أثير- المكّرم د. إسماعيل الأغبري
الحرية ليست من باب الكماليات وليست من الترف والترفيه وليست فقط من باب الترويح عن مكنونات النفس والتنفيس عما في الصدور.
الحرية أمر ضروري كضرورة الماء والغذاء والدواء والكساء ومثلما لا يصح حجب الماء والغذاء عن الإنسان فكذلك لا يصح حجب حريته أو تقييد إرادته .
لكن علينا أيضا أن نتنبه أن الإسراف في الكساء والماء والغذاء والدواء قد يؤدي إلى نتائج عكسية صحية واقتصادية على ذات الإنسان ومحيطه، فكذلك مجاوزة الحد في الحرية قد تؤدي إلى ضرر بذات الإنسان من حيث المعتقد، وقد يؤدي الإفراط فيها إلى أضرار أخلاقية كما يؤدي مجاورة الحد فيها إلى الإضرار بالدولة مهوى الفؤاد ومرتع الصبا.
الشيء إذا زاد عن حده انقلب ضده، المبالغة في الكساء يصير خيلاء وكبرياء والمبالغة في تناول عقاقير الدواء للشفاء يتحول إلى داء ووباء، والمبالغة في الأكل يؤدي إلى التخمة، فالمعدة بيت الداء.
المبالغة في الحرية قد تؤدي إلى التفلت من رباط العقيدة وجامع الوطن والعدوان على رموزه الوطنية السياسية والثقافية والتطاول على شخصيات لها الوزن والقدر بسوء القول النابي.
الإسلام كفل حريات الناس، فلا إكراه في الدين مبدأ ساد عصر النبي محمد، إذ لم يحز بسيفه رقبة من سكن معه في المدينة من غير المسلمين مع أنه القوي القادر الغالب.
وسيف النبي محمد كان مغمدا في المدينة إلا على من نقض الاتفاقيات وغدروا ومالوا إلى التحاكم إلى القوة فهنا كان آخر العلاج الكي.
سيف النبي كان مغمدا ولم يفصل رأسا عن جسد في مكة وهو الفاتح الغالب القاهر بل قال : (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
عمر بن الخطاب الخليفة الموصوف بالراشد العادل دخل فلسطين وفيها النصارى فلم يحز رأسا ولم يكره أحدا على الإسلام بل وقع العهدة العمرية ورضى به المسيحيون، بل امتنع من الصلاة في الكنيسة مخافة أن يأتي مسلمون فينتزعون الكنيسة من النصارى بحجة أنها صارت مسجدا بصلاة عمر بن الخطاب رئيس دولتهم وقدوتهم.
بقيت كنيستا المهد والقيامة في فلسطين حتى ساعتنا هذه وبقي نصارى فلسطين حتى يومنا هذا لم يمسسهم سيف عمر ولا درته بسوء.
امتدت دولة الصلت بن مالك الخروصي العماني إلى بقاع شتى ومنها جزيرة سقطرى، وكان بها المسلمون من مختلف الطوائف وبها أقلية نصرانية تربطها بالمسلمين عهود ومواثيق، فلها حرية العبادة ولهم دينهم فلا عدوان عليهم ما لم يعتد النصارى على دستور الأمة العمانية، ولذلك بقوا على دينهم مع أن دولة الإمام الصلت لها الأمر والنهي والحل والعقد والوعد والوعيد والصولة والجولة. لكن لما نقض بعض النصارى العهد وقتلوا والي الصلت رد عدوانهم حفاظا على نسيج الدولة ووحدة الأرض وسلامة الرعية وتبيانا لهيبة الدولة.
الحرية السياسية مكفولة أيضا بالنقد البناء مع الإنصاف في مسألتيّ الإيجابيات والسلبيات.
النقد البناء بدوافع الصلاح والتنبيه على الخطأ أمر مرغوب فيه، مكفول ولكن دون تشريح إنسان بعينه ولا تجريح شخص بسوء لفظ وقبح قول مع حضور الدليل عند النقد أو الاتهام.
الناقد البصير يعين بذلك الدولة ويسهم في البناء والتنمية، فهناك نقد محمود شرعه الإسلام واعتبر الساكت عنه شيطانا أخرسا، وهناك نقد مذموم جعل حكمه انتقاض الوضوء لأن هدفه إيقاظ فتنة وتشويه صورة وضرب مؤسسة أو رأس دولة لتحقيق مطامع أو جلب هرج ومرج في دولة من الدول.
ليس هناك من حرية مطلقة بدليل أن كافة الدول بما في ذلك أمريكا والغرب لها قوانين ومواد وتشريعات، وحقيقة الأمر أن القوانين هي قيود وحد من الحريات، قوانين اجتماعية وقوانين سياسية وقوانين تجارية ومن تجاوزها ليس حرا بل عليه العقاب.
في الغرب الحر هناك قيود وحد من الحرية، فهناك أماكن محظور فيها شرب الخمور وأماكن ممنوع فيها اصطحاب الكلاب وأماكن ممنوع فيها التعري وهناك أماكن جائز فيها ذلك حسب قوانينهم، فالخلاصة ليس هناك حرية مطلقة لكن هناك حريات متفاوتة.
