جمهوريّة سعيدة
يرسم المقال جمهوريّة عائلية صغيرة تتصدرها سعيدة، ويستعيد الراوي ابتعاده السابق قبل أن يختار مساندة أسرته والتعمق في المعرفة وحب الإنسان.
جمهوريّة سعيدة
محمد الهادي الجزيري
تقع “جمهوريّة سعيدة ” في حضن مدينة تونس العتيقة ، تحدّها دولة تونس الشقيقة من كلّ جانب، وتظلّلها قباب وصوامع وتباركها كلّ فجر وغروب أسراب طيور بريئة من كلّ دم ، يتألّف شعبها من أربعة ذكور طيّبين نسبيّا ومن رئيسة لا كرسيّ لها ولا أوسمة ، لا حرس ولا امتيازات ، اسمها سعيدة ولها في القلب كنيات كثيرة منها : المجاهدة ، أمّ أبنائي الثلاثة ، حبيبتي، ضحيّة الشاعر، ربّة الصبر والعناد، كابحة جموح المجنون، غافرة الحماقات ، القصيدة المعطّرة بالأمومة والتوابل والغيرة، وغير ذلك من الشعر اليوميّ الخاص بي أنا، أنا المواطن المحظوظ المنتمي إلى جمهوريتها الصغيرة كخاتم الحبّ والكبيرة مثل قلبها الذي اتّخذني ابنا رابعا إلى جانب المواطنين الثلاثة الذين صغناهم معا …
قديما كانت لي هويّات كثيرة ، منها : ” الشاعر التونسي ” و ” الذكر العربيّ ” و المدمن العاصميّ ” انتميت إلى مستوطنات المقاهي والحانات وأدمنت الصعلكة في مستعمرات الضياع صحبة أشباه يدّعون الوصل بالقصيدة والحضارة والثقافة ، لكنّي ابن أمّي التي قالت قبل رحيلها ” ما فمّاش شكون يدخل سوق ويبات فيه ” أي لا أحد يدخل سوقا ويبيت فيها ، أعترف أنّني أوغلت في سوق النميمة والفراغ وبلغت تخوم الهلاك المبين، صدّقت لفترة طويلة أنّ الشعر هدمٌ لكلّ شيء سواه ، كأن أكتب قصيدة جميلة وأخرّب عشّا دافئا، أو أن أدعو إلى مناصرة المضطهدين في الأرض وأبذّر يوميّا مالا ووقتا وطاقة في طاولات تتّخذ من الورق المقدّس لفائف للمخلّلات وثمرات العَرق الإنسانيّ ، تلك التي يعرضها عليّ المضطهدون في الأرض، وأنا أحلّق في أعالي الوهم والدروشة الشعريّة، لا كتاب في يدي ولا قصيدة في دمي،لا علم لي بما يحدث لكائناتي البديعة ولا بما ينبت في حقول الشعراء والأدباء المرابطين في رحاب المعرفة والإبداع .. المتدفّقين في شرايين الحياة .
ليس هذا فقط، ما حفّزني على الهبوب إلى جمهوريّة سعيدة، بل ثمّة دوافع أخرى، من ضمنها ما يسمّى بالحقد الوطنيّ المتفشّي في أرجاء الساحة الأدبيّة التونسيّة، حقد مجانيّ يتطوّع لنشره في القلوب والنفوس قطيع من العاطلين عن الحياة ، الكافرين بالمواهب المنتفخين بغازات السوائل الرخيصة ، قطيع من المحدّقين في وجه كلّ نجاح وفي جيب كلّ ضيف وفي صدر رفيقة رفيقهم، وحتّى أكون منصفا لهم ، أذكر أنّهم يتصفّحون صفحات الوفيات في الجرائد الوطنيّة لكي لا يفوّتوا حضور موكب تأبين كلّ من يسقط من حزن وتعب ، فكلّ مأتم وليمة وكلّ رثاء بمعلوم وكلّ ” كاشي ” يُصبّ في أرصدة خفيّة وكؤوس تجهل ما حرّمه جدّي العظيم أبو نواس على اللئام:
” أجلّ عن اللئيم الكأس حتّى // كأنّ الخمر تُعصر من عظامي “.
أخصّ بالذكر السادة النقّاد المختصين في التهام أبي القاسم الشابي ، ذاك الطفل الذي عانى الويلات من أسلافهم فاختار قلبه الرحيل بعيدا عن مكرهم ونفاقهم ، وما يزال أبناؤهم وأحفادهم يقترفون أفظع الجرائم في حقّ الإبداع ، ببرودة دم استثنائية ينفخون الدمى ويعطّرون الجثث ويصدّرون إخوانهم في واجهة الإعلام ، لم يكلّوا من خنق الطاقات ولم يملّوا الجثوم في حلقات النميمة وأركان التآمر على كلّ مبدع حيّ، أمّا الميّت فلا، إذ يمسي الصديق والأخ والرفيق إلى أن يأتوا على كلّ ما نزفه طوال هوانه بينهم ، علما أنّهم يستثمرون حتّى خربشاته ومسودّاته التي ركنها جانبا وتفادى نشرها إيمانا منه بأنّها محاولات فاشلة ، كبوات تحدث لكلّ جواد أصيل…، يا لهم من دواعش أدبيّة ويا لحزن النصّ على تورّطه في ذكرهم ….
لي في جمهوريّة سعيدة ولاية ( محافظة ) في حجم غرفة حميمة ، تقع أقصى يسار قاعة الشعب، ولي غايتان في ما تبقّى من حياتي :
ــ أن أكرم رئيستي الحبيبة وأساند مواطنيها الثلاثة وإن كانوا ذكورا يستبطنون تاريخ الفحولة العربيّة ، إذ يشفع لهم احترامهم وحبّهم للأنثى الرئيسة ، أمّهم البيولوجيّة الروحيّة وأمّي الشعريّة التي دخلت بيتي وهي طفلة بهيّة…
ــ أن أوغل أكثر في المعرفة حتّى يفحمني جهلي تماما وأزداد تواضعا وحرصا على تشرّب العلم بكلّ خليّة فيّ، وأنا هنا في ولايتي المطلّة على سطوح المدينة العتيقة، أعانق قصيدتي وأبثّها حبّي للإنسان ….