
من الظواهر اللافتة في كل موسم خريف في محافظة ظفار ، مشاهدة شباب من مجتمعنا المحلي يبيعون حليب الابل على قارة الشوارع وبالقرب من الدوارات ، وحليب الابل قد أصبح يطلق عليه اسم // الذهب الابيض // لماذا ؟ ستأتي الاجابة عنه في سياقات المقال ، وهو لقب يفسر لنا ، القيمة المتعددة لحليب الابل ، والمتعدية للعالمية .
بينما هى في بلادنا ، ثروة مهدورة حتى الان ، لا يستفيد من حليبها الا القليل ، والقلة ، ويعكس حالها بيع الشباب حليب الابل في مثل تلكم الامكنة ، خريفيا ، لعدم وجود البديل امامهم ، وغالبا ،ما يتم توزيع الحليب مجانا على الناس .
ومنذ عام 2003 اصبحت الابل ، ثروة تؤرق الجهات الرسمية ، وتعتبرها عبئا ثقيلا ، تتمنى التخلص منها ، في وقت بدأ العالم يدرك الاهمية الاقتصادية والصحية لحليب الابل ، ويفتح مصانع متعددة تجاوز التطور فيها ، انتاج الحليب وصناعة منتجات متعددة منه ، الى صناعة الادوية ومستحضرات التجميل .
• تساؤلنا الاستراتيجي :
س: كيف تقدم غيرنا ، وتأخرنا عنه كثيرا وطويلا ؟ وحتى الان لم يعط لثروة الابل ما تستحقه رغم ما اصبحت تفتح الافاق لقيمتها الاقتصادية والصحية ، ورغم حاجة بلادنا الملحة لتنويع بنية اقتصادنا الوطني .
• الابل كمصدر للدخل الوطني .
في التجارب التي اطلعنا عليها ، سواء الاقليمية أو العالمية ، تظهر الابل ، كمصدر دخل وطني واجتماعي جديد ، وهو كذلك بالنسبة لبلادنا اذا ما تجهنا اليه من ثلاث رؤى مهمة :
الاولى ، مساهمة حليب الابل في امننا الغذائي ، بحيث اصبح يصنع منه الان منتجات متعددة ، تزخر بها الاسوق الخارجية ، وعالية الجودة ، وذات اقبال شرائي كبير ، مثل الحليب المبستر الطازج والجبن والزبادي ومسحوق حليب النوق المجفف ، وحتى المثلجات // الايس كريم // وكذلك منتجات العناية بالجلد وبالبشرة ، ووصل اهتمام منظمة الفاو الى تعميق بحثها حول علاج حليب الابل لكبرى الامراض في العالم .
والثانية ، كمصدر دخل مضمون ومستدام لخزينة الدولة ، بحيث تتوفر في ثروة الابل كل مقومات توسيع بنية الاقتصاد ، وهذا يتلاقى مع توجهات الدولة الراهنة التي تهدف الى تحرير الاقتصاد العماني من التبعية المطلقة أو شبه المطلقة للنفط بعد أن اصبح مصدرا غير مضمون وغير امن.
ولا يمكننا الرهان على النفط حتى لو استقرت اسعاره ، في ظل التوجه الاوروبي بان تكون عواصمه عام 2040 خالية من سيارات البترول حفاظا على البيئة ، وهذا يعني ان مادة النفط سواء نضبت أم لا ، فقد اصبحت ظروف بيئتها ، وكذلك الجهود العالمية تستهدف تعطيل مفعولها كمادة للاستهلاك ، ومن ثم كمصدر للدخل .
وحتى الغاز الطبيعي ، لا ينبغي الرهان عليه كبديل للنفط ، فما يجري للنفط ، سيجري على الغاز من تقلبات اسعاره ، ومن تأثيره على البيئة ، وهذه رؤية لا ينبغي أن تغيب عن استشرافتنا للمستقبل ، بالقياسات والمقارنات سالفة الذكر ، وفي ضوء ما سيشهد سوق الغاز من حرب محتملة في اسعاره .
• التساؤل التوضيحي :
س: هل الاستراتيجية العمانية 2040 ، قد اولت اهتماما مستحقا للابل على وجه الخصوص من منظور هذه الرؤية الثانية ؟
نعلم إنها قد ادرجت قطاع الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية ضمن القطاعات الخمس البديلة للنفط ، لكن حديثنا ينصب هنا عن ثروة الابل ، وقيادتها المركزية والمحورية في إحداث التحول الوطني .
