رسائل سقراط الحديثة

رسائل سقراط الحديثة
Atheer - أثير

رسائل سقراط الحديثة

” الجبال أمثالي لا تذيع قصصها للساكنين في السفح “

 

محمد الهادي الجزيري

 

” فاز باللذة الجسور ” صدق الشاعر وطوبى لمنيرة الصالحي بصيدها الوفير، طوبى لها فقد تجرّأت على ” شيخ الأرض ” فيلسوف مدينة قفصة التونسية وسقراطها، استدرجته إلى لعبة التراسل والتواصل الإنساني الإبداعي طيلة سنتي 1997 و1998 قبل أن يجرأ عليه الموت بعد أن كشفت هشاشة قلبه ورهافة روحه الكاتبة الجسورة.

هكذا أفتتح تفاعلي مع كتاب ” رسائلي مع سقراط قفصة ” ، حطّ بين يديّ كأبهى هديّة ممكنة لعائد من جراح الشرق وغيمات بغداد، وجدتني متورّطا كأروع ما يكون التورّط في متن أدبي رفيع، ضاجّ بنثر عال وبوح سام ولعب  أخاذّ بالمفردات والمعاني، متن منخرط في أدب التراسل الذي انعدم تماما أو يكاد، وقد كان لي خير جليس في مطلع رمضان الكريم …

 

يضمّ الكتاب ستّة وتسعين نصّا في أشكال رسائل من منيرة الصالحي وردود سقراط قفصة عليها ، والمدهش في الأمر أنّ لقاء يتيما وخاطفا جمعهما في ملتقى للقصة القصيرة، وكان كافيا لاستسلام الكبير عبد الحميد الزاهي لرغبة الكاتبة في التواصل معه عبر الرسائل ، بل إنّ ردوده المنتظمة تؤكّد تفشّي نفس الرغبة فيه وما يهمّني ككلّ قارئ انتهازيّ أنّ النتيجة التي بين يديّ أكثر من رائعة ، نصوص طافحة بعشق روحي ووجد معرفيّ مع إيغال في حقول العاطفة وأدغال الفكر وأحراش النفس البشريّة ، تلك المتشعبّة أبدا…

 

ثمّة سمة تميّز الرسائل المدرجة في الكتاب، وهي الرومانسية العالية ، فكأنّنا في حضرة كائنين من أثير ، يحلّقان معا عاليا وبعيدا ، ويجذّفان نحو أغوار الإنسان والطبيعة دون الالتفات للآن وهنا ولحرائق كثيرة مندلعة في المكان والزمان، هذا الكتاب بمثابة لجوء الغريب إلى الغريب واستنجاد الأنثى بحكمة الشيخ المعتكف، يتابع القارئ من الرسالة الأولى إلى الردّ الأخير المدّ والجزر الذيْن تخلّلا هذه العلاقة الروحية الفكرية الأدبيّة ، ثمّة لحظات للانسياب وأخرى للانغلاق وربّما العتاب، ثمّة تفاصيل كثيرة ليست غريبة عمّا يطرأ على علاقة كلّ عاشقين، وما منيرة وشيخ الأرض بعاشقين، إن هو إلاّ احتضان الجبل للزهرة واستجارة الزهرة بهيبته…

 

” شقيّة هي خطاكِ مثل خطاي في الوادي المقدّس للنفس ، وسعيدان غريبان نحن أنا وأنت في جحيم الكلمات ونعيم اللفتات “

هذا بعض ما صدح به الشيخ الفيلسوف في ردّه على إحدى الرسائل ، بعد أن عاين فداحة الجرح الوجودي لدى مراسلته ذات القلم الرهيف ، أحيانا كحدّ السكين وأحيانا مثل أكمام الزهرة ، ويمكن القول إنّ منيرة الصالحي أنقذت القليل من هذا الهرم الثقافي التونسي الذي سحر كلّما نطق في مهرجان أو ندوة أو لقاء حميم، لكن وللأسف الشديد ” ضاع كلّ ذلك السحر ولم يتبقّ منه للأجيال التي لم تعاصره سوى هذا القليل الذي جمعته لنا منيرة الصالحي في هذا السفر*”

 

ختاما أترككم مع دفقة من وهج الكاتبة الجسورة التي أقنعت صديق الفلاسفة الوجوديين في ستينات القرن الماضي وجليس جون بول سارتر بحفظ بعض معرفته ونفسه في حوار غير مسبوق ، علما أنّه لم يترك مكتوبا واحدا طوال حياته المديدة….

” … لا تغضب إن غبت عنك فأنا ما رمت إلاّ تخفيف ألمي عن وجعك الثقيل، عدت وكلّي شوق أن أنهمر فيك… فأحضر كؤوسك “

*********************************************

 

*من مقدّمة الكتاب التي تصدّى لها الروائي ابراهيم درغوثي

 

شارك هذا الخبر