أثير- سالم بن أحمد بن سالم الكثيري، باحث في التاريخ العماني
أعادت المصادر التاريخية والجغرافية صياغة صورة عُمان في العصور الوسطى بوصفها كيانًا حضاريًا وملاحيًا مركزيًا، ويُعد كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للشريف الإدريسي (المتوفى عام 560هـ/ 1166م) أحد أهم هذه المصادر المؤسسة التي وثقت أحوال إقليم عُمان، مبرزة إياه كإقليم مستقل بذاته، عامر بأهله، ويمتلك شبكة معقدة من الروابط الاقتصادية والسياسية والملاحية التي ربطته بعمقه الإقليمي والعالمي من المحيط الهندي إلى حواضر العالم القديم.
والإدريسي هو أبو عبد الله محمد بن محمد الإدريسي القرشي، عالم وجغرافي ورحالة ولد في مدينة سبتة بالمغرب الأقصى، وتلقى تعليمه في قرطبة في العلوم الدينية والرياضية والفلكية والنباتية، وقام برحلات واسعة شملت الأندلس وشمال إفريقيا وأجزاء من أوروبا والمشرق، واستقر الإدريسي لاحقا في صقلية في بلاط ملكها النورماني روجر الثاني، وهناك حقق إنجازاته الخالدة في علم الجغرافيا، فألف كتابه الأشهر نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (المعروف بالكتاب الروجري) الذي استغرق إعداده 15 عامًا، وصنع كرة فضية تمثل أقاليم العالم، ويُعد الإدريسي من مؤسسي علم الجغرافيا الحديثة، فقد تفوق في دقة رسم الخرائط وتحديد اتجاهات الأنهار والبحيرات والمرتفعات، واستخدم خطوط الطول والعرض بدقة، وظلت مؤلفاته وخرائطه مرجعاً رئيسياً لعلماء الشرق والغرب طوال قرون عصر النهضة الأوروبية.

الإدريسي يعرض خطّته للملك روجر الصقلّي

خريطة العالم للإدريسي
طبوغرافيا السواحل العمانية والمخاطر الملاحية والريادة البحرية
يُقدم الشريف الإدريسي في سفره الجغرافي مسارًا جغرافيًا وملاحيًا بالغ الدقة والتفصيل للساحل العُماني، مفتتحًا إياه بالاتصال الجغرافي المتناغم مع بلاد مهرة التي يصفها بأنها منطقة مستقلة بذاتها، عامرة بالسكان، وتزخر بكثافة النخيل وأنواع الفواكه الجرومية المختلفة مثل الموز، والرمان، والتين، والعنب، ويمتد هذا الوصف الساحلي ليغطي محطات حيوية وموانئ بارزة مثل صور وقلهات، اللتين يصفهما بأنهما مدينتان تقعان على ضفة البحر الملح الفارسي، ورغم صغر مساحتهما، إلا أنهما كانتا عامرتين بالحياة والحركة، ويعتمد سكانهما في تأمين مياه الشرب على الآبار، وتنشط في مياههما مغاصات صيد اللؤلؤ، مبينًا أن المسافة البرية بين هاتين المدينتين تبلغ مرحلة كبيرة، بينما تقصر وتصغر تلك المسافة حين تُقطع عبر البحر.
وفي محطة ملاحية شديدة الخطورة وحاسمة في حركة الملاحة التاريخية، يوثق الإدريسي تفاصيل رأس المحجمة (المعروف برأس الحد)، ويصفه بأنه جبل عالٍ وشاهق على ضفة البحر يمتد باتجاه الشرق في أعماق المياه بمسافات لا يُعلم لها منتهى، وهو موقع مرعب تتكسر عنده المراكب وتكثر في محيطه مغاصات اللؤلؤ المستخرج، ويمتد هذا الرأس الوعر ليقارب غب الحشيش (الغب: الجون أو الخليج)، وهو جون يتسم بشدة أمواجه وعنفها الهائل، لدرجة أن السفن والمراكب التي تسقط في داخله يندر جدًا خلاصها أو النجاة من أمواجه العاتية إلا أن تأتيها ريح مواتية ومناسبة، ومن شدة ندرة الناجين فيه سارت المقولة التاريخية التي وثقها الإدريسي بأن “قليلًا ما يخرج منه من سقط فيه” .