والرؤية الثالثة ، رفع مستوى دخل مربي الابل ، ومن خلاله يمكن تحسين مستوى معيشتهم ، بدلا من وضعهم الحالي ، الذي أصبحت فيه الابل وسيلة افقارهم وليس غناهم ، فماذا نتوقع من عائد مالي من لجوء بيع حليب الابل على الشوارع ؟
لكنهم أي مربي الابل ، ورغم خسائرهم المتعددة والمتصاعدة ، والديون المترتبة عليهم ، لن يتخلوا عنها ، لاعتبارها مورثا ثقافيا ـ بل لعلاقتهم الوجودية بها ، فهل نساعد هذه الشريحة الاجتماعية ، وهي كبيرة ، على تحسين اوضاعها المالية وتغيير ثقافتها ؟ الفرصة متاحة الان للدولة والمجتمع ، فهل تستغلها كما يجب ؟
• ما وراء ظاهرة بيع الذهب الابيض على الشوارع .
هذه الظاهرة السنوية الخريفية ، تزيدنا قناعة بما نقوله دائما ، بان بلادنا غنية بالمقومات الاقتصادية التي يمكن ان تصنع نهضتها الجديدة دون النفط وحتى دون غاز ، وان بلادنا من بين قلائل الدول التي يمكن أن نستغني عنهما اذا ما عرفت كيف تحول مقوماتها الاقتصادية المتعددة الى صناعة ذات مردود اقتصادي مستدام .
مقومات اقتصادية حباها الله بها بلادنا ، لم تستغل حتى الان حتى في حدودها الدنيا ، الابل نموذجا ، ويمكننا ان نتوسع في النماذج ، ونضيف الابقار وكذلك اشجار النخيل والموز واللبان … فهذه مقومات اقتصادية ، يمكن ان تقام عليها صناعات ذات مردود اقتصادي مستدام ، هي الان معطلة ؟
لماذا ؟
التساؤل موجه للحكومة، خاصة للعقول التي تؤطر وتؤسس مستقبلنا الاقتصادي .
• مفارقة تدعم التساؤل .
رغم الجهد العلمي المشترك بين جامعة السلطان قابوس ونظيراتها الامارتية في اعداد دراسة علمية حول حليب الابل ، وعائده الاقتصادي والمالي عام 2003 ، الا أن بلادنا لم تستفد منها على عكس الاشقاء الذين سارعوا في اقامة مصنع خاص لإنتاج حليب الابل ومشتقاته .
س : وماذا كانت النتيجة حتى الان ؟
ظاهرة بيع حليب الابل على الشوارع في الخريف ، وتوزيعه بالمجان على الناس – من منظورنا الجهوي – مما حرمنا بلادنا من مصدر دخل في حينه ، وابقينا مربي الابل يعانون من ثقل الابل عليهم ماليا .
أما بالنسبة للأشقاء ، فقد تمكنوا بعد ثلاث سنوات من تلك الدراسة من انشاء مصنع خاص لانتاج حليب الابل ومشتقاته ، وبدأ منذ عام 2006، ينتج نحو 6000 لتر من الحليب يوميا ، يُباع نحو ثلثي إنتاج الحليب مباشرة للمستهلكين، بينما يحول ثلثه إلى مسحوق حليب. كما تُصنع شوكولاته خاصة من مسحوق حليب الإبل ، ويُرسل مسحوق الحليب إلى النمسا ليُصنع منه نحو 100 طن سنويا من الشوكولاته.
ووفق المصادر التي اطلعنا عليها ، قد حصل المصنع على موافقة المفوضية الأوروبية على إدراج أول دولة من دول الشرق الأوسط حصريا على لائحة الاتحاد الأوروبي رقم 605 لسنة 2010 التي تسمح لدول معتمدة بتصدير منتجات الألبان إلى دول الاتحاد الأوروبي.
وبهذا تؤكد المفوضية الأوروبية موافقتها على خطة سلامة حليب الإبل ومشتقاته المقدمة من قبل هذه الدولة واصفة تلك الخطة بانها متوافقة مع الاشتراطات والمعايير الصحية الغذائية المعتمدة من قبل الاتحاد الأوروبي.
وقد تجاوز هذا المحيط الاقليمي انتاج حليب الإبل ومشتقاته الى تطوير المنتجات وتقديم جديد الاستخدامات والانتقال الى مجال مستحضرات التجميل والأدوية وصناعة الغذاء.
س: وماذا عن بلادنا التي تتوفر فيها كميات كبيرة من الابل ؟
هنا تكمن المفارقة الكبرى ، فقد قررنا في العام نفسه (2003) الذي اتجهوا فيه لإنتاج حليب الابل ، وصناعة منتوجاته ، قررنا تقليص عدد الابل تحت دواعي المحافظة على المراعي .
