الحدثكيف تستطيع المصرفية الإسلامية مواجهة التحديات والتغلب عليها؟
ناقش المقال في 2015 عقبات المصارف الإسلامية، ومنها محاكاة المنتجات التقليدية، ومتطلبات السيولة، وضعف الوعي والكفاءات، وصغر حجم البنوك، واقترح البحث والتأهيل والتنسيق.
*مصطفى بن ناصر الناعبي
متخصص في الصيرفة والتمويل الإسلامي
بالرغم من وجود المؤسسات المالية الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أنها لم تجد الاهتمام الكبير الذي وجدته على أعقاب الأزمة المالية العالمية التي هزت كبريات شركات المال العالمية منذ الربع الأخير من 2007، والتي كانت في قوتها تماثل أزمة الكساد العظيم عام1929م، وهذه الأزمة أسهمت بدورها في تسليط الضوء بشكل مركز على الآليات والطرق التي تستخدمها هذه المؤسسات في استثمار هذه الأموال، مع أن الفكر الشائع أنه لا يمكن أن تقوم قائمة لأي مؤسسة مالية لا تتعامل بالفائدة (الربا)، والمؤسسات المالية الإسلامية التي تمثل المصارف الإسلامية إحدى ركائزها أثبتت للعالم أجمع عكس ذلك، بل وخرجت هذه المصارف من هذه الأزمة بأقل خسائر ممكنة، فحسب المؤشرات العالمية والمؤسسات المتخصصة كصندوق النقد الدولي وميريل لينش ومؤشرات داو جونز الإسلامية فإن مؤسسات التمويل الإسلامي كانت الأقل تأثرًا بالأزمة المالية،وفي هذا يقول وزير المالية البريطاني في مؤتمر المصرفية الإسلامية الذي عقد في لندن عام2009 م ، “إن المصرفية الإسلامية تعلمنا كيف يجب أن تكون عليه المصرفية العالمية”.
ولأن الصناعة المالية الإسلامية ما تزال وليدة مقارنة بعمر النظام المصرفي التقليدي الذي يتجاوز عمره الخمسة قرون، فلا بد أن يعترضها الكثير من الصعوبات والعقبات، ولعل أبرز التحديات التي إلى الآن ما زالت تمثل مصدر قلق لكل المهتمين هو عدم القدرة على الخروج من عباءة النظام المصرفي التقليدي في المنتجات، ومحاولة أسلمة – إن صح التعبير- تلك المنتجات بمختلف السبل، وهذا يمثل تحديا كبيرا، إذ إن منتجات النظام المصرفي التقليدي صممت لتتلاءم مع معطيات وفكر ذلك النظام دون أن تسعى إلى غيره،وكل تلك المنتجات هي عبارة عن تراكم خبرات وغربلة أزمات مر بها ذلكم النظام، وهنا لا ندعو إلى عدم الاستفادة من تراكم تلكم الخبرات، بل من الخطأ تجاهلها، لكن على المصرفية الإسلامية أن تخرج ما لديها من مكنون علمي – متمثلا في فقه المعاملات- متراكم على مر الزمان وتستفيد من خبرات الأمم الأخرى والنظم الأخرى لكن بدون أن تمس بالأسس والقواعد.
ومن التحديات أن على المصارف الإسلامية أن تسعى جاهدة إلى أن توائم بين النظام القائم وطبيعتها التي تحتم عليها أن تعمل بآلية مختلفة، وعلى البنوك المركزية هنا أن تدرك وتتقبل هذا الاختلاف، لأن أغلب الدراسات تشير إلى أن البنوك المركزية مازالت تعامل المصارف الإسلامية بنفس الأسس التي تعامل بها البنوك التقليدية من متطلبات واشتراطات لا سيما في حالة نقص السيولة، وقلة المعروض من منتجات في حالة الفائض وغيرها، وهنا على المصارف الإسلامية أن تسعى جاهدة إلى إنشاء وتقوية سوق ما بين البنوك، وأيضا المصارف الإسلامية في كثير من الأحيان محرومة من العائد على الودائع الموجودة لدى البنوك المركزية بسبب أن الأخيرة لا توجد لديها تعاملات شرعية، وإنما تعطي على تلك الودائع فوائد (ربا)، والتي لا يمكن للمصارف الإسلامية أن تقبلها. وهناك تحديات أيضا تتمثل في قلة الوعي لدى أفراد المجتمع بالفروق الجوهرية في التعاملات بين النظامين المصرفيين، ناهيك عن عدم المعرفة بالمنتجات الشرعية التي تمثل صميم عمل المصارف الإسلامية، وفي أحيان أخرى يتحمل العاملون في هذه المصارف جزءا من المسؤولية إذ إنهم لا يوصلون المعلومة بالشكل الصحيح أو يتم التطبيق بغير الصورة الشرعية السليمة للمعاملة.
