أيّها القساة .. رفقا بالكاتب العربيّ
محمد الهادي الجزيري
الكاتب الفلاني مبدع كبير ، لكنّه مقلّ، هذا ما دأب على اجتراره عديد النقاد والمتابعين للمشهد الأدبي التونسي والعربي ككلّ، يردّدون هذه الجملة الغريبة العجيبة بشتّى الطرق والأشكال، وفي كلّ منبر يبركون عليه، ولم يشر أحد من هؤلاء المتخمين نوما والمدمنين على جميع وسائل الراحة والرفاهة والكسل والخمول، لم يشر أحدهم إلى الوضع السريالي الذي يتخبّط فيه أغلب الكتّاب العرب من الملح إلى الجرح، لم يقترح أحد هؤلاء الأمناء على الأدب العربي توسيم كلّ مواطن عربي يجد القدرة على رفع القلم في زمن الهول وضيق الحال والقول…
أعرف العديد من المبدعين في تونس والوطن العربي ممّن استقالوا من وجع الكتابة وخيّروا مصارعة رغيف الخبز وقارورة الغاز على تحبير أوراق ونشرها في الريح، إنّ ما يعانيه الأديب العربي أكبر من أن تضمّه مقالة، ومع ذلك لابدّ لي من ترك شهادتي على هذا الخور قبل فراري إلى قبر أوسع ولا شكّ من الفضاء الثقافي والأدبي العربي، أنا لا أنكر أنّ عالم الكتابة تراتبيّ ككلّ مجال آخر من مجالات الحياة الكثيرة، ولكنّي أصرّ على التذكير بضرورة توفير الأرضية المناسبة لكلّ موهبة إبداعية كبيرة، وبي إيمان لا لبس فيه ، خلاصته أنّ التجارب الأدبية العظيمة التي فرضت نفسها وتجذّرت داخل دائرة الأضواء والشهرة، توفّرت لأصحابها السياقات الملائمة وصادفتهم رياح مواتية ودعّمتهم أقدار وظروف ومناخات اجتماعية وسياسية ..وتفاصيل حانية وعطوفة ومتحالفة معهم.
قال محمود المسعدي ” إنّ الأدب مأساة أو لا يكون “، وقد تصدّى لتفسير هذه المقولة صعاليك لهم هيئات أدباء وشعراء خاصة، صعاليك ينظّرون للبأس والتشرّد والتسوّل والخصاصة، فحوّلوا وجهة مقولته إلى غير مقصدها، فالمأساة التي أشار إليها أديبنا الكبير هي محنة الوجود وقلق الإقامة على ظهر هذا الكوكب التائه بين المجرّات، وليس العيش بين مخالب الحاجة وتحت ضغط الفقر وفوق نار الكراء وفواتير الحياة الكثيرة، نعم أنا من الداعيين إلى رفع تكاليف العيش عن المبدع وإلى تفرّغه التام للكتابة والخلق ، ولكنّ هذه الدعوة هي للجهد الإبداعي والكدّ المعرفي ولا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالمنظّرين للبطالة والكسل والعيش على حساب الندامى والمجتمع ككلّ .
أعتقد أنّ تجربة عظيمة مثل تجربة محمود درويش مثلا، ما كان لها أن تولد من ذاته المبدعة، لولا توفّر أسباب كثيرة منها الاجتماعي والنضالي والسياسي والسياق التاريخي خاصة، وللتوضيح فقط، لست بصدد التشكيك في فداحة الموهبة الدرويشية ولكنّي صراحة أشير إلى ما لا يحصى من المواهب الصافية التي تمّ تجفيفها وما تزال عمليّة التجفيف متواصلة في نسق حثيث وعلى مرأى اللئام والأيتام، لنضرب مثلا على ما أقول، ونقارن بين مبدعيّن عربييْن يختلفان كليّا في ظروفهما الحياتية اليومية ، الأوّل يصحو متأخّرا نسبيّا،ويفتتح يومه بباقة الصحف وفنجان القهوة وابتسامة من يقوم بخدمته في جنّته البعيدة عن الغوغاء ووجع الرأس، يتصفّح الجرائد ويرتشف القهوة ، ثمّ يقرأ ما تيسّر من الإبداع الإنساني، إلى أن يجد في نفسه هوى وميلا لكتابة فكرة جديدة، فما عليه سوى أن يستهلّ الحفر في حقول اللغة وغياهب الذات ، فليس له من هاجس آخر سوى الكتابة ولا مواعيد له مع التزامات الحياة البغيضة، أمّا الثاني، موظّفا بسيطا كان أو مديرا عظيما، فعليه أن ينهض باكرا ويسلّم نفسه للآخرين ، من نسمّيهم عادة أفراد المجتمع المدني، فيبدّد مجبورا طاقته الذهنية والجسدية في مسائل بعيدة عن حدائق الإبداع، بُعد الشيخ الخرف عن حبيبته الأولى القاتلة المشتهاة…، خلاصة القول أيها القساة : رفقا بالأديب العربي ، لا تحمّلوه ما لا طاقة له به، ففاقد الشيء لا يعطيه…
فاقد الصفاء الذهني والوقت اللازم للقراءة والكتابة … لا ينتج غير القليل ، وهذا منّ منه على هذا الخراب العظيم، هذا إن لم يكن أغلب ما يصدر عنه ليس سوى صراخ وصياح وعويل أدبي احتجاجا على الورطة التي وقع فيها …، قصّوا جناحيه وقالوا له : طرْ…، وهذه هي القسوة بعينها …بل بعينيها .