
هل هناك من يوثق التجارب الخارجية للاستفادة منها عند الحاجة المماثلة ؟ نكاد نجزم بالنفي المطلق داخل منطقتنا الخليجية على وجه الخصوص ، حيت تنفجر كبرى الأحداث ، وتتعاقب زمنيا دون أن يكون هناك رصد أو راصد لها ، يمكن لدولنا من خلالها إدارة أزمات سياسية مماثلة لها دون خسائر أو باقلها ، داخليا او خارجيا ، مما تجد هذه الدول نفسها عند الازمات تحت ضغوطات الحل واكراهاته الخارجية ، مما يدخلها في حسابات خاطئة عند تقدير الموقف الدولي ، لأنها فوتت على نفسها دراسة وتوثيق التجارب الخارجية للأزمات الكبيرة .
مثل أزمة اقليم كتالونيا ومحاولات انفصالها عن اسبانيا ، وعقبها ، انفجار أزمتين داخل ايطاليا للمطالبة بحكم ذاتي أوسع ، ومثل هذه الازمات تحدث داخل منطقتنا العربية ، فمن الاهمية القصوى توثيق دروس هذه الازمات من حيث المحور التالية :
– الاسباب التي تدفع ببعض الاقاليم الاوروبية الى الانفصال الان.
– طرق ووسائل معالجة مثل هذه الازمات من قبل اوروبا ، والموقف الدولي منها .
– مستقبل حق تقرير المصير للشعوب في ظل المواقف الدولية من قضية انفصال كتالونيا .
– امكانية حدوث هذه الازمات داخل كل دولة عربية ، ومدى الاستعداد لها .
ولو تأملنا في كل الجغرافيات السياسية العربية ، سنلاحظ حالات مشابهة ، وقد وقعت قديما وحديثا ، وحاليا ، هناك بوادر انفصالية أخرى .. أي الاحداث نفسها التي تجري الان في كتالونيا الاسبانية ولومبارديا وفينيتو الايطاليتين ، فكيف يرفض حقها في تقرير مصيرها ؟ بينما مارس الغرب كل الضغوطات على العرب مع اجل انفصال بعض الاقاليم العربية ؟
هنا تبدو المفارقة واضحة ، وفي قضية كتالونيا صارخة ، لكنها إيجابية للعرب لو عرفوا كيف يستفيدون منها ، ويوظفونها لصالح وحدة اراضيهم الوطنية ، ومن نفس المبررات الغربية عامة والاوروبية خاصة من قضية انفصال الاقليم الاسباني ، مثلما يستفيد العراق الان بصورة تلقائية من هذه القضية التي تتزامن مع قضية اقليم كردستان .
- كردستان العراقية .. وكتالونيا الاسبانية .
ربما يكون من حظ العراق ، أن تتزامن قضية كردستان من حيث التوقيت مع القضية الكتالونية ، وهي القضية التي اسقطت اهم حق من حقوق الشعوب منصوص عليها في كل المواثيق الدولية ، وهو حق تقرير المصير للشعوب ، ليس بسبب رفضه من قبل اسبانيا ، وانما من كل الغرب الديموقراطي ، لأنهم يرون فيه بابا قد يفتح عليهم ، ابواب انفصالية كثيرة .
لذلك ، فالكل وقف ضد استفتاء انفصال أقليم كتالونيا عن اسبانيا ، مما ساعد العراق على الحفاظ على وحدته الترابية ، عبر رفض نتائج استفتاء كردستان ، وسهل دخوله قواته الى كركوك لفرض الامن والسيادة الوطنية العراقية دون ضجة عالمية ، بل ذهبت الحكومة العراقية الى ابعد من ذلك ، وبمباركة دولية ، وذلك عندما استرجعت قرابة (50%) من الاراضي من حكومة كردستان الى الحكومة المركزية
وهنا ، يطرح التساؤل حول مستقبل حق تقرير المصير بعد تجربة كتالونيا والاستفادة منها عربيا ؟
- حق تقرير المصير في المواثيق الدولية .
نستدعي هذا الحق من المرجعيات العالمية التي يستمد منها الغرب دساتيره ، وايضا مبررا لضغوطاته على العالم الثالث بحجية حق تقرير الشعوب ، الذي يظهر في الحالات العربية التي اطلعنا عليها ، ان وراءها اطماعا غربية في انفصال جزء من جغرافية عربية .
نستدعيه من خلال الحالة الكتالونية ، لكي نبين حجم التناقضات بين الإيمان بهذا الحق وتطبيقاته ، وبين اختلاف هذه التطبيقات في البيئات غير الغربية ، ككتالونيا التي تعداد سكانها أكثر من ( 7) ملايين نسمة ، ولها مقومات دولة فعلية ، فلماذا يرفض هذا الغرب حتى حق الاستفتاء ؟ وكيف تمارس مدريد القوة في يوم الاستفتاء دون احتجاج عالمي ؟ وهذا كله لكي ندلل على المثالية الزائفة التي يتشدق بها الغرب في مواجهة دولنا في المنطقة ، وعندما تأتي الكرة في ملاعبهم ، يكفرون بها علانية .
جاء تأكيد ميثاق الأمم المتحدة على حق تقرير المصير في المادة 55 وتعده من دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريتين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب بان يكون لكل منها تقرير مصيرها”.
كما أكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق تقرير المصير حيث ورد في المادة 1 للفقرة 1: “لكافة الشعوب الحق في تقرير المصير ولها استنادا إلى هذا الحق أن تقرر بحرية كيانها السياسي وان تواصل بحرية نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي”.