وعلى امتداد الخط الساحلي الرابط بين مدينة قلهات وصحار، يقف الإدريسي عند قرية دما ليقدم نموذجًا فريدًا للتباين المناخي والاقتصادي الموسمي، حيث يوضح أن هذه القرية يقل عامرها وتكاسد وتتراجع معايش أهلها في فصل الشتاء، لتتحول بقدرة بيئية واقتصادية في فصل الصيف إلى مدينة عامرة وأشبه ما تكون بالعاصمة المؤقتة النابضة بالحياة، وذلك بفضل مغاصات اللؤلؤ الجيد جدًا المنتشرة فيها والتي تشتهر باستخراج أجود أنواع اللؤلؤ. كما يحدد الإدريسي الأبعاد المكانية بين المدن الرئيسة، موضحًا أن المسافة الفاصلة بين مسقط وصحار، بوصفهما حاضرتي عُمان الأساسيتين، تقدر بنحو أربعمائة وخمسين ميلًا من السواحل الممتدة التي تخلو في أجزاء منها من السكن البشري.
ولا يتوقف الإدريسي عند حدود الوصف الطبوغرافي المجرد، بل يتعداه إلى رصد هندسة العبور والتخفيف الملاحي لمواجهة تعقيدات الجبال الغائصة، فعند حديثه عن امتداد الطريق الساحلي نحو بلاد البحرين مرورًا بصحار ودما ومسقط والخيل وصولًا إلى جلفار (وهي قرى تشتهر بمغاصات اللؤلؤ)، يلاحظ وجود طرف جبل كبير غائص في لجج البحر يظهر قليلا في بعض المواقع ويغيب في أخرى، وهو ما دفع المراكب والسفن الصاعدة من البصرة نحو عُمان إلى اتباع تكتيك ملاحي دقيق يقضي بتفريغ أحمالها ومتاعها مؤقتا على الساحل ريثما تخف السفينة وتتمكن من تجوز ذلك الطرف الجلي الخطير، لتُعاد من جديد وتواصل مسيرها نحو عُمان، في إطار تجسيدٍ حي لعبقرية البحار العُماني في تطويع البيئة البحرية وصنع سيادته الملاحية.

عمان في خريطة الإدريسي
جبال شحر عُمان وعجائب الطبيعة والثروات البحرية
يولى الشريف الإدريسي الساحل الجنوبي المتمثل في إقليم شحر عُمان وجباله الشاهقة عناية فائقة وتوثيقا استثنائيا، مفصلا في تضاريسه العجيبة، وخصائصه البيئية الفريدة، وثرواته الطبيعية المرتكزة في عمق المحيط والساحل، حيث يبرز جبل القمر كأحد أهم الشواهد الجغرافية التي توقف عندها الإدريسي، معللا سر تسميته البديعة باستدارته، وتقوس هيئته الهندسية، وبياض لونه الناصع الذي يضفي عليه مظهرا مميزا يشبه القمر في كماله واختلافه عن جبال المنطقة، وفي مشهد جغرافي متصل يسلط الإدريسي الضوء على جبل نوس، بوصفه جبلا عظيما هائلا يطل بشموخ على صفحة البحر ويقع بالقرب من مدينة حاسك التاريخية، مشيرا إلى دلالة مكانية عميقة ترتبط بتاريخ المنطقة العريق، حيث تقابله أرض عاد التاريخية من جهة الشمال، مما يربط جغرافية المكان بذاكرته الحضارية السحيقة.
