
تتلصصُ بقعة الضوء التي انتشرت في جيوبِ عقولنا بالأمس كل طقطقة إصبع شاءت أن تكون أول ما يكتب بعد ذاك الزخم المعرفي و الأدبي الذي اكتسحنا بحُبٍّ حد الغرق ، في ثاني أماسي الملتقى النثري المقامُ في جامعة السلطان قابوس ، من أيادٍ لم ترتبط بالأدب برابطة الدم فقط ، بل تضخمت لتشكل بينهما علاقة روحية لا منتمية إلا للسماوات و الأرض و البحر. كانت عينُ الباحثة القديرة ابتسام الحجرية منبثقة من روح كل من أراد أن يبوح بفوضاه في مساحة النظام الذي وُضع منذ عقودٍ طويلة و الذي محق شرعية كل من خرج عن إطاره ، حيث عارضت كل متشبث يرى أن الأجناس هي بؤبؤ اللذة الكتابية وأوضحت أن التجديد له أحقيته في النمو و التواتر ، فتقول في ذلك ” كون الأشياء تخرج من العدم إلى الوجود فهذا الشيء يعطيها شرعيتها “. و هذا يفتح بصيرتنا على أن المعارضين لقضية النثر المفتوح قد يكون السبب الرئيس لاختلافهم مع النص الجديد هو الفارق التكويني للولادات الأدبية ، و قصر يد ثقافة الإلمام بما تم معارضته و إدراك فلسفته الأولى . و من بعدها تحدثت الباحثة عن شعلة النثر المفتوح في الأدب العربي و هي : قصيدة النثر ، و ما لاقته من زحفٍ وجودي عن الأجناس الأدبية حتى وقتنا الحالي فانبثق من هذا المنظور تعريفها بـ ” القصيدة اللامنتمية ” . إلا أنها رغم ذلك الإشكال أوضحت للمستمعين جمالية الخيال الذي تتمتع به و سحقها لإطار التعقيدات الشكلية . فاعتبرت الأجناس ثانوية الوجود و أن الحقيقة الأولى للنص الأدبي هو مقدار ما يحمله من بعد روحي و معرفي ،مدللة على ذلك بفقد الاحساس بالكلمة في بعض النصوص المترجمة نتيجة المغالطة اللفظية و عدم الإلمام الروحي بذاتية النص. و أخيرًا إلى المولودات من العوالم الوهمية في الشبكة العنكبوتية ( تويتر ، الفيسبوك ، المدونات ، ألخ…) ، حيث شددت على ضرورية التعايش معها ، لما لها من أهمية كبرى في ارتفاع معدل بريقها الواقعي. فقد شهد العالم نظير التطور السريع الذي يعيشه ، ابداعات لغوية و قيمة حقيقية للأدب يخطها المواطن الكوني و يتناغم في موسيقاه بلا جسدٍ مصلوب ، فنراه مشاركًا في انبثاق “النص الأم ” كما اطلقت عليه الباحثة من رحم عاطفة لن يفهمها ناقد سبق عصر كاتبيه. و من بعدها ، قادتنا الباحثة المتألقة عزيزة الطائية إلى حيث يكون الحصاد وفيرًا ،ثريًا ،لا يكتفي عند أول غرس ، حيث تتعاظم في نفس من وقع حديثها على أذنه ، لهفة التقصي و البحث في المفاهيم التي طوقت عُنق القصة القصيرة جدًا . و هي القصة التي تناسجت مع الأقصودة بشكل يعطي للألوان طلة أبهى كما في قصص سيف الرحبي و صالح العامري على سبيل الذكر . و كان من الخطأ ما ورد على ألسنة الكثير أن كتابة القصة القصيرة جدًا هي من شيم الضُعفاء في الحرف ، أو أن تنسب كمعراج للرواية و سلمها الأول ، لأن لكل منهما له كيان مختلف عن الآخر و كاتب هذا الجنس الأدبي كان عليه أن يرتدي ثوبًا حذقًا ، مثقفًا ، يعيش في قلب معاناة المجتمع ، يمتلك سرعة البديهة و اللقطة الخاطفة. تعد القصة القصيرة جدًا من أكثر الأجناس عرضة للإشكاليات ، وأولها انصب على المصطلح و المفهوم الذي تنوع كثيرًا نسبة لعقلية و رؤية من يفسرها ،ثم إشكالية الأركان التي تميزت بها القصة القصيرة جدًا عن القصة القصيرة ذات الخصائص، و أخيرًا إشكالية التقانات و العناصر . و كان لا بد من أن يرفع شأن القصة القصيرة جدًا التي رأت النور الأول في عمان على يديّ عبدالله حبيب و علي الصوافي بعدم الحكم المسبق عليها بالكم أو الشاكلة الظاهرة ،أو حتى مجافاتها لحداثتها ، بل كان لزامًا كما ترى روح الباحثة الانغماس المفرط في قلب القصة القصيرة جدًا و البحث فيها عن تقانات حُرمت منها غيرها ، و أركان التزمت بتكوينها، لتخرق كل مألوف و معهودٍ في طيات القصص. و أخيرًا كان للحديثُ و الاطلاع على النماذج العمانية التي كتبت في القصص القصيرة جدًا منذ التسعينات و حتى السنة الحالية سيادة الموقف ، و عظمة التوقيت ، حتى يكون برهانًا لكل من رأى هذا الجنس على أنه جنس خاطف و وامض لا أكثر.
و هنا كان الختام للمتقى النثري المقام و الذي حقق كما يبدو الغاية الأولى له و هي انفتاح أذهان حاضريه على قضايا النثر المفتوح في الأدب العربي من أعينٍ اختلفت ألوانها فاجتمعت لتزهر معاً لوناً أحادياً ينصبُّ في قلبٍ لن ينسى .





