نرصد الحسبة وتفاصيلها: هل تبقى السيارة الكهربائية أوفر بعد 5 سنوات؟

عن الكاتب

ريما الشيخ
ريما الشيخ

محرر وكاتب صحفي

نرصد الحسبة وتفاصيلها: هل تبقى السيارة الكهربائية أوفر بعد 5 سنوات؟
هل تبقى السيارة الكهربائية أوفر بعد 5 سنوات؟
أثير - ريما الشيخ
يقف مشترٍ أمام سيارتين من الفئة نفسها؛ الأولى تعمل بالبنزين وسعرها أقل، والثانية كهربائية وسعرها أعلى بنحو ألفي ريال عُماني.
في صالة العرض تبدو سيارة البنزين أوفر مباشرة، لكن صاحب السيارة الكهربائية يرد بحسبة أخرى: لا وقود، وصيانة دورية أبسط، ويمكن شحنها في المنزل بكلفة أقل بكثير من تعبئة خزان الوقود.
لكن الصورة لا تبدو بهذه البساطة، خصوصًا مع بدء تطبيق رسوم خدمة شحن المركبات الكهربائية في المحطات العامة وشبه العامة اعتبارًا من 1 أكتوبر 2026، والتي تتراوح بين 50 و120 بيسة لكل كيلوواط ساعة، بحسب قدرة الشاحن.
فبعد 5 سنوات من الاستخدام، أيهما يستنزف جيب المالك أقل: السيارة الكهربائية أم سيارة البنزين؟

لنبدأ من نقطة واحدة: 100 ألف كيلومتر

حتى لا تكون المقارنة بين سيارة كهربائية صغيرة وأخرى تعمل بالبنزين من فئة أكبر، سنبني نموذجًا تقريبيًا على سيارتي كروس أوفر متقاربتين في الحجم والاستخدام، تقطع كل منهما 20 ألف كيلومتر سنويًا، أي 100 ألف كيلومتر خلال خمس سنوات.
ولأن الأسعار تختلف باختلاف الطراز والعروض، سنفترض لغرض الحسبة أن سعر السيارة الكهربائية يبلغ 12 ألف ريال عُماني، مقابل 10 آلاف ريال لسيارة البنزين، أي أن الكهربائية تبدأ بفارق ألفي ريال في سعر الشراء.
وسنفترض للسيارة الكهربائية استهلاكًا يبلغ 18 كيلوواط ساعة لكل 100 كيلومتر، مقابل 6.7 لترات من البنزين لكل 100 كيلومتر للسيارة الأخرى.
وهذه الأرقام ليست متوسطًا رسميًا لجميع السيارات في سلطنة عُمان، وإنما افتراضات ثابتة نستخدمها حتى نقارن كلفة الملكية تحت الظروف نفسها.

100 ألف كيلومتر: من يدفع أكثر مقابل الطاقة؟

يبلغ سعر بنزين 91 في سلطنة عُمان خلال سبتمبر 2026 نحو 229 بيسة للتر. ووفق افتراض استهلاك 6.7 لترات لكل 100 كيلومتر، تحتاج سيارة البنزين إلى نحو 6,700 لتر لقطع 100 ألف كيلومتر، ما يعني إنفاق نحو 1,534 ريالًا عُمانيًا على الوقود خلال خمس سنوات، إذا افترضنا ثبات السعر الحالي طوال الفترة.
أما السيارة الكهربائية، فإذا استهلكت 18 كيلوواط ساعة لكل 100 كيلومتر، فإن قطع المسافة نفسها يحتاج نظريًا إلى نحو 18 ألف كيلوواط ساعة.
وإذا وقع شحن السيارة في المنزل ضمن الشريحة الأولى للحساب السكني الأساسي، والبالغة 14 بيسة لكل كيلوواط ساعة حتى 4,000 كيلوواط ساعة شهريًا، فتبلغ كلفة الطاقة نحو 252 ريالًا خلال خمس سنوات؛ أي أقل بنحو 1,282 ريالًا من فاتورة البنزين في نموذجنا.
لكن هذه ليست بالضرورة الكلفة الفعلية لكل منزل؛ إذ ترتفع التعرفة السكنية الأساسية إلى 18 بيسة للشريحة من 4,001 إلى 6,000 كيلوواط ساعة، ثم إلى 32 بيسة لما يزيد على ذلك، ما يعني أن كلفة شحن السيارة قد ترتفع إذا كان استهلاك المنزل أصلًا ضمن شريحة أعلى.

