المكرم د.إسماعيل الأغبري يكتب: فوضى الأحزاب وخطورتها على وحدة الدول

المكرم د.إسماعيل الأغبري يكتب: فوضى الأحزاب وخطورتها على وحدة الدول
المكرم د. إسماعيل الأغبري يكتب: تراثك، أصالتك، وثقافتك نسبك العلمي

أثير- المكرم الدكتور إسماعيل الأغبري

كثيرا ما يرد الثناء على الأمة أو الحث على أن يكون الناس أمة في الثقافة الإسلامية وحتى إذا ما ورد الحديث عن الشعب أو الشعوب فإن الحديث يرد في مقام الدعوة إلى الوحدة والعيش المشترك وكذلك عند الحديث عن الناس أو ما يسمى اليوم بالمواطنين فهو حديث إيجابي من حيث الدعوة إلى الاجتماع.

أما الحديث عن الحزب أو الحزبية فهو يرد في مقام السلبية والتنديد بها وأنها بريد التشرذم والتقطع وأنها مدعاة للفرقة والتصدع فكل حزب بما لديهم فرحون ولا يسلم حزبي لحزبي آخر.

الأحزاب والجماعات كلها تكتلات عقائدية ( أيدلوجية ) ينتظم خلالها من يتوحدون في التوجه والغايات والأهداف. قد تكون هذه الأحزاب أحزابا قومية متشددة متطرفة في النظرة إلى القوميات الأخرى مما يعني وقوع الدول ذات التعدد القومي في دوامة صراعات تأتي على الأخضر واليابس وتتنامى دعوات الانفصال بدل أن يصير الوطن الواحد جامعة الجميع ودوحة وواحة له.

وهناك أحزاب ذات توجهات علمانية متطرفة تعلن رفض كل قديم وترفض الموروث الفكري ومصادره الأصيلة وقد تتجاوز هذه الحزبية فتحمل الناس على مشرب واحد فالعلمانية حالها حال بقية التوجهات منها المعتدل ومنها المتطرف.

وهناك حزبية من نوع آخر علا وارتفع على أنقاض القوميات إنها الحزبية الدينية وهي ذات مطامع سياسية ومطامح الوصول إلى سدة الحكم لكنها تبدأ بخدمات اجتماعية ولعل جميع الحزبيات تبدأ بالنواحي الاجتماعية والخدمات الاقتصادية مستغلة ظروفا اجتماعية ووطأة اقتصادية .

جميع هذه الحزبيات ذات الأيدلوجيات المختلفة تتصارع داخلها فضلا عن صراعها فيما بينها وقد رأينا كيف صرعت القومية العربية القومية العربية في حربي الخليج الأولى والثانية، وقد رأينا أن زعامات قومية عربية ترى نفسها أنها وريثة شرعية لزعيم القومية العربية تثير فتنا في العالم العربي وتدعم تمردا هنا وهناك في عالم الإسلام والعرب وتطرد مواطني دول عربية وتحل محلهم آخرين.

الأحزاب الدينية صعدت بصعود ما يسمى بالإسلام السياسي ولعل هذا المصطلح ولد عنها وابنها المنبثق منها.

هذه الأحزاب الدينية لا تقل فتكا ببعضها وخطرا على الدول من حيث عدم الاستقرار والتنافس داخلها ومع غيرها من الأيدلوجيات القومية والعلمانية بل ومع بقية الأحزاب الدينية

قد يجادل بعض بأن وجود الأحزاب طاهرة صحية ودليل ديمقراطية وشورى وأن الغرب فيه أحزاب مختلفة الأيدلوجيات فهناك أحزاب يمينية صاعدة معادية لكل ما هو مهاجر وهناك أحزاب يسارية وبعض الأحزاب ذات قواعد أصولية دينية ومع ذلك فالمجتمع الغربي متقدم

لا ينبغي أن نغفل أن المجتمعات الغربية ذات وعي وثقافة عالية وجميع أحزابهم وإن اختلفت فإنها تسلم الأمر لمن تسلم تشكيل الحكومة من بقية الأحزاب ويعترف المهزوم بنتيجة الانتخابات ويتحول بكل سرور من السلطة إلى المعارضة بل وينزل الحزب من عليائه وقيادته فينظم بعض أعضائه في الحكومة الجديدة لتسيير مصالح الأمة

في عالمنا العربي لا يسلم أحد بخسارة ولا يتقبل أحد أن يصبح مقودا بعد أن كان قائدا ويعمد إلى كافة أساليب التنغيص من أجل إثارة الرأي العام ضد خصمه الذي حل محله في تسيير وإدارة الدولة ولو استنجد بقوى خارجية ضارة بالدولة

الأحزاب في الغرب يعلو فيها وعليها ترمومتر الوطنية فهي وإن اختلفت لكنها مجمعة على أن الوطن قبل وبعد وفوق وسابق على الحزب