أمريكا وتمثال الحرية واقف منتصب لا يسمح فيها بإنشاء حزب شيوعي، لأن أمريكا أم الرأسمالية والشيوعية تريد تقويض الرأسمالية فمن الطبيعي لا يمكن السماح بما يشكل خطرا على الرأسمالية.
ومن فلا يمكن الزعم بالحرية وفي المكتوب دعوة إلى فصل جزء من دولة مثلا عن الام، وليس من الحرية التأليب على الدولة أو الوطن، وليس من الحرية طلب مدد من مواطني دولة من دولة أخرى، فهذا خطأ في مفهوم الحرية والتي وقع فيها أناس في عالمنا الإسلامي فهدموا بيوتهم بأيديهم وخربوا أوطانهم بل طلبوا إدخال بلدانهم من الناتو بضرب بلدانهم وطلبوا من الأمم المتحدة إدخال بلدانهم في أو تحت الفصل السابع.
تعرف الحر من خلال إنصافه في النقد، فإن تحقق إيجابي ذكره وأشاد به وكشف عنه، وإن تأكد من خلل انتقده ولكن للبناء وليس للتهييج والتجييش.
لو كانت الحرية بلا قيد لما جاز وضع إشارات المرور على الشوارع، ولو صارت الحرية مطلقة بطل وضع اللوائح الإرشادية وتقرير حدود السرعة وتنظيم طريق السير.
الحرية لا تعني التجديف في الدين أو إنكار معلوم منه بالضرورة خاصة، إن كان نشأ عليه وهو دين أبيه وأمه ودين الدولة التي نص دستورها عليه.
الحرية لا تعني التهجم على الأنبياء والرسل، فهو ذاته لا يرتضي الطعن في أبيه أو التلويح بأمه، بل قد يرتكب مجزرة أو يفتعل مقتلة انتصارا لأبيه وأمه، ولا يعد التعرض لهما من باب الحرية فكيف إذن تكون حرية في التعرض لنبي ورسول.
الحرية لا تعني الإطاحة بثوابت دولة ما ولا التحريش ولا التجييش عليها لأنها صارت مقدسة بالفطرة ومحرما العدوان عليها حتى من بنيها بقوانينها، وعلى بنيها احترام قوانينها ونظامها.
في المملكة المتحدة حرية مكفولة لكن يبقى للنظام الملكي حرمته واحترامه، وفي أمريكا الحرية مكفولة ولكن للنظام الجمهوري احترامه وحرمته.
حريتك تنتهي إذا بات رأيك يقتحم حدود وحقوق الآخرين.
الحرية كالهواء ضرورة، فهي أكسجين الحياة ورئة التنفس، لكن عددا ممن في بلاد العرب لم يعِ معنى الحرية، حاول كالطاووس أن يقلد فيطير فسقط، فتكسر.
باسم الحرية دخل عالمنا في مضيق مظلم، حروب وفتن وتدمير وتخريب واستقواء بالخارج ودعوة للخارج من أجل دخول عالم العرب.
باسم الحرية انطلق الناس إلى الشوارع، فما عاد هناك شارع ولا مدرسة ولا بيت ولا اقتصاد ولا أمن ولا استقرار ولا تنمية ولا بناء ولا تعليم ولا دولة قائمة للأسف.
باسم الحرية ماتت الحرية لأن تلك البلدان خرجت بعض نفوسها إلى الشارع، فجاءتها زحوف وأجناس بيض وسود وحمر من كل حدب وصوب، وامتلأت تلك البلدان بمختلف الجنسيات، فيا ترى من دعا إلى ما يسمى بالحرية؟ هل هو اليوم قادر على أن يتنفس غير أزيز الطائرات ودوي المدافع وأصوات الرصاص ورائحة الموت؟
كم يتغنى أناس يزعمون طلب الحرية في بلادهم، يتغنون ببلاد تخنق كل ثابت ومتحرك فيها.
كم يتغنى أناس ويدعون طلب الحرية في بلادهم وهم يمتدحون بل يسبحون بحمد دول، ويقدسون لها ولو كانوا فيها أو انتقلوا إليها لغيّبتهم تلك الدول في غيابت الجب أو كانت السجون ملاذهم لمجرد كلمة بسيطة؟
إن الحرية لا تعني كسر كل قانون وتجاوز كل مرسوم والعدوان على ثوابت الدولة والدين، بل احترام الثابت مع نقد المتغير ولكن بأدب جم واحترام كبير.
عندما بدأ ما يسمى بالربيع قال قوم نريد حرية وكرامة وإذ بهم يطلبون الشرق والغرب، العرب والعجم لدخول بلادهم فهل تنعموا اليوم بالحرية والكرامة؟ ومن غرائب دعاة الحرية أنهم استنجدوا بدول عربية وغير عربية لا تعرف الحرية.
صيانة مقدرات الأمة ضرورة والحفاظ على الدولة واجب وعدم المساس بالتجانس السياسي والاجتماعي أمر حتمي.





