أثير-جميلة العبري
اليوم، لم يعد السؤال في بلادنا كيف يمكن للمواطن العماني أن يمتلك منزلًا؟ بل أصبح السؤال إلى أي مدى يستطيع المواطن تحمّل كلفة امتلاك منزله الخاص على المدى الطويل؟ فالمشهد السكني اليوم المرتبط بالتمليك لا تحكمه الرغبة في الاستقرار وحدها، بل أيضًا أسعار الأراضي، ومدد القروض، ونمط المشاريع الجديدة التي تدفع تدريجيًا نحو حلول سكنية أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على نموذج “البيت المنفصل على أرض مستقلة”.
القروض السكنية.. تمكين يتوسع والتزام يطول
مؤخرًا شهدنا توسع وتنوع التمويل السكني في السلطنة، واتضح ذلك عبر البيانات المعلن عنها، حيث تم تخصيص مبلغ وقدره مليار و 900 مليون ريال عماني لتغطية طلبات القروض السكنية لـ (61) ألف أسرة عبر برنامج “إسكان” للتمويل من بنك الإسكان العماني.
كما تشير البيانات إلى أن إجمالي المساعدات السكنية التي تم منحها خلال الفترة (2021–2025) بلغ 185 مليون ريال عماني استفادت منها 6662 أسرة.
وأن إجمالي عدد الأسر المستفيدة من الخيارات الإسكانية خلال الفترة (2021–2025) بلغ 129,189 أسرة، توزعت بواقع:
686 أسرة في 2021، و42,706 أسرة في 2022، و36,513 أسرة في 2023، و 30,507 أسرة في 2024م، و18,777 أسرة في 2025، بينما بلغت نسبة الأراضي السكنية المعمرة خلال الفترة ذاتها (2021- 2025) حوالي 25% فقط.
اليوم لم يعد القرض حلًا قصير الأجل؛ إذ تمتد بعض المنتجات التمويلية السكنية في السوق إلى 25 سنة، ما يجعل التملك السكني مرتبطًا فعليًا بجزء كبير من العمر المهني للفرد، ويحوّل المنزل من أصل اجتماعي مرغوب إلى التزام مالي طويل يحتاج إلى دخل مستقر وقدرة عالية على التحمل.
العامل الذي يرفع الكلفة بصمت
في أحدث المؤشرات، قد ارتفع الرقم القياسي لأسعار العقارات في سلطنة عُمان بنحو 13.9% على أساس سنوي، ووفق النشرة الإحصائية الشهرية الصادرة في فبراير 2026 عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات فقد ارتفعت أسعار الأراضي التجارية بنحو 18.8%، وفي يناير 2026م بلغت إجمالي القيمة المتداولة للعقار نحو 235.8 مليون ريال عُماني.
وهذه المؤشرات لا تعني فقط نشاطًا عقاريًا أعلى، بل توضح أيضًا أن تكلفة الأرض نفسها تتحرك صعودًا، وهو ما ينعكس مباشرة على قيمة القرض، والدفعة المقدمة، ومدة السداد.
وعلى مستوى أوسع، كشف وزير الإسكان والتخطيط العمراني في أبريل 2025 أن إجمالي التصرفات العقارية بين 2021 و2024 تجاوز 10 مليارات ريال عُماني، وهو رقم يعكس اتساع السوق، لكنه يعكس أيضًا ازدياد دخول السكن في منطق السوق والاستثمار، لا كونه مجرد خدمة اجتماعية فقط.
المشاريع الإسكانية الجديدة “خيارات سكنية”
اللافت أن التوجه الحكومي لم يعد قائمًا فقط على منح الأرض، بل على توسيع خيارات التمكين السكني، فبحسب البيانات، تم توزيع 69,963 قطعة أرض ووحدة سكنية خلال الفترة 2021–2024 عبر برامج مثل: اختر أرضك، واقتن أرضك، وخطط أرضك، والأحياء والمخططات السكنية المتكاملة.
كما بلغ عدد المشاريع المنفذة والجاري تنفيذها في مشاريع ومخططات الأحياء السكنية المتكاملة (صروح) 20 مشروعًا موزعًا على مختلف ولايات سلطنة عمان، بإجمالي عدد وحدات بلغ 10,871 وحدة سكنية، فيما بلغت نسبة المبيعات من الوحدات المطروحة في المرحلة الأولى نحو 65%.
كما أشار التوجه إلى وجود 5 مدن مستقبلية و22 مشروعًا للأحياء والمخططات السكنية المتكاملة تستهدف الوصول إلى 30 مشروعًا خلال 2025، مع قيمة استثمارية لمشاريع الأحياء والمخططات المتكاملة تبلغ نحو 500 مليون ريال عماني.
