
جديد المفكّر جورج طرابيشي ..خاص بـ”أثير”
نصوص لفرويد تنشر للمرّة الأولى بالعربيّة
تقديم وترجمة جورج طرابيشي
(1)
((إن الأرض الموعودة بالنسبة
إلى فرويد ليست أمة أو أرضاً،
بل اللاشعور)).
إليزابيت رودنسكو
كثيراً ما اُتهم التحليل النفسي بأنه اختراع يهودي، بله مؤامرة صهيونية، لا بحكم الأصل اليهودي لفرويد فحسب، بل كذلك لأن فريق العمل الذي التفّ حول فرويد وانتصر لنظرياته كان يتألف من غالبية عظمى من الأطباء والمحللين النفسيين من ذوي الأصول اليهودية رجالاً ونساء، وتحديداً في الدولتين اللتين كانتا تضمان ((الجالية)) اليهودية الأكثر تعداداً والأكثر فاعلية في العالم يومئذ: الأمبراطوريتين الألمانية والنمساوية.
ولكن بدون أن نماري في غلبة العنصر اليهودي على حركة التحليل النفسي في طورها الفرويدي التأسيسي، فإن المعادلة قد تكون قابلة لأن تعكس: فهذه الحركة ما كان لها أن تولد إلا في وسط يهودي ((كتيم))، وذلك بالنظر إلى أن الأمراض النفسية كانت أكثر تمركزاً وانتشاراً في هذا الوسط بحكم ((الخصوصية)) اليهودية المتمثلة بالانغلاق الذاتي على النفس نزولاً عند حكم الشريعة اليهودية التي ما كانت تقرّ إلى ذلك الحين بشرعية الزواج من خارج الطائفة والتي كانت ـ ولا تزال ـ لا تقرّ بعلاقة النسب، وبالتالي بالانتماء اليهودي، إلا بالإحالة إلى الأم دون الأب، وذلك باعتبار أن الأمومة ـ كما كان ينوِّه فرويد نفسه ـ واقعة مادية لا تقبل لبساً على حين أن الأبوة واقعة افتراضية وقابلة بالتالي لأن تكون مشكوكاً فيها. ولا ريب في أن هذا التأطير ((الغيتويّ)) للأسرة اليهودية هو ما أضفى على الأمراض النفسية لدى الطوائف اليهودية طابعاً وراثياً يعيد إنتاج نفسه باستمرار بصرف النظر عن تباين الظروف الجيوبوليتيكية والإثنية واللغوية، ويوجِد بالتالي حاجة أكبر إلى الطب النفسي مما لدى الشعوب والطوائف الأخرى(1). ومن هذا المنظور تحديداً يمكن القول إنه لو صحّ أن التحليل النفسي ((مؤامرة يهودية)) لكانت هذه ((المؤامرة)) تستهدف اليهود قبل غيرهم من الطوائف والشعوب. والواقع أن حياكة هذه ((المؤامرة)) عُزيت إلى فرويد نفسه منذ أن نشر في خاتمة حياته كتابه عن ((الرجل موسى والتوحيد)) الذي اعتبرته الأوساط اليهودية التقليدية، وكذلك الأوساط الصهيونية الوليدة، تجريداً للشعب اليهودي من أهمّ مقوِّماته ومن امتيازه الأول على غيره من الشعوب.
والواقع أن فرويد كان أشبه ما يكون بالنسبة إلى اليهودية كالابن الضال الذي تتحدث عنه التوراة: فقد كان يهودياً نسَباً وانتماء ولكنه لم يكن يهودياً ديناً وإيماناً. وفضلاً عن ذلك، عندما شرعت اليهودية في مطلع القرن العشرين تتجلبب بجلباب الصهيونية أبى فرويد بتصميم أن ينضوي تحت لوائها، ولم يحجم حتى عن إعلان معارضته لإقامة دولة يهودية في فلسطين(2).
وبالنظر أصلاً إلى التطورات الجيوبوليتيكية اللاحقة التي شهدتها الساحة العربية منذ أن حققت الصهيونية حلمها الكبير في إقامة دولة يهودية في فلسطين فإن موقف فرويد ((الازدواجي)) ـ إن صحّ التعبير ـ من هويته اليهودية والسلبي في الوقت نفسه من الإيديولوجيا الصهيونية يضفي على النصوص التي نقدمها هنا للقارئ العربي، والتي تنشر لأول مرة بالعربية(3)، أهمية استثنائية.
ج.ط
***
1 ـ ما يصدق على الأمراض النفسية من قابلية للوراثة قد يصدق أيضاً على بعض الأمراض البدنية. فنسبة العاهات البصرية لدى الأطفال من الطوائف اليهودية المغلقة على الذات في أوروبا الغربية كانت ولا تزال هي الأعلى بين سائر فئات السكان، وهذا ما استتبع بدوره أن تكون نسبة أطباء العيون من أصول يهودية هي الأكبر، وربما الأشهر.
2 ـ قد لا يكون من قبيل الصدفة أن فرويد لم يلتقِ قط ثيودور هرتزل، الأب المؤسس للإيديولوجيا الصهيونية، رغم أنه كان يسكن وإياه حياً واحداً في فيينا، هو حيّ برغستراس.
3 ـ باستثناء نص رسالة فرويد إلى حاييم كوفلر الذي كانت صحيفة النهار اللبنانية قد نشرت ترجمة له عام 2004.
من رسالة من فرويد إلى ناشر
((صحيفة زوريخ اليهودية المركزية))
( منشورة في عددها الصادر في
26 شباط/ فبراير 1925)
…. إنني أستطيع القول إني أجد نفسي بعيداً عن الديانة اليهودية بعدي عن سائر الأديان الأخرى جميعاً، أعني أن الديانة اليهودية هي في نظري ذات دلالة رفيعة من حيث أنها موضوع للاهتمام العلمي، وإن كنت غير معنيٍّ بها من الناحية العاطفية. وبالمقابل، لقد كان قوياً على الدوام شعوري بالانتماء إلى شعبي، ولقد أنميت هذا الشعور أيضاً لدى أولادي. وقد بقينا جميعاً على انتمائنا اليهودي.
ولقد تواقتت مرحلة الشباب من حياتي مع عصر ما كان فيه أساتذة الأديان الليبراليون يعلّقون من قيمة البتة على تحصيل المعارف في مضمار اللغة والأدب العبرانيين من قبل تلاميذهم. ومن ثم لبث تأهيلي في هذا المضمار متأخراً كثيراً، وهذا ما أسفت له لاحقاً غير مرة.
* سيتم نشر بقية النصوص أسبوعيا