وفي سياق رصده للجزر العُمانية النائية يغوص الإدريسي في تفاصيل جزر خرتان ومرتان (وهي جزر الحلانيات المعاصرة)، مصورا قسوة الطبيعة وصلابة الظروف المناخية المحيطة بأهلها، إذ يقف هيجان الأمواج الشتوي العنيف حائلا منيعا يقطع صلة هذه الجزر تماما بالعالم الخارجي خلال فصل الشتاء، معطلا بذلك حركة سفرهم وتجارتهم ومضيقا عليهم سبل العيش والمعاش، وفي المقابل تُمثل هذه الجزر النائية مخزنا إستراتيجيا لثروة العنبر الجيد الذي كان البحر يلفظه بكثافة وغزارة على شواطئها، ليقوم الأهالي بجمع هذا العنبر النفيس ونقله لبيعه في أسواق عُمان الكبرى ومدينة عدن بأرفع الأثمان وأعلاها قيمة نظرا لجودته وندرته.
ولا يتفرد الإدريسي برصد عجائب الجزر فحسب، بل يوثق بجلاء مكانة العُمانيين الاستثنائية والريادية في علوم البحر والتعرف إلى كنه موارده، مؤكدًا ذلك بالحادثة التاريخية البارزة المتمثلة في بعثة الخليفة العباسي هارون الرشيد، والتي أُرسلت خصيصا إلى بلاد اليمن والشحر لاستقصاء حقيقة العنبر ومعرفة ماهيته ومصادره، حيث وصلت تلك البعثة إلى موانئ حاسك وشرمة (وهما من أشهر موانئ جنوب الجزيرة العربية آنذاك) وإلى عدن، لتعتمد بصورة كلية على المعرفة الواسعة لأهلها وخبرتهم العلمية والملاحية الدقيقة في هذا المجال المعقد، وتعزيزا للصورة الاقتصادية المتقدمة لمدن هذا الساحل، يرصد الإدريسي بوضوح وجود مصائد متخصصة لصيد الحيتان الكبيرة في مدينة حاسك، كأحد الأنشطة الاقتصادية المركزية والمحورية التي اعتمد عليها السكان، لتتكامل هذه العناصر في رسم لوحة حية ومفصلة لبيئة شحر عُمان التي امتزجت فيها وعورة الجبال وقسوة البحار بعبقرية استثمار الموارد الطبيعية الفريدة.
صحار وقلاع التجارة العالمية والتحولات الجيوسياسية
تحتل مدينة صحار مكانة الصدارة المطلقة والريادة التاريخية في مدونة الشريف الإدريسي، حيث يخلدها بوصفها أقدم مدن عُمان وأكثرها أموالا وثراءً، سواء في العصور القديمة أو في واقعه المعاصر، إذ يصورها كمستودع عالمي ضخم تقصده أسراب تجار العالم من كل فج عميق بأعداد لا يمكن حصرها أو عدّها، وكانت صحار تمثل المركز التجاري الأبرز الذي تُجلب إليه شتى بضائع اليمن السعيد، ومنه تتجه وتتوزع قوافل التجارة وأنواع السلع نحو مختلف آفاق العالم المعروف آنذاك، ولم تقتصر مكانتها على الجانب التجاري البحري فحسب، بل امتدت لتشمل سعة العيش ورخاء أحوال أهلها ومتاجرهم المربحة للغاية، إلى جانب طبيعتها الغنية ببساتين النخيل الكثيفة، ووفرة فواكهها المتنوعة كالمنطقة المزروعة بالموز والرمان والسفرجل، فضلاً عن أشكال الثمار العجيبة والطيبة التي تميز بيئتها المعطاءة.