هل تتغير معادلة الشحن العام؟

تتقلص الأفضلية عند الاعتماد على المحطات العامة وشبه العامة. فمن أكتوبر 2026 تبلغ رسوم خدمة الشحن 50 بيسة لكل كيلوواط ساعة للشواحن التي تبلغ قدرتها 90 كيلوواط فأقل، و90 بيسة للشواحن من 91 إلى 180 كيلوواط، و120 بيسة للشواحن التي تبلغ قدرتها 181 كيلوواط فأكثر.
وبحسب استهلاكنا المفترض البالغ 18 ألف كيلوواط ساعة خلال خمس سنوات، تصل كلفة الشحن إلى نحو 900 ريال عند تعرفة 50 بيسة، و1,620 ريالًا عند تعرفة 90 بيسة، و2,160 ريالًا عند تعرفة 120 بيسة.
وبذلك يبقى الشحن المنزلي الأرخص بفارق واضح في هذا النموذج، فيما تظل تعرفة 50 بيسة أقل من كلفة البنزين. أما عند 90 بيسة فتتجاوز فاتورة الشحن كلفة الوقود قليلًا، وعند 120 بيسة تصبح أعلى بوضوح.
وهذه حسبة نظرية لا تتضمن فاقد الشحن، لذلك قد تكون الكلفة الفعلية للكهرباء أعلى قليلًا.

الصيانة: أين تختفي أفضلية البنزين؟

تتميز السيارة الكهربائية بعدم وجود محرك احتراق يحتاج إلى زيت محرك وشمعات احتراق وعدد من عمليات الصيانة الدورية الموجودة في سيارات البنزين، إلا أنها ما تزال تحتاج إلى الإطارات والفلاتر والمكيف ونظام التعليق والسوائل وأجزاء أخرى، لذلك؛ فإن وصف صيانة السيارة الكهربائية بأنها بلا ”كلفة“ غير دقيق.
ولا توجد تعرفة موحدة في السوق العُماني تسمح بوضع رقم واحد لصيانة جميع السيارات الكهربائية أو سيارات البنزين لمدة خمس سنوات؛ فالطراز والوكيل والعروض تغير النتيجة.
وتقدم تويوتا عُمان حاليًا، على سبيل المثال، خدمة لمدة 5 سنوات أو 50 ألف كيلومتر لعدد من طرازاتها، تشمل خمس خدمات بفاصل 10 آلاف كيلومتر، ما قد يخفض ما يدفعه مالك بعض سيارات البنزين خلال السنوات الأولى.
ولكي نستطيع إكمال نموذج الخمس سنوات، سنضع افتراضًا حسابيًا قدره 400 ريال للصيانة الدورية للسيارة الكهربائية مقابل 800 ريال للبنزين.
وهذه الأرقام ليست أسعار وكالة ولا متوسطًا رسميًا للسوق، ويمكن أن تتغير النتيجة إذا كانت السيارة مشمولة بعقد صيانة مجاني أو احتاجت إلى إصلاحات إضافية.

هل البطارية فاتورة مؤجلة أم قلق مبالغ فيه؟

البطارية هي أحد أكبر المخاوف عند التفكير في كلفة السيارة الكهربائية، لكن لا يصح افتراض أن المالك سيستبدلها تلقائيًا بعد خمس سنوات.
وتختلف ضمانات البطاريات والسيارات بحسب الشركة والطراز والسوق، لذلك لا نضع في نموذجنا مبلغًا لاستبدال البطارية خلال خمس سنوات و100 ألف كيلومتر، باعتبار أن الاستبدال ليس عملية صيانة دورية متوقعة خلال هذه المدة.
لكن ذلك لا يعني أن البطارية لا تؤثر ماليًا؛ فحالتها وقدرتها المتبقية ومدة الضمان قد تصبح عناصر مهمة عندما يحاول المالك بيع السيارة لاحقًا.

”التأمين” رقم آخر لا يمكن تثبيته

تختلف أقساط التأمين باختلاف سعر السيارة والطراز وعمر السائق وسجل الحوادث ونوع التغطية وشركة التأمين، لذلك لا يمكن القول إن كل سيارة كهربائية أغلى في التأمين من نظيرتها التي تعمل بالبنزين.
وفي مايو 2025 أكدت هيئة الخدمات المالية عدم جواز رفض تأمين المركبات الكهربائية أو تجديده متى استوفت المركبة اشتراطات قانون المرور، وذلك بعد رصد حالات امتناع بعض الشركات عن توفير التغطية.
وفي يونيو 2026 ألزمت الهيئة شركات التأمين بألا تقل حصة اكتتاب المركبات الكهربائية عن 0.2% من إجمالي محفظة تأمين المركبات، وحددت 31 ديسمبر 2026 موعدًا للالتزام بذلك.
ولأغراض الحسبة فقط، سنفترض متوسطًا سنويًا يبلغ 300 ريال للكهربائية مقابل 250 ريالًا للبنزين، أي 1,500 و1,250 ريالًا خلال خمس سنوات.
وهذه أيضًا فرضية حسابية وليست تسعيرة رسمية؛ فإذا حصل المالك على تأمين بالسعر نفسه للسيارتين، ستتحسن نتيجة الكهربائية بنحو 250 ريالًا مقارنة بحسابنا.