ولم نقرر الاستفادة منها الا في يناير الماضي فقط ، عبر الاعلان عن انشاء شركة المروج للالبان في محافظة ظفار بعد مطالب اجتماعية منذ عدة عقود ، وننطلق الان من البداية ، والبداية المتأخرة جدا ، وفي وقت ينبغي أن نفصل بين حليب الابل وحليب الابقار ، كإقامة مصنعين مستقلين ، لمواكبة آخر ما يحدث اقليميا وعالميا .
• التساؤلات التأملية .
س: كيف بدأنا مع الاشقاء متناغمين في الجهد العلمي ، وتخلفنا عنهم في تطبيق توصياته العلمية ؟
س: كيف توجهوا نحو تحويل حليب الابل الى صناعة اقتصادية وتجارية وطبية، استغلالا وتنمية لثروة ابلهم منذ عام 2003 ، بينما تبنت الجهات الرسمية المختصة سياسية تقليص اعداد الابل عام 2003؟
ففي ذلك العام نفسه ، شكل اكتشاف نحو (75) الف راس ، قضية وطنية كبيرة ، بعد ما كانت التقديرات الرسمية تعتقد أنها لا تتجاوز (25) الفا فقط ، مما جعل من وزارة الزراعة والثروة السمكية ،،انذاك ،، تستنفر الاهتمامات الوطنية ، وتقتطع مبالغ كبيرة من خزينة الدولة على اقامة الندوات وتقليص اعداد الابل .
تأملوا معنا في عام (2003 ) ، كيف كانت انطلاقتهم ، وكيف كانت انطلاقتنا ؟ سعينا للتقليص من حجم الابل ، بينما هم قاموا عليها مصنعا عالميا يدار باحتراف مهني ، وبإدارة عالية المستوى ، وبتقنيات عالية الجودة ، واخر الاختراعات ؟
إذًا ، علتنا في الفكر المؤطر والمؤسس لمراحلنا المستقبلية ؟؟ فقد كان تقليديا ، ونمطيا ، واشتغل على المسير الاعتيادي ، حتى صدمتنا الازمة النفطية في منتصف عام 2014 ، ثم سارعنا الى عقد ورش فكرية عالية المستوى ، شغلت البلاد والعباد ، وكلفتنا الملايين ، لكن ، وهذا هو الاهم الان ، أين تطبيق توصياتها ؟ .
العلة لا تزال قائمة في الفكر نفسه ، وسنظل نراوح مكاننا ما دامت قائمة ، وهنا الخطورة ؟؟؟
• اقامة مصنع لإنتاج حليب الابل ومشتقاته .
ينبغي التسليم بوجود متغير جوهري ، لكنه محدود ، وقد نجده في مجال الامن الغذائي ، الذي أصبح تنظيراته تلامس مقومات معينة ، ينبغي الرهان عليها ، مع الاخذ بعين الاعتبار ملاحظاتنا التي تناولناها في عدة مقالات سابقة .
لكن ، في مجال الذهب الابيض ،، حليب الابل ،، الذي يأخذ اصطلاحه من لونه ومن قيمته الاقتصادية والصحية ، ينبغي التخصص فيه ، بحيث يكون مصنعه منفصلا ، وبإدارة مهنية متخصصة مستقلة ، وليس مصنعا واحد يعنى بجمع وتصنيع حليب الابل والابقار ، فبلادنا بحاجة فعلا الى مصنعين ، احدهما للابل والاخر للابقار ، فالثروة الحيوانية في بلادنا كثيرة العدد ، تقدر وفي احدث التقديرات (3،2) مليون رأس من الحيوانات الاقتصادية ، مقارنة بنحو (2،3) مليون رأس قبل عشرة اعوام ، مسجلة نسبة نمو بلغت (39%) ، هنا تظهر الحاجة الى مصنعين مستقلين ومتخصصين ، ادارة وانتاجا ،،.
تساؤل للمستقبل القريب :
س: متى سيأتي اليوم الذي نشاهد فيه أجبان وباودر حليب النوق في محلات المواد الغذائية تنافس نظيراتها الاجنبية ، وتغزو الاسواق الخارجية ؟ سيكون ذلك في حالة اختفاء ظاهرة بيع حليب الابل في الشوارع ، ووجد مصنع لتجميعها وبيعها ، وصناعة منتوجاتها ، وعندما نصل الى ذلك ، سنجد لنخيل جوز الهند مصنعا خاصا ، وللموز كذلك ، وللبان ايضا ، وسنتوسع في التفاؤل في كل القطاعات الخمس المرشحة لأن تكون البديلة للنفط ، لكن متى ؟