وفي قراءة تحليلية بالغة الأهمية للتحولات الجيوسياسية وموازين القوى في إقليم الخليج وبحر فارس، يكشف الإدريسي عن الأسباب الجذرية والديناميكيات السياسية التي أدت إلى تحول وتغير المسارات التجارية الكبرى في ذلك العصر، وعلى رأسها انقطاع حركة المراكب والسفن الصينية الكبرى التي كانت تتوافد مباشرة بشكل منتظم إلى موانئ صحار، ويرد الإدريسي هذا التحول المفصلي إلى بروز قوة سياسية وعسكرية جديدة متمثلة في جزيرة كيش، الواقعة في وسط بحر فارس والمقابلة لساحل مسقط، والتي تبلغ مساحتها اثني عشر ميلا طولا في مثلها عرضا، وتحتضن مدينة كيش العامرة، ويفصل الإدريسي في طبيعة هذا التحول حين يوضح أن جزيرة كيش قد تولى إدارتها عامل من قبل اليمن، فبادر إلى تحصينها تحصينا منيعا، وأحسن إلى أهلها وعمرها، وأنشأ فيها أسطولا بحريا ضخما وقويا، غازيا به سواحل اليمن والمناطق المجاورة؛ ما ألحق أضرارا بالغة وفادحة بالمسافرين والتجار، و“لم يترك لأحد مالا، وأضعف البلاد“، وهو ما أدى بالمحصلة إلى انقطاع سفر المراكب المباشر من عمان وتحول وجهة التجارة نحو عدن.
ولم يتوقف النفوذ العسكري لجزيرة كيش عند هذا الحد، بل يصف الإدريسي الأسطول المرعب الذي بناه صاحب كيش، والذي ضم مراكب ضخمة ومتطورة عُرفت بالمشعيات، وهي سفن عملاقة يتم بناء المركب الواحد منها من قطعة خشب واحدة متكاملة ويجذف في دفعها مائتا رجل، ويشير الإدريسي إلى أنه اطمأن على وجود خمسين مركبا من هذا الطراز الفريد لدى صاحب كيش وقت التأليف، فضلا عن جملة عديدة وكبيرة من سائر المراكب الملفقة الأخرى، وبهذه القوة العسكرية الضخمة والأسطول الضارب، فرض صاحب جزيرة كيش سيطرته وهيبته المطلقة، حيث بات يغزو ويسبي ويحارب مدينة الرانج ويصل إلى بلاد القامرون، حتى إن أهل الهند كانوا يخافونه ويهابون شره ويصانعونه بتقديم تلك المراكب المشعيات اتقاءً لبأسه، وفي ظل هذه السيطرة الجيوسياسية، لم تكن لأي قوة طاقة به، بينما كانت كيش نفسها تتمتع باكتفاء وازدهار داخلي يضم الزروع، والأغنام، والأبقار، والكروم، ومغايص اللؤلؤ الجيد، لتبعد مسافة مجريين بحريين فقط عن صحار، محاطة بمسارات إستراتيجية تربطها بمسقط وساحل كرمان، لتشكل بذلك منعطفا تاريخيا غيّر خارطة التجارة والسيادة البحرية في المنطقة.
الداخل العُماني وعبقرية الاستيطان والزراعة
يولى الشريف الإدريسي العمق الجغرافي والاستيطاني لعُمان عناية خاصة تعكس اهتمامه بطبيعة الداخل العُماني وقدرة إنسانه على تطويع البيئة، حيث يسلط الضوء على منطقة نزوى بوصفها حاضره مركزية يقطنها السكان في مدينتين توأمين متقابلتين ومتجاورتين هما سعال والعقر، تقعان في برية رحبة على مسير يومين كاملين من مدينة صحار، ويشترك في تغذية هاتين المدينتين وادي يُعرف بوادي الفلج، وتتميزان بكونهما مدينتين صغيرتين لكنهما عامرتان بالحياة والنشاط العمراني، وتزخران بمزارع النخيل الواسعة وحدائق التمر الكثيفة التي تضفي على المكان بهجة وخضرة دائمتين، وتقتربان في الحجم والقدر، ويعتمد سكانهما في الشرب وسقي الأراضي على مياه نهر الفلح المباركة.