”إعادة البيع“ الرقم الذي قد يقلب الحسبة

هنا تصبح المقارنة أقل يقينًا، إذ لا تتوفر حتى الآن بيانات محلية طويلة بما يكفي تسمح بإعطاء نسبة موحدة لقيمة إعادة بيع سيارة كهربائية بعد خمس سنوات مقارنة بسيارة بنزين من الفئة نفسها.
وتحدد هيئة الخدمات المالية نسب استهلاك للمركبات عند حساب تعويض “الخسارة الكلية” في وثائق التأمين، لكنها ليست أسعارًا لإعادة البيع في سوق السيارات المستعملة؛ لذلك لا يصح استخدامها دليلًا على السعر الذي سيحصل عليه المالك عند بيع سيارته.
ولهذا سنفترض فقط لاختبار الحسبة أن كلتا السيارتين تحتفظان بـ47% من سعر الشراء بعد خمس سنوات؛ أي 5,640 ريالًا للكهربائية و4,700 ريال للبنزين.
وهذه النسبة افتراض محايد وليست توقعًا لسوق السيارات المستعملة في عُمان، والغرض منها عزل أثر بقية التكاليف. وإذا كانت السيارة الكهربائية تفقد قيمتها أسرع من البنزين في الواقع، فقد تتغير النتيجة بالكامل.

بعد كل هذه الفواتير؛ من يتقدم؟

بحسب جميع الافتراضات السابقة، تصل كلفة امتلاك السيارة الكهربائية مع الشحن المنزلي خلال خمس سنوات إلى نحو 8,512 ريالًا: 12 ألف ريال لسعر الشراء، و252 ريالًا للكهرباء، و400 ريال للصيانة، و1,500 ريال للتأمين، ثم خصم قيمة إعادة البيع المفترضة البالغة 5,640 ريالًا.
أما سيارة البنزين فتصل كلفة امتلاكها في النموذج نفسه إلى نحو 8,884 ريالًا: 10 آلاف ريال للشراء، و1,534 ريالًا للوقود، و800 ريال للصيانة، و1,250 ريالًا للتأمين، ثم خصم 4,700 ريال قيمة إعادة البيع المفترضة.
وبذلك تتقدم السيارة الكهربائية في سيناريو الشحن المنزلي بنحو 372 ريالًا فقط خلال خمس سنوات.
لكن إذا اعتمد مالك السيارة الكهربائية كليًا على المحطات العامة، تتغير النتيجة؛ إذ ترتفع كلفة الملكية إلى نحو 9,160 ريالًا مع تعرفة 50 بيسة، و9,880 ريالًا مع تعرفة 90 بيسة، و10,420 ريالًا عند تعرفة 120 بيسة.
وبالمقارنة مع 8,884 ريالًا للبنزين، تصبح سيارة البنزين أوفر في السيناريوهات الثلاثة للشحن العام وفق الافتراضات التي اعتمدناها.

إذًا؛ هل الكهربائية أوفر؟

الحسبة تقول إن السيارة الكهربائية يمكن أن تكون أوفر في سلطنة عُمان، لكن ليس لمجرد أنها لا تستخدم البنزين.
تظهر أفضلية التشغيل بوضوح عندما يتوافر الشحن المنزلي منخفض الكلفة، لكن جزءًا كبيرًا من هذا التوفير قد يختفي بسبب ارتفاع سعر الشراء أو التأمين، وقد ينقلب كليًا إذا كانت قيمة إعادة البيع أقل من سيارة البنزين.
أما المالك الذي يعتمد بكثافة على الشحن العام، فسيجد أن فارق الطاقة الذي يمنح الكهربائية أفضلية كبيرة في المنزل يتضاءل، وقد يصبح البنزين أوفر في نموذج الخمس سنوات.
والخلاصة الأهم: السيارة الكهربائية لا تفوز تلقائيًا، طريقة الشحن وسعر الشراء وقيمة إعادة البيع هي التي تحدد الفائز، فهل نحن أمام بداية تحوّل حقيقي في سوق السيارات العُماني نحو الكهرباء، أم أن وفورات التشغيل وحدها لا تكفي لقلب كفة البنزين؟

شارك هذا الخبر