رصد - أثير
ظل دعم إسرائيل، وحتى فترة قريبة، قضية مشتركة بين الحزبين في السياسة الأمريكية، لكن نتنياهو الذي قدم نفسه خبيرًا في السياسة الأمريكية، أسهم في هز وتحطيم مكانة إسرائيل في أمريكا. فلم تتعد سابقًا الانتقادات الشديدة التي وجهها المعتدلون في الحزب الديمقراطي لحكومة نتنياهو اتهامها بعرقلة حل الدولتين مع الفلسطينيين، لكن في السنوات التي تلت هجمات 7 أكتوبر، والغزو الإسرائيلي اللاحق لغزة، انهار هذا الإجماع الذي كان يتراجع بالفعل بين صفوف الديمقراطيين.
هذا الانهيار لا يقتصر على الحزبين فقط بحسب مقال نشرته مجلة ذي أتلانتك ورصدته أثير. ففي الشهر الحالي، قال نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يعد على الأرجح المرشح الجمهوري الأوفر حظًا للرئاسة عام 2028، لمقدم البودكاست جو روغان، إن الممول والمجرم الجنسي جيفري إبستين “كان على صلة واضحة بأعلى مستويات مع المخابرات الإسرائيلية”. واتهم فانس إسرائيل بالتآمر ضد دبلوماسيته مع إيران. إنّ تصريحات كهذه كانت كفيلة، قبل عقد من الزمن، بطرد أي جمهوري من الحزب يتحدث بهذه الطريقة. أما الآن، ففانس مرشح لتولي قيادته.
صعود العداء لإسرائيل بين أوساط اليسار الأمريكي
العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية شهدت خلافات دورية، إلا أن الخلاف بقي محصورًا بين حكومتين، من دون تحويله إلى قضية حزبية، إلاّ أن نتنياهو جلب معه دوافع أخرى للعلاقة، فلم يكن يحب الديمقراطيين ولا ليبرالية معظم اليهود الأمريكيين، الذين يغلبون العدالة الاجتماعية على يهوديتهم. ووصفهم بأنهم يهود كارهون لأنفسهم. وتبدّى عداء نتنياهو للديمقراطيين في خطابه الذي ألقاه في 3 مارس 2015 أمام جلسة مشتركة للكونغرس، وحذر فيه من اتفاقية نووية مع إيران كان يعمل عليها الرئيس آنذاك باراك أوباما، مع أن الأخير أبدى تعاطفاً صريحاً مع إسرائيل في حملته الانتخابية الأولى عام 2007. وبعد توليه منصبه، وقّع أوباما أكبر حزمة مساعدات عسكرية قدمتها أمريكا لأي دولة على الإطلاق.
ومع ذلك، ومنذ البداية تقريبًا، تعامل نتنياهو مع أوباما كخصم يجب التغلب عليه، فألقى عليه محاضرات عن التاريخ اليهودي في المكتب البيضاوي أمام الكاميرات، وهي لقطات استخدمها رئيس الوزراء لاحقًا في إعلان حملته الانتخابية. وقد أدى تهكمه من أوباما إلى نفور اليسار الأمريكي، الذي كان ينأى بنفسه عن إسرائيل. ومن هنا، نجح الناشطون الفلسطينيون في الجامعات بذكاء في استمالة حلفاء من اليسار لم يفكروا قط في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. كان بإمكان نتنياهو وقف هذا الانجراف بمجرد احترامه لأوباما، رمز الليبرالية، وتعبيره عن رغبته في حل عادل ومنصف لأزمة الشرق الأوسط، حتى وإن كان يعتقد في قرارة نفسه أن الفلسطينيين غير مهتمين بالتسوية. لكن، بمهاجمته رئيساً ديمقراطياً بشكل مباشر واستمالته لمعارضته، بدا وكأنه يدفع إسرائيل إلى أحد جانبي الانقسام الحزبي في أمريكا.
