أنا أيضا.. لا تؤاخذوني

تستعيد سعدية مفرح كلمات سميح القاسم لتدافع عن كتابة الشاعر لذاته، وترفض حصر القصيدة في وظيفة وطنية أو اجتماعية، مع مقارنة مساراته بمحمود درويش وتوفيق زياد.

أنا أيضا.. لا تؤاخذوني
Atheer - أثير

أنا أيضا.. لا تؤاخذوني!

سعدية مفرح

 

“قصيدتي بالنسبة لي أهم شيء في الدنيا، إذا قلت غير هذا الكلام فسأكون دجالا ومهرجا، على شاكلة أنا أكتب من أجل الشعب ومن أجل الوطن، هذا كلام فارغ، أنا أكتب بالدرجة الأولى من أجلي ومن أجل سيكولوجيتي، من أجل أن أحافظ على عقلي وعلى توازني، أكتب لكي لا أُجنّ ولكي لا أنتحر. لا أحب جملا مثل “أفنى عمره في خدمة القصيدة”، أنا أفنيت عمري في خدمة القصيدة، ويبدو أن هذه القصيدة هامة للشعب والوطن، لكن: القصيدة أولا، ومن دون هذا، أشك في أن ينجح أديب أو شاعر أو فنان إذا لم يكن يملك ما أسميه أنا شيئا من الرهبنة، الراهب أو الراهبة يسلمان نفسيهما لله، الشاعر يجب أن يسلم نفسه للقصيدة… لا تؤاخذوني”!

التصريح أعلاه ليس لي لكن بإمكاني التوقيع عليه  فهو يمثلني تماما، ولعله يمثل الشعراء كلهم من يعترف بذلك ومن لم يعترف أيضا.

التصريح موقع باسم الشاعر الراحل سميح القاسم، وأظنها واحدة من لحظات الصدق المحض بعيدا عن خيال الشعراء وتصوراتهم المثالية والجمالية في خضم الكتابة والقول.

 

مضت سنوات وأنا أشعر بالذنب عندما أفكر بقصيدتي باعتبارها خاصتي وحدي وعالمي الذي لا يشاركني فيه أحد، لم أكتبها لأجل هدف نبيل ولا مقصد سامٍ. لم أضع في حسباني وأن أفرغ روحي على الورق على شكل كلمات وصور ومعان أنني سأخدم هذه القضية أو تلك. كنت أكتب شعراً وحسب، تعبيرا عن حالتي التي لا تترجم إلا بواسطة القصيدة. لم أكن أهتم حتى بنشرها إلا في مرحلة لاحقة من كتابتها، وبالتالي لم أكن لأهتم كثيرا بتلقي الآخرين لها ولا حتى ردود أفعالهم تجاهها، الإيجابية والسلبية،  إلا باعتبارها منجزا خالصا وشبه منتهٍ بالنسبة لي. لذلك لم أكن لأستسيغ تلك الأسئلة التي يوجهها كثيرون بحسن نية عما كتبته عن القضية الفلانية أو غيرها. ليس تعاليا مني عليها ولكن سمواً بتعريفي للشعر ككل.

 

لا ينبغي أن يكون للشعر تعريفا محددا يخرجه من فضائه المفتوح ليدخله في قفص الوظيفة. وإذا كان بعضهم، وخصوصا في الماضي، يضع للقصيدة وظيفة يتقنها الشاعر وبقدر إتقانه لها ترتفع أسهمه في مجتمعه وترتفع أسهم قصيدته في مجتمعها، فقد آن الأوان لتتخلص القصيدة من ذلك العبء الثقيل الذي تحملته قروناً طويلة. وآن الأوان للشاعر كي يكتب نفسه وحسب بلا اعتبارات مسبقة، وآن للشعارات الوطنية والإنسانية والفكرية والاجتماعية أن تبحث لها عن وسيلة أخرى غير القصيدة كي ترتفع من خلالها.

 

نعم.. بالضبط كما قال سميح القاسم الذي حاول النقاد تقييد قصيدته الحرة بقيود وطنية ونضالية لمجرد أنه عبر عن ذاته الإنسانية والشعرية كفلسطيني، ولمجرد أن فلسطين جزء أساسي في التكوين الإنساني لأي شاعر عربي فما بالك بشاعر فلسطيني؟

لقد توارت شخصية سميح القاسم الشعرية البديعة لسنوات طويلة تحت الوطأة الثقيلة للقضية الوطنية وتبعاتها الصارخة قبل أن ينتبه ويتدارك الأمر وينقذ قصيدته، تماما كما فعلها قبله محمود درويش، الضلع الثاني في مثلث قصيدة النضال الفلسطيني، أما ثالثما توفيق زياد فلا يبدو أنه تجرأ على ذلك، فقد بقي بلغة سميح راهبا لقضيته من دون أن يستسلم للقصيدة!

كثيرون من الشعراء فضلوا خيار توفيق زياد طبعاً.. لكنني لست منهم، فقد أسلمت نفسي لقصيدتي.. ووقعت على كلمات سميح القاسم بكامل إرادتي؛ لا تؤاخذوني!

شارك هذا الخبر