بدر العبري- كاتب عماني
بعدما قررت السّورة صفات الله المتجلية في الرّحمة والرّبوبيّة والعالميّة والملك، يلتفت بنا البيان من الغيبة إلى الخطاب، لتتجلى هذه الرّحمة والصّفات الإلهيّة في واقع البشر وحياتهم وسلوكهم.
وكما أنّ القرآن استخدم أسلوب الالتفات؛ استخدم أيضا أسلوب الحصر، فجملتي: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] في الأصل جملة فعليّة، وعند البلاغيين في الجملة الفعليّة يتقدّم المسند على المسند إليه، وهنا تقدّم المسند إليه (إياك) على المسند (نعبد ونستعين)، وهذا لغرض التّخصيص.
وبطبيعة الحال عندنا حكمان هنا العبادة والاستعانة، وقد سبق أن أشرنا إلى أنّ العبادة أعمّ من التّعبد، فالعبادة لها قسمان: عبادة مطلقة، وهو كلّ خير يخدم الإنسان، ويقدّم النّافع للبشريّة، فحياة الإنسان في بيته وسوقه وطرقه ومكان عمله، ما دام نافعا يدخل في العبادة، فهو لما يذهب إلى مكان عمله هو في عبادة.
وهنا نفهم درجة الأولويات في هذه العبادة أيضا، فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو دون ذلك، ومثاله أن يترك أداء عمله الواجب لأداء نافلة، فأداء العمل عبادة واجبة، والنّافلة عبادة في درجة أقل، فيقدّم الواجب على النّفل.
وأمّا القسم الثّاني فهي التّعبد بشعائر أو طقوس قد تكون غير ظاهرة معنى، وتشترك في كثير من الأحيان بين الأديان والملل في الاسم مع الخلاف في الطّريقة والهيئة كالصّلاة والصّوم والحج والزّكاة.
إلا أنّ التّعبد بهذه الطّقوس يكون لله وحده، ولا يشرك معه أحدا، ويظهر هذا واضحا من قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} الأنعام/ 162-163.
فهنا أشار الله إلى العبادة التّعبديّة المحضة [صَلَاتِي وَنُسُكِي]، والعبادة المطلقة [مَحْيَايَ] أي حياة الإنسان في الوجود، وجعلها لله وحده [لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ].
وربط ذلك بالخالق سبحانه وتعالى لحكمتين: الأولى حكمة التّجلي بالرّحمة والتّواضع وخدمة البشر وتحقيق الإصلاح والعدل في عمارة الأرض [مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ] البقرة/ 79.
والحكمة الثّانية: القضاء على الاستعلاء البشريّ، والاستكبار على الخلق، ومن ثم أكل خيرات النّاس، سواء كان باسم الملك أو الحاكميّة، أو باسم الأحبار والرّهبان، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} التّوبة/ 34.
لهذا كانت الحياة كلّها عبادة، وارتباط ذلك بالله وحده حتى لا يتأله أحد على أحد، ويتصور أنّ لديه وصاية على عباد الله، أو يجعل من أموات أو أحياء أوصياء وشركاء مع الله، يستغل اسمهم لأغراض مكانيّة أو ماليّة أو اجتماعيّة.
وكما أنّ العبادة المطلقة خاصة لله فأولى بذلك التّعبد المحض؛ لأنّه دورة للانطلاق في الحياة، فالمؤمن لما يقرأ في صلاته هذه الآية يستشعر أنّه واقف لله وحده، فلا يصلّي لرضاء أحد، من هنا يفتتح صلاته بـــ الله أكبر، كما يفتتح بذلك طوافه، وفي الرّواية: الطّواف صلاة، ليستشعر عظمة الله وحده.
ولهذا خصّ الله في آية الأنعام المتقدم ذكرها الصّلاة والنّسك؛ لأنّ الكثير من النّاس يشركون بالله فيهما، فإذا صلوا أمام النّاس أظهروا الخشوع، وإن صلّوا في بيوتهم نقروها كما ينقر الدّيك الحب، وهكذا في الذّبح يتظاهرون بالأغنياء وذوي الجاه، ويتباهون بذلك، ولو يُرمى غالب الأكل في العراء مقابل عشرات الجوعى والمساكين في الأرض!!!
وكما أنّ العبادة لله؛ فالاستعانة أيضا له وحده سبحانه وتعالى، فلا يستعان بغيره في التّوصل إليه، لا بأحياء ولا أموات، لا بملائكة ولا أنبياء ولا قديسين، لأنّ الله لا يحتاج إلى واسطة أحد، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة/ 186.
فهي من حيث المقصد خاصة به، ومن حيث الوسيلة فهي كالعبادة أيضا مفتوحة؛ لأنّها صنو العبادة، من هنا قرنها الله بالعبادة، واستخدم عطف الجمل للتّوكيد والتّأكيد.
فالاستعانة عامّة بالبحث في الحياة وأسبابها، وتسخير ذلك في خدمة الإنسان، فهو يستعين بكلّ ما بثه الله في الوجود لخدمة البشر، كما يستعين بالدّواء في العلاج، ووسائل النّقل في السّفر، واللّباس في التّزين، فتكون الغاية خدمة البشر، وبناء الأرض.
ولا يستعين بذلك للإفساد في الأرض، والتّكبر عليهم، والاستعلاء على النّاس؛ لأنّ الله وحده من بيده كلّ شيء، ولا يشاركه في ذلك أحد، والبشر مستخلفون في عمارة الأرض لبنائها وعمارتها، لا ليكونوا آلهة مع الله تعالى.
ولهذا خص الله تعالى العبادة والاستعانة بها مع سعتها لغة، وذلك ليتحقق العنصر الخدميّ من حيث السّعة، ويبقى الله وحده المقصود من حيث الأصل.





