عشيقات النذل
شهادة الإبداع في وجه البشاعة
محمد الهادي الجزيري
كان لا بدّ لكمال الرياحي من مواصلة إدانته للقبح بأشكاله المتعدّدة، لم يشف غليله متنه القصصيّ والروائيّ المنجز، فلاذ بالسرد من جديد وكانت رواية ” عشيقات النذل “.
قسّم الكاتب خطيئته الفنيّة إلى لوحات عديدة، قصيرة نسبيّا ومحكمة التخطيط والحبكة، فتمكّن بالتالي من التحكّم في تفاصيل ” الحياة المتخيّلة ” ومن إنجاز عمل سرديّ فيه الكثير من الاتقان والحرفيّة والعبث الجميل بالقارئ ، فتفادى مزالق شتّى، من ضمنها النزعة الخطابيّة التأديبيّة المهيمنة على العديد من التجارب الروائية التونسية والعربيّة، كما نأى بقلمه عن كتابة رواية مسكّنة ، خفيفة ظريفة تريح أعصاب القارئ قبل أن ينام آمنا مطمئنا، فلا أمن ولا اطمئنان في هذا المتن الروائيّ الذي لم يقترفه الكاتب إلاّ لتعرية قاع المدينة وكشف كواليسها وفضح أنذال جشعين وفئات اجتماعيّة موبوءة ونخبة فاسدة تتقن الادّعاء وتمتهن السير على الحبال والمراوغة والسفسطة وخاصة تبرير خياناتها وجرائمها وجوعها الأبديّ للحم الإنسان المعروض تحت الراية الوطنيّة المرفرفة في معترك الرياح….
المحرّك الرئيس للسرد في ” عشيقات النذل ” كاتب ناجح ، تلقى رواياته رواجا كبيرا ، يعيش اضطرابات نفسيّة عنيفة ويسقط تدريجيّا في قبضة الهلوسة والكوابيس، كما تمسك شخصيات أخرى بخيوط الحكاية، من ضمنها زوجته وابنته وصديقه اليهوديّ وزمرة من المخبرين وبائعات الهوى ، ممّا يوفّر لذّة الحكي والتلقّي معا، ويوّرط القارئ في شرنقة سرديّة ، تنسجها الشخصيات والانفصام ومشيئة الحبكة التي خطّط لها كمال الرياحي بصبر شديد وإتقان لا ريب فيه ….
” لم أعد أدير شيئا.تركض بي الأيّام كعربة بلا فرامل،وتطوّح بي الريح كطائرة ورقيّة أفلتتها يد طفل “
لعلّ أجمل ما في الرواية تجسيد الضياع الذي تتخبّط فيه الشخصيات مع التحكّم التامّ في اللعبة السرديّة التي تزداد تشعّبا من لوحة إلى أخرى، وهل الإبداع ليس إلاّ القدرة على الإلمام بحالة الفوضى والتململ والارتباك والتجاذب العنيف دون إصابة العمل الفنّي بالحالات والأمراض والعاهات التي يعالجها، فالكتابة عن ضياع الناس والقيم لا تكون بنصوص مضطربة ومتلعثمة، تاهت في الرداءة والضحالة أو وقعت في التقريريّة الجوفاء، هذا ما نجح فيه كمال الرياحي وانتصر بالتالي للشرط الإبداعي الضروريّ لكلّ كتابة ترنو إلى التميّز والإضافة ….
” اجلس كأنّك تقف، ظهرك يملأ ظهر الكرسيّ ورأسك إلى الأعلى قليلا.ضع رجلك اليمنى على اليسرى وليس العكس.هذّب الشعرة النافرة بحاجبك الأيمن. قلّم أظافرك باستمرار. تفقّد زجاج نظّاراتك قبل أن تلتقي أحدا.لا تترك العمّال يرونك وأنت تأكل.عليهم أن يعتقدوا أنّك لا تأكل ولا تشرب ولا تدخل الحمّام.كلّ ذلك يجعلك تسيطر على الوضع ويعطيك بريستيجا.”
غايات كثيرة تضجّ بها رواية ” عشيقات النذل ” منها مثلا تخليد أماكن وفضاءات تجمع
” النخبة ” وتقع في سرّة المدينة تحت ثوبها الضيّق ، ومنها كذلك تفكيك آلة الفساد وفضح البشاعة بأشكالها المختلفة من العهر الفكريّ والجسديّ إلى المحسوبية واللعب بمصائر الناس إلى السقوط المريع لجملة المثل العليا ، وقد كان لا بدّ من نتوء اللغة أحيانا في طيّات هذا المتن الروائيّ ، لتبيين فداحة الوضع الاجتماعيّ والتفسّخ العام الذي طال كلّ شيء وكلّ جميل وحيّ ….
ختاما لا يسهو كمال الرياحي وهو يشرّح جثّة مجتمعه عن التأفّف من الكتابة والإشارة إلى ما قد تجنيه على المتورّط فيها، فكم من كاتب ضيّع حياته وأهمل أبهى الكائنات المحيطة به في سعيه المحموم إلى ترك بصمته وتخليد إبداعه واسمه في محيط من غبار وأميّة ولا مبالاة وجحود كذلك….
” كيف ستهتمّ بي؟ كيف ستشعر بي؟…….
اكتبْ،اكتب المزيد من القصص.اكتب حتّى تدمى أصابعك.أطلق شعرك وأطلق لحيتك واكتب. كلّما أهملت نفسك أصبحت أفضل وأشهر….”