ويعد هذا التحول مهمًا؛ لأنه يعني أن الدولة تتحرك من نموذج “الأرض أولًا” إلى نموذج “الحل السكني المتكامل”، وهو ما يفتح الباب أمام الشقق، والأحياء المخططة، والتملك داخل مشاريع تطويرية، بدل ربط الاستقرار السكني دائمًا بامتلاك قطعة أرض مستقلة وبناء منزل فردي عليها.
من يمتلك السكن؟ وماذا عن امتلاك الأرض؟
فيما يخص السكن، يظل أحدث رقم رسمي واسع التداول أن 91% من الأسر العُمانية تمتلك مسكنًا، أما بالنسبة إلى امتلاك الأرض تحديدًا، فتشير البيانات إلى أن إجمالي الأراضي السكنية التي تم منحها خلال الفترة (2010–2020) بلغ نحو 345 ألف قطعة أرض سكنية، منها 31% للرجال (107 ألف قطعة) و69% للنساء (238 ألف قطعة).
كما تشير البيانات إلى أن نسبة الأراضي السكنية المعمّرة تبلغ نحو 7% فقط خلال تلك الفترة، في مقابل بقاء نسبة كبيرة من الأراضي دون تطوير فعلي.
وهنا تظهر المفارقة لافتة، فرغم الارتفاع الكبير في نسبة تملك السكن، فإن النقاش الحالي لم يعد عن “هل يملك الناس مساكنهم؟” بل عن كلفة الحفاظ على هذا الامتلاك واستدامته في ظل سوق عقاري أكثر ارتفاعًا، وتمويل أطول، ونموذج سكني يتغير.
التوجه الجديد : من منح الأرض إلى إدارة السكن
من المؤشرات المهمة أيضًا أن الوزارة باتت تربط برامجها الجديدة بفكرة الجاهزية للبناء وجودة الحياة، لا مجرد منح الأرض، حيث تشير البيانات إلى أن نسبة الأراضي غير المستغلة تصل إلى نحو 50% من الأراضي الموزعة، وهو ما يعكس تحديًا في تحويل المنح إلى سكن فعلي.
وفي هذا السياق، كانت الحكومة قد حرصت منذ بدايات النهضة المباركة على ضمان استقرار المواطن وتوفير حياة كريمة له، حيث تم العمل بنظام منح الأراضي السكنية وفق المرسوم السلطاني رقم (125/2008)، الذي أتاح المنح للأفراد وفق ضوابط تراعي العدالة والمساواة.
ورغم إيجابيات هذا التوجه، إلا أنه واجه تحديات، أبرزها:
• زيادة عدد الطلبات الفردية على الأراضي السكنية لتتجاوز 447 ألف طلب
• توزيع الأراضي في مواقع بعيدة وغير مخدومة
• منح الأراضي دون ارتباط بالحاجة الفعلية
• تشتت التخطيط العمراني وارتفاع تكلفة إيصال الخدمات
في المقابل، أسهمت التغييرات الجديدة في سياسة المنح في:
• تقليص قوائم الانتظار
• تعزيز العدالة الاجتماعية في التوزيع
• تقليل استنزاف الأراضي
• رفع كفاءة التخطيط العمراني
• تحسين كفاءة تقديم الخدمات الإسكانية
كما أسهمت في تقليل الفجوة الزمنية بين تقديم الطلب والحصول على الدعم، وتوفير خيارات متعددة دون انتظار، ورفع جودة المشاريع، وتسريع إنجاز المعاملات، وتحسين تجربة المستفيدين ورفع مستوى رضاهم.
هل تتغير فكرة “امتلاك المنزل”؟
الأرجح أن الفكرة لا تختفي، لكنها تتبدل، فامتلاك المنزل في السلطنة ما زال هدفًا اجتماعيًا قويًا، لكن الطريق إليه أصبح أكثر تعقيدًا (أرض أعلى سعرًا، وتمويل أطول عمرًا، وسوق أكثر ارتباطًا بالتطوير العقاري والمشاريع المتكاملة).
لذلك، قد لا يكون التحول القادم من “التملك” إلى “عدم التملك”، بل من: بيت منفصل إلى سكن ضمن مشروع مخطط حق مباشر إلى قرار اقتصادي طويل الأجل.
وختامًا نشير إلى أن ما يحدث اليوم قد لا يشير إلى تراجع أهمية السكن، بل إلى تغير معناه الاقتصادي، فكلما ارتفعت قيمة الأرض، وطالت مدة القرض، واتجهت السياسات نحو المشاريع المتكاملة، أصبح السؤال أقل ارتباطًا بـ”حق السكن” وأكثر ارتباطًا بـ”كلفة هذا الحق”، فنسبة 50% من الأراضي الممنوحة لا تزال غير مستغلة، رغم وجود طلب متزايد على السكن، ما يعكس فجوة بين التمكين والتعمير الفعلي؛ وبالتالي، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تعيد فقط تشكيل سوق العقار، بل قد تعيد أيضًا تعريف الحلم السكني نفسه لدى الجيل الجديد في بلادنا.
المصادر