وعلى مسافة تقدر بنحو نصف يوم مغادرةً من نزوى، تبرز مدينة منح الرابضة في أسفل جبل شاهق يُعرف بجبل شرم، وهي مدينة صغيرة تحيط بها بساتين النخيل وعيون المياه الجارية التي تسقي مزارعها، وتستمد وجودها من منبع نهر الفلح الكبير الذي ينحدر من أسفل ذلك الجبل، وفي إطار رصده للظواهر المناخية الفريدة في إقليم عُمان الذي يُعرف في مجمله بحرارته، يسجل الإدريسي ملاحظة علمية وطبوغرافية دقيقة ومثيرة للاهتمام تتعلق بتساقط الثلوج القليلة على قمة جبل شرم رغم الارتفاع المعروف في درجات حرارة الإقليم؛ ما يبرز التباين البيئي والمناخي العجيب الذي تتميز به جبال عُمان، ويمتد نهر الفلج الكبير وفق كلام الإدريسي من منبعه عند منح وجبل شرم ليكون شريان حياة حقيقيا، حيث يجري حاملا مياهه عبر سلسلة متصلة من القرى والعمارات البشرية العامرة التي تنتشر على ضفافه، متابعا رحلته الطويلة في الداخل العُماني حتى يصب أخيرا في مياه البحر وبهذا التخطيط الاستيطاني والزراعي المحكم، يبرز الداخل العُماني في مدونة الإدريسي كنموذج عبقري في هندسة الري واستغلال الموارد المائية، حيث تلاحمت القرى والمدن والواحات الخضراء في شبكة متصلة ربطت قلب عُمان بيئياً واقتصادياً بمنافذها البحرية الشمالية.
السيادة الملاحية على بحر الزنج وامتدادات المحيط الهندي
تجلت الريادة الملاحية العُمانية في قدرة بحارتها وأهل مرباط على خوض غمار المحيطات والوصول إلى أقاليم نائية، فقد كان العُمانيون يقصدون الجزر البعيدة مثل سرنديب أو سريلانكا لقطع خشب النارجيل وصناعة مراكبهم وصواريها وفتل حبالها من ليفه وخوصه أحيانا دون استخدام المسامير المعدنية ليحملوا تلك الأخشاب والبضائع ويبيعوها في أسواقهم. كما أبحرت المراكب العُمانية إلى جزائر الرانج/الزنج الواقعة قبالة الطرف الجنوبي لساحل كينيا، حيث يتبادل التجار العُمانيون المتاع مع أهلها، ويقصد هؤلاء بدورهم بلاد الزنج في زوارق ومراكب صغيرة لجلب أمتعتها بحكم التقارب اللغوي والتفاهم المشترك، وقد وثق النص هيبة العرب المرعبة ومكانتهم المهيبة في قلوب أهل الزنج لدرجة أنهم متى عاينوا تاجرا عربيا سجدوا له وعظموا شأنه قائلين بلغتهم هنيئا لكم يا أهل بلاد التمر، في إشارة إلى الارتباط الرمزي والتجاري العميق حيث كان المسافرون يتبادلون التجارة وينقلون الأبناء بالخدع المتعلقة بالتمر، ولم تقتصر السيادة البحرية على التجار بل امتدت لتشمل غارات أسطول جزيرة كيش على سواحل الزنج وسبي خلق كثير منها.
الملامح الاجتماعية والبيئية والبيئة الجغرافية الصعبة
يغوص الشريف الإدريسي في تفاصيل البنية الاجتماعية والدينية والبيئية لإقليم عُمان، عاكسا صورة حية لمدى تفاعل الإنسان العُماني مع بيئته الطبيعية بمركباتها ومخاطرها، فعلى الصعيد الاجتماعي والديني، يوثق الإدريسي بوضوح غلبة المذهب والثقافة الدينية للشراة (الإباضية) على أهل بلاد عُمان، مشيرًا إلى أن العدد الأكبر من الشراة في عصره قد تحشدوا وتحصنوا في بلدة جبلية وعرة ومنيعة تُسمى بثرون (غير معروفة اليوم ولعلها إحدى حواضر ظاهرة عمان) تقع في الجهة الغربية من بلاد عُمان، وقد استطاع أهل بثرون تطويع تضاريسهم الجبلية الصعبة عبر بناء قرى وعمارات متصلة ومتحصنة بقمم الجبال العالية التي ترتفع فوق بلدة بثرون الواقعة في أسفلها، مما وفر لهم ملاذا حصينا وحماية إستراتيجية فائقة.
