أحمد بن سيف الهنائي
قبل أن ينبلج الفجر بتباشير قدوم الصبح الوليد، كان هاتفي يئن برسالةٍ ثقيلة: “خالي محمد في ذمة الله”، وكأن رحيلاً كهذا يجعل ظلمة الليل مستمرة في النفس، فأنّى لصبح الفؤاد أن يتنفس. هذا الرحيل جاء في وقتٍ كانت الأماني الغوالي تهدئ من روع القلب، تلك الأمنيات ظلت صامدة أمام معاناة محمد بن خميس النعماني مع المرض، وهي ذاتها من جعلتني أنمق الحديث لوالدتي عن تحسن صحته قبل أقلَّ من 8 ساعاتٍ من الفاجعة.

أثناء خروجه من المستشفى في هَدْأةٍ كانت كمثابة نافذة نورٍ مشرعة على فضاءٍ واسع، كان يردد وهو ممددٌ على سريره ويشعر بدفء زوجته التي كانت تلبسه ثوب الوفاء وتقاسمه الوجع: “رضيتُ بقضاء الله وقدره.. رضيتُ بقضاء الله وقدره”، لا أدري لماذا شعرتُ بقتامةٍ تخنق النفس، هل كان يشعر بدنو الأجل رغم سعادتنا الكبيرة بتحسن صحته؟
كلما جاءه زائر شعَّ وجهه، وابتسمت عيناه، وكأنه يستعير من نيتشه عبارته: “حتى في أشد حالات المرض لم أكن مريضاً”، كان يحنو على أبنائه وبقية أهله إذ يتظاهر بتمام الصحة وتواري الألم، لكنه -رحمه الله- يعلم يقيناً أن صدور محبيه تقاسي ألم مرضه أكثر منه.

بقيتُ فترةً أتردد عليه وهو باقٍ في سرير المستشفى، وكلما أتيتهُ وجدته ملأ المكان مهابةً، يترك لك مساحةً من حميميةٍ صامتة، وأوصالٍ روحية متدفقة، لا يشعر بلذتها إلا من اقترب منه كثيراً، وكثيراً ما كان قربه فردوساً لكل من اقترب، في أيامه الأخيرة كنتُ أشعر براحةٍ كبيرة، لمجرد أن نتبادل الحديث بنظرةٍ خاطفةٍ منه، كان يعلم بوجودي، وكنتُ أفهم ترحيبه بي، نظراته تلك لم تفارق مخيلتي حتى بعد مرور عامين على رحيله.
وفي 30 يوليو 2016م، رحل خالي عن هذا العالم، رحل وقد خلّف وراءه ذكرياتٍ تفيض بالإنسانية والحب والجمال، رحل ولم أحضر جنازته بملء إرادتي، ادعيت المرض يومئذ، فقط لأني لم أقوَ على رؤيته راحلاً، ذلك أنه حتى اللحظة يعيش حياً في عالمي ومراتع قلبي، وقد كنتُ من قبل أشك في دِقة عبارة درويش “لم يَمُتْ أَحَدٌ تماماً، تلك أَرواحٌ تغيِّر شَكْلَها ومُقَامَها”، إنما اليوم أنا مؤمنٌ بأن الموت لا يعني سوى انتقالٍ تام من حياة منتهية إلى حياةٍ أخرى مبتدئة، وأن العوالم لا تنتهي حتى قيام الساعة، ويبقى فصل الخطاب في أن “الإنسان لا يموت ما دام له أثرٌ لم يمت”، وما أكثر الآثار الحية التي خلفها أبا سُليمان.
هل لك أن تمنحني صبرك الجبار لأجابه العالم كما جابهت الحياة أنت بطمأنينةٍ لا مثيل لها؟ في حلك وترحالك كنتَ تثير الفضول فيمن حولك لما تملك من رباطة جأشٍ وسكينة، كنتَ مشرقاً بالأمل، وكانت بذورك تزهر في قلوب جلاسك، أخذت معي من ألبوم الذكرى ما يصلح لروايةٍ يطول سردها، لكن مناجاة الحبيب تظل صامتةً لا يسمع رجع صداها سوى الفؤاد.





