتوقف مستقبل السلام العالمي والأجيال القادمة.
يتلاقى العقلاء اليوم على استشعار خطر العاصفة القادمة ومنهم سيمون تسدال معلق الشؤون الخارجية في صحيفة الغارديان حيث يخبرنا بأن العالم في حالة فوضى عارمة، والسماء قد تسقط في أي لحظة، فها نحن نشهد حروب لا تنتهي، وأزمات إنسانية متزايدة، واستبداد متصاعد، وديمقراطيات معطلة، وتطرف عرقي وديني مستشرٍ، وانفلات أمني بلا رادع، وكل هذا يلقي بظلاله القاتمة مع بداية العام السياسي الجديد في الغرب. ونضع كل ذلك أمام خلفية من التفاوت الاقتصادي العالمي المذهل، وجشع الشركات والأفراد، والمديونية الحكومية، والمراهنات الخطيرة على الذكاء الاصطناعي، والانهيار المناخي، وانتشار الأسلحة النووية، لتبدأ ملامح مشهد عالمي كارثي حقاً في التشكل، مما يعتبر في نظره أمراً كافياً لجعل أي شخص يغمض عينيه ويغطي أذنيه ويطلق صرخة على طريقة لوحة “الصرخة” لمونك.
لكن في نهاية الأمر لن يكون المستقبل في أيدي البلطجية والمجرمين السياسيين، ولا في أيدي الطغاة والمصابين بجنون العظمة، بل في أيدي العقلاء وعامة الناس في كل مكان. إنه يعتمد على الملايين والملايين من أفعال العطف والتضحية والنبل والإيمان والشجاعة اليومية الفردية. لذلك، يجب علينا أن لا نفقد الأمل وأن نبقي أعيننا وآذاننا مفتوحة، وننظر إلى الأعلى!






