عارف الساعدي
أحلم أن أفقد ذاكرتي هذا اليوم
أستيقظ كالعادة بعد صلاة الفجر بعشر دقائق
لكني لا أعرف ماذا أصنع
أبصر أطفالا حلوين
يدورون عليَ
وأرى امرأة تبكي وتنوح
لكني لا أعرفهم
يدنو أصغرهم مني
ويقبلني
ويقول
بابا
هيا نلعب لعبتنا الأجمل
بابا… يبدو أنك تنسى
أنت حصاني الأفضل
لكني لا أفهم ماذا تعني هذي الكلمات
اللغة انطفأت يارب
والذاكرة شتاتْ
……….
التمَ الأهلون حواليَ
ونادوا كل صديق أعرفه
البيت يموج بأشكال الناس
لكني لا أعرف هذي الناس
لا اتذكر أحداً منهم أبدا
أسمعهم يحكون فلا أفهمهم
لا أسمع إلا أصواتاً تصدر منهم
الناس هنا أصواتٌ أصواتٌ أصواتْ
اللغة انطفأت ياربِ
والذاكرة شتاتْ
………….
قالوا إسمعْ
هذا كان الأقربَ من بين جميع الأصحابْ
علَك تفهم ما يحكيه إليك
لكنِي لا أفهمهم أبداً
فدنا منِي
ذاك الأقربُ من بين جميع الأصحابْ
وراح يحدثني ويحدثني
حتى ذاب الوقت الفضيُ على شفتيه
وذابْ
وظلَ يثرثر مكتئباً ويقول
يا مجنون
كيف نسيت العالم في خمس دقائق ؟
كيف نسيت الناس؟
كيف نسيت الكلمات؟
وظلَ يحدثُني عن أسفارٍ مرَتْ
ويعدُد أسماء نساءٍ كثْرٍ
ويقولْ
حاولْ أنْ تتذكرَ شيئاً
يا مجنون
يبدو إنَ الليل على شفتيك
سيغفو ويطولْ
لكنِي لا أعرفه
لا أفهمه
لا أفهم غيرَ الصمتِ كلامْ
قد ملَ صديقي منِي
عاتبني وشكا
قبَلني في خوفٍ هذي المرَة
قبَلني وبكى
…………
ومضى اليوم الأول
وأنا لا أتذكر أني كنت هنا
لا أعرف من أتيتْ
أو ماذا أفعل في هذا البيتْ
في تلك اللحظة
أحسستُ بأنِي عطشانٌ جداً
لكنِي لا أعرف أنَ الماء سيروي عطشي
أو ــ أصدقُكم قولاً ــ
لا أعرف أنَ الماء هو الماء
وبقيتُ أُداري عطشي بالنظراتْ
الماءُ قريبٌ جداً منِي
الماءُ يرشرشه عبثاً ولدي
ويرشُ الماء على الحيطان
ويرمي الكوب إلى الشرفاتْ
وأنا أحلم بالماء على الكلماتْ
لكنَ اللغة انطفأتْ ياربِ
والذاكرة شتاتْ
………..
ومضى يومٌ ثانٍ …. عاشرْ
وأنا ما زلتُ بذاكرتي الطينية مبلولا
لا مندهشاً بضياع العمر ولا حائرْ
لكنِي أغفو منتصف الليل قليلا
فأرى أحلاماً كثراً
ووجوهاً تركض كالخيل بذاكرتي
ووجوها أخرى تضحك أو تبكي
ونساءً يلعبن بطين الأيام الأولى
الحلم قصيرٌ جداً
لكنَ الناس كثيرون
أتحدَثُ في الحلْم كثيراً
أتذكَر كلَ وجوهِ الناسْ
لكنِي فزعاً أنهض من نومي
وأحاول أنْ أمسك بالكلماتْ
لكنَ الأحلام انفرطت لحظتها
ووجوه الناس بلا كلماتْ
حاولتُ مراراً
لكنَ اللغة انطفأت ياربِ
والذاكرة شتاتْ
………….
ها أنا وحدي
بعد شهورٍ مرَت
ما زلتُ على هذا الحال
مركوناً في أقصى زاويةٍ في البيتِ
كأيِ أثاثٍ مكسورٍ
تهمله سيدةُ البيت
ولكنْ
يتمسك في أذرعه الأطفالْ
مازلتُ على هذا الحالْ
حتى ناداني الولَدُ البكرُ
وقال
تعال
ولدي في الصف الثالث في مدرسةٍ قرب البيتْ
فأتيتْ
أجلسني مابين يديه
وراح يفتش عن أقلام رصاصٍ
ودفاترَ مهملةٍ
وكتابٍ للصف الأولْ
الخلدونية في الصفِ الأوِل واضحةٌ جداً
قالْ
أبتي
ردد هذا الحرف معي
آ آ آ
فخجلتُ من الطفل العابث في ذاكرتي
وبدأت أردد
آه آه
ردد يا أبتي
باء باء
وأنا كالطفل أردُد
باء باء
ولدي يضحك مزهواً
وأنا أتعلم هذا الحرف المطمور بطين حكايتنا
باء باء
وأرددُ باءً باءْ
وراح يردد بعض الكلمات بهذا الحرف
وأمسك مزهواً بيدي
وكعادتهِ ولدي
راح يُلحُ عليَ ويصرخ أحياناً
رددْ يا أبتي
رددْ
بلدي
وبدأتُ أرددُ
لكنُي لم أكملْ هذا المشوار الصعب
عثرتُ بأول حرفٍ
وتذكرتُ بأنَ الكلْمة قد مرت يوماً في ذاكرتي
حاولتُ ولكنْ عثرتْ ثانيةً لغتي
من دسَ الليل بذاكرتي؟
من أنساني بلدي؟
أفلتُ يدي
وبكيتُ كثيرا
حاولتُ
ولكنْ ولدي






