الثروة التي تُعاد قراءتها: ماذا يحدث في قطاع المعادن العُماني؟

الثروة التي تُعاد قراءتها: ماذا يحدث في قطاع المعادن العُماني؟
قطاع المعادن
خاص - أثير
لم يعد قطاع التعدين في سلطنة عُمان مجرد نشاط اقتصادي يقوم على استخراج الخامات من باطن الأرض، بل بات خلال السنوات الأخيرة واحدًا من أكثر القطاعات ارتباطًا بإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني وتوسيع قاعدة التنويع.
فبين توسع مناطق الامتياز، وارتفاع مستويات الإنتاج، وظهور كيانات وطنية متخصصة في التسويق والتشغيل، يتشكل قطاع لا يمكن قراءته بوصفه نموًا كميًا فقط، بل باعتباره انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج اقتصادي جديد يقوم على “سلسلة القيمة” بدل الاكتفاء بالاستخراج الخام.
لكن هذا التحول يفتح سؤالًا أعمق من الأرقام ذاتها: هل نحن أمام إعادة تأسيس فعلية لقطاع المعادن، أم أمام مرحلة انتقالية ما تزال تُعيد ترتيب أدواتها وبنيتها؟
توسع محسوب في الامتيازات، وقطاع يتحرك بإيقاع مؤسسي جديد
تُظهر بيانات قطاع المعادن خلال عامي 2025 و2026 أن المشهد الاستثماري يشهد توسعًا واضحًا في مناطق الامتياز وعدد الشركات العاملة.
ففي عام 2026 وحده، بلغ عدد مناطق الامتياز المشغلة 28 منطقة، إلى جانب أربع مناطق إضافية طرحت للمزايدة وهي حاليًا في مرحلة تقييم العروض، فيما تعمل 14 شركة تشغيل في إدارة هذه المناطق. كما توجد ثلاثة مواقع عامة معروضة للمزايدة، مع خطة لطرح ستة مواقع إضافية خلال الفترة المقبلة، إلى جانب جاهزية ثلاثة مواقع أخرى للاستثمار بحلول نهاية عام 2026.
هذا التوسع لا يعكس فقط زيادة في النشاط الاستثماري، بل يشير إلى انتقال القطاع نحو إدارة أكثر تنظيمًا للموارد التعدينية، تقوم على توزيع الفرص وربطها بمنظومة امتثال وتشغيل أوسع.
65 مليون طن إنتاج: لكن من يربح فعليًا من هذه الكتلة المعدنية؟
على مستوى الأداء الفعلي، سجل قطاع المعادن في عام 2025 قيمة مبيعات تجاوزت 159 مليون ريال عماني، فيما بلغ إجمالي الإنتاج أكثر من 65 مليون طن، ووصلت المبيعات إلى نحو 60 مليون طن، في حين سجلت صادرات النحاس حوالي 95 ألف طن، وبلغت القيمة الاستثمارية للقطاع نحو 105 ملايين ريال عماني.
كما ارتفعت نسبة الرقمنة في الخدمات إلى 80% عبر منصة “طاقة”، في حين بلغت نسبة التعمين 24%، بما يعكس تحولًا متزايدًا في إدارة القطاع نحو النماذج الرقمية والتنظيم المؤسسي.
لكن القراءة التحليلية لهذه المؤشرات تكشف أن الجزء الأكبر من الإنتاج ما يزال يتمحور حول المعادن الصناعية منخفضة القيمة المضافة، وعلى رأسها مواد البناء التي تتجاوز وحدها 30.1 مليون طن، يليها الحجر الجيري بنحو 16.6 مليون طن، ثم الجبس بحوالي 14.5 مليون طن، بينما تبقى المعادن الفلزية مثل النحاس والكروم والسيليكا في نطاقات إنتاج أقل نسبيًا.
وهنا تظهر ملامح معادلة اقتصادية واضحة: قطاع يتوسع بسرعة في الحجم، لكنه لا يزال في طور إعادة توزيع القيمة داخل سلاسل الإنتاج.
لماذا تتصدر مواد البناء المشهد، وما الذي لا تقوله الأرقام مباشرة؟
تفسير هذا التوزيع الإنتاجي لا يرتبط بعامل واحد، بل بمجموعة من المحددات الهيكلية، أبرزها طبيعة الطلب المحلي المرتبط بقطاع البناء والتشييد، الذي يُعد أحد أكبر محركات الاقتصاد غير النفطي في سلطنة عمان.
كما أن القدرة الإنتاجية العالية للمحاجر والكسارات، إلى جانب الطلب الخارجي المتنامي على مواد البناء والجبس، يسهمان في ترسيخ هذا الاتجاه، وهو ما يفسر أيضًا المكانة المتقدمة التي تحتلها سلطنة عُمان عالميًا في تصدير الجبس.
وبحسب وكيل وزارة الطاقة والمعادن سعادة محسن بن حمد الحضرمي، فإن القاعدة الإنتاجية الأوسع في القطاع تتركز في الخامات الصناعية، وعلى رأسها مواد البناء، يليها الجبس، ثم الحجر الجيري، مؤكدًا أن هذا النمط يعكس طبيعة الاقتصاد المرتبط بالمشاريع الإنشائية والبنية الأساسية.
من سوق مفتوح إلى سوق مُدار؛ هل بدأت مرحلة “إعادة ضبط القيمة”؟
في أكثر من مناسبة، رسمت وزارة الطاقة والمعادن ملامح توجه جديد في إدارة سوق المعادن يقوم على إعادة تنظيم العلاقة بين الإنتاج والتصدير، وربطها بمستوى القيمة المضافة.
