الوردة ملء الليل …الشعر دون اللجوء والصراخ

الوردة ملء الليل …الشعر دون اللجوء والصراخ
الوردة ملء الليل …الشعر دون اللجوء والصراخ

محمد الهادي الجزيري

وأنا أبحث عن شيء ما ، يردّ لي شهية الحياة ورغبة في الكتابة والخلق ، عثرت على كناب مركون في المكتبة ، اسمه الوردة ملء الليل ، أهدني شاعر كان شابا آنذاك منذ أكثر من عشر سنوات، وفي حمّى مشاغلي ركنت الهديّة في رفوف مكتبتي ونسيت الأمر برمّته، ولكنّ قدرا جميلا وضع يدي على الكتاب، ودفعني إلى تصفّحه وقراءة بعض النصوص الشعرية المدرجة فيه، فكانت المفاجأة الرائعة التي سنحت لي بالإطلاع على متن إبداعي متماسك وطافح بالصور المدهشة والمعاني الرهيفة والإشراقات النفسية الباهرة، وجدتني متورّطا في قراءة مجموعة من القصائد النثرية المخلصة أشدّ الإخلاص لجنسها الشعريّ ومنخرطة بذكاء استثنائي في شعريّة مبهجة ومؤلمة في الآن نفسه، لنقرأ معا هذا النصّ الأوّل للشاعر رضا العبيدي:

” أكتبُ

عندما أجلس كيتيم لأجمع صوري من برك المياه

عندما أجهش بالبكاء على أعوامي التي تكسّرت تحت حوافر الغول

عندما لا أجد يدا أمنحها الوردة التي تعالت ملء الليل

عندما لا أملك إلاّ أن أعود إلى الوراء لأنّ الأمام ليس سوى البحر

عندما أتآكل من أثر المطر كجدار

عندما أكون مهجورا ككرسيّ متحرّك ـ مات صاحبه المقعد حسرة على حيويّته الضائعة

عندما أكون كرُكْنٍ منسيّ نبتت له مخالب من شدّة الوحدة

عندما تتساقط أوراق شجيرات حديقتي كدموع

عندما يوضع بيتي في زاوية منعزلة

وتقوم الأرض بدوراتها المعتادة من دونه.”

هذا نصّ إبداعيّ ، يقترح علينا شعريّة جديدة، قاطعة مع المباشرتيّة والخطابة والجعجعة اللفظية، والنظم الركيك المفتعل الذي ما يزال العديد من شعرائنا مصرّين على رجمنا به وحصر الشعرية فيه، أعتقد أنّ الشاعر رضا العبيدي، هدته موهبته إلى كتابة الألم دون اللجوء إلى الصراخ، وهذا شرط أساسيّ للكتابة الإبداعية عموما ولاقتراف فنّ الشعر العظيم، كيف نسميّ الحزن والحيرة والضياع والحنين وغيرها من الحرائق بأسمائها الشعرية؟، وكيف نخلق من الجرح وردة؟، هذا سؤال المبدع الحقيقيّ لنفسه كلّما اختلى ببياض الورقة، لابدّ أن يعي مبدعونا أنّ المعاني جميعها تجمعنا ولكنّ الإبداع مسألة شخصيّة، ثمّ إنّ الكتابة عن حزن ذاتيّ أو حتّى أقدس القضايا الإنسانية لا تشفع لنا لدى القارئ إن خلت نصوصنا من سمة الإبداع والخلق والإضافة، فأحزاننا الشخصيّة والجماعية ليست معابر للشعريّة، كما أنّ القصيدة ليست الحمار القصير الذي نركبه بدعوى أنّنا حزانى مثلا، أو ثوّار أو مناضلون مؤمنون بالإنسان ومنتصرون له، يا أصدقائي الكتّاب أينما كنتم، لا يكفي أن نكون شرفاء لنكون شعراء، وهذه حقيقة مرّة ولا شكّ، لكنّها الحقيقة التي لا بدّ من إدراكها لنشتغل أكثر على نصوصنا وقصائدنا، فلا يكفي وقوفنا في صفّ قيم الحبّ والعدل والجمال، لنقنع شعريّا وإبداعيّا، كما أنّ أسماءنا كبيرة كانت أو صغيرة، هي آخر ما يهمّ القارئ والناقد والمتلقي عموما، لنعد مرّة أخرى إلى هذا الشاعر الذي أسعدني بما استخرجه من حزنه وغربته في ثلوج الشمال:

” كلّ نجمة من نجوم السماء

نقطة حارقة أضعها على الحرف

كلّ حرف من الحروف مفصل من مفاصل عظامي

يسمح لي بالحركة

ويؤلمني إذا مشيت طويلا

أو قفزت من مكان شاهق

كلّ عظم من عظامي عمود

من أعمدة البيت الذي بلا سقف .”

هذا وجع شفيف وتلبّس باللغة إلى حدّ تجسّدها في الجسد الكاتب، وهذا هو المطلوب حسب وجهة نظري، كفانا تعاملا سطحيّا مع الأبجديّة وترصيفا لها وحشرها في قوالب تعبيريّة جاهزة، لننصت إلى أعماقنا أكثر ولنتبع اللغة إنّها كائن حيّ ، ذكيّ وبصير ، كائن يستحقّ منّا مزيدا من الثقة والاحترام

 

شارك هذا الخبر