كيف أصبحت إسرائيل منبوذة في العالم؟
جاء الرئيس ترامب، الذي بات نتنياهو ينظر إليه على أنه أعظم صديق لإسرائيل في البيت الأبيض. وقد رأى نتنياهو في ترامب فرصته الذهبية. وتجاوز ولاؤه المذل لترامب مجرد التملق الذي فرضه قادة أجانب آخرون على أنفسهم، ومن هنا، فبمجرد أن ربط نتنياهو إسرائيل بترامب، حوّل العديد من الأمريكيين الذين كانوا يكرهون أحدهما كراهيتهم للآخر. إلا أن نتنياهو اعتقد أن الأمر لا يهم، فقد افترض أن الحزب الديمقراطي، المتجذر في العلمانية والأيديولوجية التقدمية، سيكره إسرائيل في نهاية المطاف بغض النظر عن أي شيء. وحذرته شخصيات يهودية بارزة، سواء في الحزب الديمقراطي أو في المنظمات اليهودية، من أنه يسيء فهم السياسة الأمريكية عمومًا والديمقراطيين خصوصًا، لكن تحذيراتهم قوبلت بالتجاهل، ثم شنت إسرائيل حربًا على إيران متذرعةً أمام الرأي العام الأمريكي بالحفاظ على الدولة اليهودية من الفناء، وواجه نتنياهو التهديدات العسكرية بشراسة، لكنه خسر في ساحة المعركة التي صنعت مسيرته. فقد وصل إلى السلطة بإقناع الأمريكيين بصواب قضيته، لكنه تخلى عن ذلك وكأن إقناعهم لم يعد مهمًا، بل عبثيًا. فلم يدرك نتنياهو قط أن نجاحاته السابقة تحققت في ظل ظروف مواتية، هي الحرب الباردة، والحروب على الإرهاب، وعقود من التعاطف الأمريكي مع القضية الإسرائيلية. وعندما تغيرت الظروف، لم يعدل نتنياهو حجته، بل استنتج أنه لا مجال لتغيير الآراء، فكراهية الدولة اليهودية راسخة لا تتغير.
في عهد نتنياهو، تعاملت الدبلوماسية العامة الإسرائيلية مع كل ناقد جديد، لا كشخص يراد إقناعه أو تصحيحه، بل كمعادٍ للسامية. وتجلى استهتار نتنياهو بالرأي العام العالمي في اختياره لوزراء حكومته، وعدد منهم من أتباع مائير كاهانا، حيث رفض انتقاد تصريحاتهم وسياساتهم في غزة والضفة الغربية، وظل متمسكًا بهم لأن بقاءه في الحكم مرتبط بدعمهم. كما أنه لم يقدم خطة واضحة لغزة، ورفض المحاولات الأمريكية للتطبيع السعودي، حتى لا يغضب اليمين. ورفض نتنياهو الشيء الوحيد الذي طلبه السعوديون، وهو المضي في عملية نحو إنشاء دولة فلسطينية. ويبدو أن نتنياهو قد أصدر حكمه بالعجز عن إيقاف تحول إسرائيل إلى دولة منبوذة.
استطلاعات الرأي الأمريكية تكشف الحقائق وحجم التحول
أظهر استطلاع جديد للرأي أجرته مؤسسة “يوغوف” بالتعاون مع مجلة “ذي إيكونوميست” أن نحو نصف الأمريكيين يؤيدون قيام الولايات المتحدة بتنفيذ مذكرة الاعتقال الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، على خلفية اتهامات تتعلق بالحرب الدامية على قطاع غزة. وبحسب نتائج الاستطلاع، قال 49 في المئة من المشاركين إن الولايات المتحدة ينبغي أن تنفذ مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو، مقابل 27 في المئة عارضوا ذلك، فيما أعرب 23 في المئة عن عدم تأكدهم، ما يعني أن المؤيدين لتنفيذ المذكرة يتفوقون على المعارضين بفارق 22 نقطة مئوية، وفقاً لصحيفة “ذا هيل”. وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت مذكرة اعتقال بحق نتنياهو في نوفمبر 2024، متهمة إياه باستخدام التجويع وسيلةً من وسائل الحرب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل والاضطهاد، فضلًا عن تعمّد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين في قطاع غزة. في النهاية، ستندم إسرائيل على حجم الدعم السياسي الأمريكي الذي خسرته في عهد نتنياهو، وليس فقط من اليسار: فقد أصبح المستقلون سياسيًا أكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين من الإسرائيليين، و60% من البالغين الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه دولة نتنياهو، وأغلبية الجمهوريين دون سن 45 عامًا يعارضون تجديد حزمة المساعدات العسكرية التي أقرها أوباما، كما يتراجع الدعم بين الإنجيليين الشباب، الذين كانوا في يوم من الأيام معقلاً مؤيداً لإسرائيل في أوساط الناخبين. إن إرث نتنياهو هو عزلة إسرائيل. وربما لم يكن بالإمكان تجنب ذلك، إلا أن فشله كان في عدم محاولته تجنب هذا المصير.