كما أن نقص الكادر المتخصص وصاحب الخبرة في مجال الصيرفة الإسلامية يلعب دورا بارزا في التحديات التي تواجهها المصارف الإسلامية، فلا يكون أمامها إلا الكادر القادم من البنوك التقليدية، والذي يأتي إلى المصارف الإسلامية بحسن نية، لكن الخلفية التقليدية تكون بارزة وحاضرة لديه، فلا يستطيع بسرعة التكيف مع الوضع الجديد، أو الفصل بين النظامين لأنه يبقى في ذهنه كل الأسس والمبادئ التي تعلمها ومارسها بالنظام التقليدي، وهذا وللأسف الشديد أحيانا يؤثر حتى في صنع القرار، وبالتالي يؤثر على مسيرة عمل المصرفية الإسلامية، ويعمق الخلط بين الناس بأنه لا يوجد فرق بين النظامين، وأنه مجرد تغيير في التسميات أو ما شابه ذلك.
كما أن حجم البنوك الإسلامية لا يزال صغيرا مقارنة بالبنوك التقليدية، فأكبر بنك إسلامي مازال يُعد أصغر بمئة مرة من كبريات البنوك التقليدية، فمثلا يذكر الكاتب الفرنسي بروكيه في كتابه التمويل الإسلامي والمترجم من الفرنسية “إذا قارنا متوسط حجم الأصول لعشرة بنوك كبيرة تقليدية ومثلها من المصارف الإسلامية، نلحظ أن متوسط الميزانية للبنوك الإسلامية العشرة يقارب 15مليار دولار، بينما متوسط ميزانية البنوك التقليدية العشرة يقارب 2400مليار دولار.
فعلى المصارف الإسلامية أن تسعى جاهدة، وأن تنسق فيما بينها للوصول إلى أفضل النتائج باستغلال أفضل الموجود، وأن يكون في أولى الأوليات لديها أن تكون معاملاتها سليمة شرعا صورة ومضمونا، كما أن على البنوك المركزية ألا تضيق الخناق على المصارف الإسلامية، وأن تتفهم أن عملها ليس مجرد تمويل، وأن يكون لها نظامها الخاص في بياناتها المالية، وفي تعاملاتها وهذا ما تأتي به وتحث عليه المؤسسات التي تعنى بالمالية الإسلامية في مؤتمراتها واجتماعاتها، كما أن على المصارف الإسلامية أن تدعم مراكز البحث والدراسات التي من شأنها أن تحل لها مشاكلها، وأن تسهم في الدراسات التي تبحث في منتجات جديدة، أو أساليب تمويل أكثر كفاءة والتصاقا بالمفهوم الشرعي؛ فنقص الكادر لا يعوض بالحل السريع بل لا بد له من حل مدروس وجذري وهو أن تسعى هذه المؤسسات إلى اختيار وابتعاث الطلاب سواء في المرحلة الجامعية الأولى أو حتى مرحلة الماجستير والدكتوراة، و تحت إشراف المؤسسات المالية الإسلامية بان يختاروا التخصصات التي تخدم عمل هذه المصارف، وهنا لا بد للطالب أن يزاوج بين العلم الشرعي المتمثل في علم المعاملات وعلم المقاصد الشرعية مع علم المحاسبة والتدقيق والتحليل المالي والاقتصاد ونحوه، فهنا سيخرج جيل قادر على التكييف بين متطلبات السوق وفق الضوابط والأسس الشرعية في المنتجات وآليات العمل والتطبيق، ويقع جزء من هذا الدور أيضا على مؤسسات التعليم العالي بأن توجد تخصصات تخدم هذا المجال.