الأحزاب في الغرب تمويلها بشكل عام من ذاتها لا تعتمد وليست مرهونة لقوى خارجية تخضع برامجها لبرامج المحسن إليها من الدول ولا تطبق أجندات مشبوهة

الأحزاب في الغرب لا تتجاوز الاثنين أو الثلاثة أو الأربعة بينما في عالمنا وخاصة بعد اندلاع لسان ما يسمى بالربيع العربي تنمو الأحزاب كالفطر وتتكاثر كالجراد وتنتشر كالفراش مع صراع دائم داخل الحزب الواحد وبينه وبين غيره من الأحزاب وبين الأحزاب والحكومة

ذات هذه الأحزاب الدينية والعلمانية والقومية التي تندد بالسلطة لعدم تداول السلطة وتتهم الحكومات بالقهر والديكتاتورية فإنها تمارس القهر والتسلط داخلها فتجد زعيم الحزب خالدا مخلدا فيه لا يتنازل عنه ويرفض التزحزح منه ولو تبين له تآكل شعبية الحزب وبداية انفراط عقده وهذا حاله في قيادة الحزب فكيف لو تمكن من قيادة دولة ؟

هذه الأحزاب الداعية إلى ضرورة إجراء الدول العربية انتخابات حرة نزيهة ذاتها لا تعرف في أروقتها إلا عبارة ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد

بعدما يسمى زورا بظاهرة الربيع العربي صار عدد من الدول تموج بعشرات من الأحزاب وذات الحزب المولود منذ سنة يتشظى إلى أحزاب وهناك عشرات من طلبات إنشاء الأحزاب مع عشرات من القائمة المتصارعة

هذه الأحزاب تحتاج إلى لسان ناطق باسمها مبشر بمنهجها ناشر لمبدئها وهي الجريدة وسائر وسائل التواصل المرئي والمسموع والمقروء وأغلب هذه الوسائل تتحول إلى وسائل كلامية غير شريفة بين الأحزاب نفسها من جهة ومنها على الدولة من جهة أخرى

كما تغدو هذه الوسائل الحزبية موجهة من الدول الممولة والداعمة مما يشي بعدم استقلاليتها وارتهانها للخارج وذلك خطر على الدولة واستقلاليتها.

إذا كانت وسائل إعلام تقليدية وتقنية في العالم العربي رسمية تتناطح وتتحامل سبا وشتما بين دول مع أنه في الأصل الالتزام بأمانة الكلمة وميثاق الشرف الإعلامي العربي وكذلك ضرورة مراعاة الدبلوماسية وملاحظة الأعراف الدولية إلا أنه يتم تجاهل ذلك فكيف بلسان الأحزاب في عالمنا العربي ؟

ذات الأحزاب القومية والدينية افتضح أمرها في حرب الخليج الثانية فهذه الأحزاب بعضها أيد وبشدة عدوان صدام حسين على الكويت وباركت غزوه لدولة مستقلة ذات سيادة وبعضها أيضا من قومي وديني رفضت غزو صدام

في الحرب الحالية على اليمن باركت أحزاب كثيرة قومية ودينية هذه الحرب رغم ما خلفته من تخلف ورجعية وتدمير وقتل نفسي وحسي وهذا التأييد لهذه الأحزاب ناتج عن التمويل الذي تتلقاه من الخارج وهناك عوامل أخرى.

الخلاصة أن الأحزاب لها أثر سلبي على الدولة التي تنتشر فيها وهناك خطر على الدولة بسبب ارتهان تلك الأحزاب للخارج.

والحزبية في المصادر الثقافية والفكرية مرفوضة لأنها دليل فرقة وتراشق أما ما يتعلق بشعار الحرية فإن الدولة فوق الحزبيات وكل ما يعكر صفو الاستقرار لا ينبغي الركون إليه.

هذا التناحر في عالمنا كثير منه يقع بين الأحزاب القومية ذاتها وكذلك الصراع المرير صراع الفناء بين الأحزاب الدينية وصراع مرير بين الدينية والقومية.

إن الأحزاب فوضى لا تقل عن فوضى ما يسمى بالربيع العربي ونار حارقة كنار الربيع العربي فالحزبية لا تكاد تختلف عن صراع القبلية لكن اختلفت المسميات وتباينت الأدوات بينما المضمون واحد من حيث ضياع الأوطان وانقسام المجتمعات بين شعارات وأيدلوجيات قومية وعلمانية ودينية وكلها تدعي إرادة إصلاح الدولة ونشر الشورى وهي ذاتها ديكتاتورية تتمسك بمنصب قيادة الحزب حتى تنخر العظام الأرضة أو دودة الأرض.

شارك هذا الخبر