وفي هذا السياق، أشار معالي الوزير إلى أن السوق شهد خلال الفترة الماضية بعض التشوهات الناتجة عن هيمنة الوسطاء والاتجاه نحو التصدير السريع دون معالجة كافية للخامات، وهو ما يؤدي إلى فقدان جزء من القيمة الاقتصادية الممكنة.
وانطلاقًا من هذا التوجه، تم التأكيد على عدم السماح بتصدير خام الكروم إذا كانت نسبة التركيز أقل من 36%، مع إلزام عمليات التصدير بالمرور عبر شركة وطنية متخصصة في تسويق المعادن، بما يعكس انتقالًا واضحًا من سوق مفتوح إلى سوق منظم قائم على القيمة وليس الكمية فقط.
شركة تسويق المعادن؛ هل بدأت الدولة استعادة مفاتيح التصدير؟
ضمن هذا التحول، جاءت شركة “تسويق معادن عُمان” كأداة لإعادة هيكلة قنوات التصدير، عبر توحيد مسارات البيع الخارجي وربطها بمنظومة وطنية أكثر مركزية.
ويستهدف هذا التوجه رفع القيمة التصديرية للمعادن، وتقليل التصدير غير المنظم، وتوجيه جزء من الإنتاج نحو التصنيع المحلي، إلى جانب تعزيز قدرة الدولة على التحكم في سلاسل التوريد المعدنية.
النحاس في البوصلة العُمانية: عودة بعد 30 عامًا ومشروع جديد قادم
يمثل النحاس أحد أبرز محاور التحول في قطاع التعدين، حيث شهد عام 2025 عودة الإنتاج الفعلي من منجم الأسيل في ولاية صحار، بعد توقف استمر نحو ثلاثة عقود، مع تصدير أول شحنة من مركزات النحاس بوزن 900 طن عبر ميناء صحار.
كما تعمل السلطنة حاليًا على تشغيل مواقع تعدين سطحية وباطنية جديدة، إلى جانب مشروع إضافي قيد التطوير من المتوقع بدء تشغيله بين عامي 2026 و2027 وفق تصريح وكيل وزارة الطاقة والمعادن، بما يعزز موقع النحاس كأحد المعادن الإستراتيجية في المرحلة المقبلة.
هل الثروة المعدنية “كلها تُستخرج”، أم أن الاقتصاد يختار ما يستحق؟
في مقاربة لافتة، أوضح معالي المهندس سالم العوفي وزير الطاقة والمعادن، أن بعض المعادن، مثل الذهب المصاحب للنحاس، لا يتم استخراجها بشكل منفصل في جميع الحالات، بل يُحدد ذلك وفق الجدوى الاقتصادية، إذ قد يتم تركها داخل الخام إذا كانت تكلفة فصلها أعلى من العائد المتوقع.
هذا التوجه يعكس انتقالًا مهمًا في فلسفة إدارة الموارد، من منطق “الاستخراج الشامل” إلى منطق “الاستخراج الاقتصادي”، حيث تصبح الجدوى هي المحدد الأساسي لطبيعة الاستفادة من الموارد الطبيعية.
من أرض النحاس إلى منصة صناعية؛ ما الذي يُعاد بناؤه فعليًا؟
يتكامل هذا التحول مع توسع في البنية التحتية الصناعية، تشمل مدنًا صناعية ومناطق اقتصادية رئيسية مثل مدينة عبري الصناعية، ومدينة صحار الصناعية، والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، التي توفر جميعها بيئة لوجستية داعمة للصناعات التعدينية.
كما يشهد القطاع تطورًا تقنيًا لافتًا عبر مشاريع المسح الجيولوجي التي تغطي أكثر من 21 ألف كيلومتر مربع، وتحليل أكثر من 80 ألف عينة، إلى جانب اعتماد تقنيات الأتمتة والنمذجة ثلاثية الأبعاد في بعض المشاريع الكبرى مثل منجم مزون للنحاس.
قطاع يتغير من الداخل؛ هل يقترب من نموذج الاقتصاد المعدني الكامل؟
تتجه سلطنة عُمان اليوم نحو نموذج تعدين أكثر تكاملًا يقوم على تحويل الخام إلى قيمة صناعية داخل الاقتصاد المحلي، عبر مشاريع تشمل مصانع النحاس في ينقل، ومشاريع الجبس والحجر الجيري في الشويمية، إلى جانب مشاريع كيميائية وصناعية مساندة.
وفي الخلفية، تتحرك رؤية القطاع ضمن هدف أوسع يتمثل في رفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي ضمن مستهدفات رؤية عُمان 2040، عبر بناء صناعة لا تعتمد على الاستخراج فقط، بل على التصنيع والمعالجة والتصدير عالي القيمة.
ما يظهر اليوم في قطاع التعدين العُماني لا يمكن اختزاله في أرقام إنتاج أو صادرات، بل هو إعادة صياغة كاملة لمنطق إدارة الثروة المعدنية.
فبين التوسع في الامتيازات، والحوكمة الرقمية، وإعادة تنظيم السوق، وصعود شركات التسويق الوطنية، وتنامي مشاريع التصنيع، يتحول القطاع من نموذج استخراج تقليدي إلى منظومة اقتصادية متكاملة قيد التشكل.
المصادر:
* وكالة الأنباء العُمانية
* استثمر في عُمان
* اللقاء الإعلامي لوزارة الطاقة والمعادن
* تقارير وأخبار منشورة سابقًا عبر أثير وصحف محلية
* الجزيرة

شارك هذا الخبر