أما على الصعيد البيئي والطبيعي، فقد أورد الإدريسي إشارات وعجائب فريدة تعكس خصوصية الحياة الفطرية في عُمان، ومنها ما رصده بشأن حية العربد التي يُنسب إليها ما يُعرف بالسكران المعربد، وهي حية تتسم بأنها تنفخ ولا تؤذي، وتتميز بكثرة تقافزها وحركتها السريعة، ويسرد الإدريسي اعتقادا شائعا وثقه في أخباره يفيد بأن هذه الحية متى أُخذت ووضعت في آنية زجاجية مُحكمة ثم أُخرجت إلى خارج حدود بلاد عُمان وتُفقدت الوعاء، فإنها لا تُوجد فيه أبدا وكأنها تختفي أو تتلاشى، في توثيق لثقافة الأساطير والغرائب البيئية المتداولة في تلك الحقبة، ولا تتوقف المخاطر البيئية عند الحيات، بل يحذر الإدريسي بحزم من دويبة صغيرة بالغة الخطورة تُسمى القراد، وهي حشرة دقيقة إذا ظفرت بجارحة من جسم الإنسان وعضته، فإن موضع العضة لا يبرأ بل ما تزال تتزايد وتربو وتتورم حتى تقيح وتتدود، وما يزال ذلك الدود يسعى ويتحرك في جوف الإنسان إلى أن يودي بحياته ويهلكه، وإلى جانب ذلك يعج إقليم عُمان بآفات حيوانية تمثلت في القرود الكثيرة المنتشرة في الجبال، والتي كانت تضر الأهالي ومزروعاتهم وتجمعاتهم إضرارا كليا وبشكل بالغ، لدرجة أنه ربما اجتمع منها العدد الهائل الذي يفوق الطاقة، بحيث لا يمكن دفع شرها ومهاجمتها إلا بالخروج إليها جماعيا مدججين بالقسي، والسهام، والسلاح العام للتمكن من ردعها.
وعلى صعيد شبكة المواصلات والمسالك البرية، يبرز الإدريسي الطبيعة الجغرافية الشاقة والوعرة لطرق عُمان البرية، فوصف الطريق الرابط بين عُمان ومكة المكرمة أو بلاد البحرين بأنه مسلك بالغ الصعوبة وشديد المشقة لكثرة القفار والمهالك الصحراوية وقلة السكان وانعدام الموارد. كما أشار إلى أن الطرق الساحلية والشمالية المؤدية من صحار إلى البحرين كانت متعذرة وسلكها محفوفا بالمخاطر الجسيمة بسبب تنازع القبائل العربية المستمر، ومحاربتهم الدائمة، وغاراتهم المتبادلة؛ ما جعل المسافر يفقد الأمان على نفسه وعلى أمواله وبضائعه، وهو ما فرض على العُمانيين اعتماد النقل البحري بوصفه الشريان الآمن والأكثر انتظاما عبر الموانئ نحو عدن والبصرة، واضطرار المراكب الصاعدة لاجتياز العوائق بتفريغ حمولاتها مؤقتا عند أطراف الجبال الغائصة في البحر.
وخلاصّة القول إن القراءة المتعمقة لمدونة الشريف الإدريسي في نزهة المشتاق تتجاوز بكثير كونها مجرد سرد جغرافي تاريخي تقليدي، لتكشف بوضوح عن صورة إقليم متكامل ومزدهر استطاع بفضل عبقرية أبنائه أن يوظّف إمكاناته البيئية المتنوعة -من مغاصات اللؤلؤ وثروات العنبر، إلى الواحات الزراعية الخصبة والمسالك البحرية العابرة للمحيطات- لصياغة حضور سيادي فاعل في خريطة العالم القديم، وهكذا ظلت عُمان بمدنها كصحار وقلهات ونزوى، وموانئها وثغورها الممتدة من جبال شحر الجنوب وحتى جلفار الشمال، رقما صعبا وقطبا تجاريا وملاحيا يحجز لنفسه مكانة رفيعة في الذاكرة الحضارية الإنسانية على مر العصور.
المصدر
-الإدريسي، محمد بن محمد بن عبدالله. نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ط1، عالم الكتب، 1989.