وفي ميثاق الأمم المتحدة تضمنت الفقرة 2 من المادة الأولى أهداف الأمم المتحدة ومنها” إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبان يكون لكل منها تقرير مصيرها وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام.
وعلماء القانون الدستوري ومعظم المفكرون يعرفون حق تقرير المصير للشعوب على انه” حق الشعب في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظله أو السيادة التي يريد الانتماء إليها”.
والان بعد تجربة كتالونيا حتى الآن على الاقل ، تتجه الممارسة الدولية الى حق تقرير المصير على المناطق التي لا تزال تحت الاحتلال ، كسبتة ومليلة المغربيتين مثلا اللتين تحتلهما اسبانيا ، أما المناطق التي رضت بالاندماج او الانصهار داخل جغرافيات سياسية قائمة الان ، فتجربة كتالونيا ، تقدم لها سابقة دولية ، للحفاظ على كياناتها الوحدوية مهما كانت الطموحات والاحتقانات الدافعة للانفصال .
وهذا حكم أولي ، لا يمكننا اعتباره كقاعدة عامة الان ، بانتظار نهاية القصة الكتالونية كاملة ، ، فمدريد قد علقت الحكم الذاتي وتتجه الى فرض حكم مباشر على كتالونيا ، وفقا للمادة (155) من الدستور الاسباني ، وهي مادة تتيح لمدريد السيطرة بشكل مباشر على المؤسسات في كتالونيا في مثل هذه الظروف فماذا سيكون ردة فعل الكتالونيين ؟ وهل سيتغير الموقف الاوروبي وخاصة محيطهم الجيوسياسي ، مثل المانيا وفرنسا ؟ مستقبل حق تقرير المصير يتوقف الان على مرحلة ما بعد فرض الحكم المباشر على كتالونيا .
س: فلماذا تعطل اوروبا تطبيق هذا الحق ؟
- تفكيك القارة العجوز .
الباحث في هذه المسألة سيجد هناك قضايا كثيرة داخل اوروبا – وليس قضية كتالونيا – تطالب الانفصال ، سواء داخل اسبانبا كذلك ، مثل إقليم الباسك في الشمال الاسباني ، كما أن هناك حركات انفصالية في بلجيكا ، والشأن نفسه في المملكة المتحدة ، والحركات الانفصالية في إيرلندا الشمالية وويلز وجبل طارق.. الخ وقد زادهم الان اقتناعا بعد نجاح استفتاء لومبارديا وفينيتو التي تجاوزت نسبتا التصويت لصالح حكم ذاتي أوسع (95%) .
- ماذا يستوجب على دول المنطقة فعله الان من وحي التجربة الكتالونية ؟
لم يكن دافع الانفصال الكتالوني ، ولا مطالب بحكم ذاتي أوسع للومبارديا وفينيتو وراءها اضطهاد عرقي ولا ديني ولا إقصاء وتهميش سياسي .. وانما كان الشعور بعدم عدالة اعادة توزيع ايرادات الضرائب ، فهذا الاقليم يشعر بانه يدفع لخزينة الدولة الاسبانية أكثر من الاقاليم الاخرى ، وترجع له منها نسبة لا تعكس حجم مساهمته في الايرادات الضريبية .
وكذلك الحال للإقليمين الايطاليين الاخريين ، فهما يطمحان إلى استعادة حوالي نصف الضرائب التي تدفعانها للحكومة المركزية في روما ، وقد بلغ حجم إيرادات ضرائب للومبارديا (45) مليار يورو ولفينيتو( 15،5) مليار يورو ، مقابل (8) مليارات لكتالونيا .
وماذا يحدث الان في دولنا الخليجية الست ؟ الرهان على منظومة متكاملة من الضرائب لتمويل موازناتها السنوية مهما طرأت من زيادات على اسعار النفط والغاز بناء على نصائح من صندوق والبنك الدوليين ، وقد يتأتى الشعور الشعبوي نفسه لهذه الدول عندما يكون جيوب المواطنين مصدر ثرواتها في الانفاق العام ، مما قد يتولد نفسيا التشطير الجغرافي .
من هنا ينبغي على دول المنطقة ، الرهان على الاقتصاد الاجتماعي بديلا عن الاقتصاد الريعي واقتصاد الجبايات ، لأنه يركز على العدالة الاجتماعية ، من خلال اعتماد الاقتصاد على الانتاج بواسطة قطاعات اقتصادية ، دون إغفال الضرائب لكنها لابد أن تراعي الحمولة الاجتماعية .
فاعتماد الغرب على الضرائب ، يعطينا مؤشرات الان سلبية ، يمكن من خلالها أن تقود الغرب الى انشطارات جغرافية ، واقامة كيانات سياسية جديدة ، هذا المسار العالمي ، يتوقف الان على ادارة اوروبا لأزمة كتالونيا ، وهذه موجة تسونامية جديدة ، لابد لدول المنطقة أن تدرسها بعناية وتراقب تطوراتها ، لأنها قد تكون عابرة للحدود سواء في حالة استقلال كتالونيا ، وفي هذه الحالة سيعلي من شأن حق تقرير المصير لشعوب العالم كلها التي تشعر بعدم عدالة توزيع الضرائب ، أو في حالة منحها حكما ذاتيا أوسع ، وبحصة أكبر من الضرائب ، فعلا المجتمع الدولي يتغير ، وفي خليجينا ، تسهم الحكومات في ماهيات التغيير بصورة متصاعدة ومثيرة من خلال الرهان الجامح على منظومة الضرائب .





