
يأتي تناولنا لهذا الموضوع في ظل حالة الترقب المجتمعي لنتائج طلبة الدبلوم العام للفصل الدراسي الثاني، وحالة الاستنفار التي تعيشها مؤسسات التعليم في هذا الشأن سواء من مخرجات التعليم المدرسي الذين سيودعون المدارس بعد مرحلة حياة تعليمية حافلة بالمواقف جديرة بالوقوف على تفاصيلها وإدراك تحدياتها، وما أكسبته خريجي التعليم المدرسي من قيم ومهارات وقناعات وأفكار ستكون لهم رصيدا في حياتهم الدراسية المقبلة، وجهود أخرى موازية لها تقوم بها مؤسسات التعليم العالي وجامعة السلطان قابوس وغيرها في استقطاب هذه المخرجات وفق شروط الالتحاق في مقاعدها الدراسية ، ودور مركز القبول الموحد الذي أعلن عن نتائج الفرز التجريبي للطلبة الذين يتوقع حصولهم على عروض لمقاعد دراسية بعد ظهور النتائج النهائية أو الطلبة الذي قد لا يحصلون على اية عروض للعام الأكاديمي 2018/ 2019 ، وهي فترة تحمل الكثير من المعطيات المرتبطة بالمسار التعليمي وتعكس القوة الخفية التي يمكن أن يصنعها التقدير المجتمعي في التعليم والثقة في برامجه وخياراته وبدائله، بما يؤسسه من مقاييس قادم في ألسنة الخريجين وحناجرهم وهم يتحدثون عن مرحلة التعليم المدرسي ويضعون نمط تعليمهم وتعلمهم أمام مقارنات تحكمها قدرته على الوفاء بطموحاتهم وتعميق مساحات التفاؤل لديهم بما ينتظرهم من مستقبل واعد عبر الانخراط في مؤسسات التعليم العالي الداخلية والخارجية، وما قد تؤسسه هذه المقارنات من انتقادات على التعليم المدرسي عندما تتجافى نتائج الطالب في مرحلة الدبلوم العام فيها الرغبة مع التخصص أو الطموح مع الإرادة ، ويبقى حجم الثقة مرهون بما أنتجته هذه السنوات من فرص التغيير والتحول في سلوك الطالب وتكوين شخصيته القيادية التي يستطيع أن يفهم بها عالمه المتغير وعوالمه المتجددة ويحدد خلالها موقعه في خريطة البناء الإنساني.
وبالتالي تأسيس الطالب علميا وأخلاقيا ومهنيا بالشكل الذي يعيش تحولاته القادمة بمدد الماضي التعليمي وحضوره في ذاته، فيقوى جانب الثقة لديه وينمو مسار التميز معه، ويرتقي بحجم التوقعات التي ينشدها في التعليم، بما يضمن بناء نظام تعليمي عالي الجودة يٌلبّي الحاجات ويحقق الطموحات ويصل بالمجتمع وأفراده إلى مستويات من الرقي والوعي، وهو أمر يتطلب تحققه محددات عمل واضحة ومسوغات مقبولة قائمة على معايير متناغمة مع طبيعة الهدف والغاية الكبرى من التعليم، واستيعاب التحولات الحاصلة في الواقع الكوني وتوجيه البرامج نحو الوصول إلى منظومة أداء تحمل في ذاتها عوامل نجاحها ومنطلقات تفوقها، بما يعني الحاجة إلى أن تسير منظومة تعلم الطلبة وفق مؤشرات قياس أداء تراعي مبدأ التنوع والعدالة والخصوصية وتستوعب الاختلاف وتتقاسم المشترك ، وتعتمد منهجيات وأساليب ونظم تقييم متنوعة ومعايير قياس محددة.
لذلك كانت منظومة تعلم الطلبة محل نقد ورأي وتساؤلات مستمرة من قبل المتعلم وولي الأمر والمجتمع ورجال الأعمال وقطاع المال، حتى أصبح الشغل الشاغل في المجتمع ماذا يمتلك التعليم من الأدوات المتناغمة مع طموح الأجيال والأسر والمجتمع، وكيف يمكن لمنظومة التعليم أن تعمل على بناء إطار وطني يستقطب الكفاءة ويسهم في توفير فرص عمل لها عبر محطات التوطين والتمكين، في ظل منظومة المهارات والقدرات والاستعدادات التي يٌوجِدها في المتعلمين. وأصبحنا اليوم لا نقرأ مجلة أو جريدة أو موقع الكتروني إلا ويتناول قضايا التعليم ويناقش أحد محاوره ومجالاته، ويشخص واقعه، وتحدياته وجوانب قوته وضعفه، حتى كان الأداء التعليمي على لسان كل فرد في البيت والشارع والمؤسسات، وعلى ألسنة الكتّاب والباحثين وغيرهم.
وعليه، هل يعبر هذا الاهتمام المجتمعي بالتعليم عن مسار صحي يجدد فيه مداخل التطوير ويعيد صياغة انتاجه بطريقة تقترب من طموحات الأجيال؟، إن الاجابة عن هذا التساؤل تضعنا امام تقييم مستمر لكل المعطيات التي يبدأ فيها حديث المجتمع عن التعليم والمسببات التي تضعه في موقف المتعاطف مع التعليم وقضاياه، وما إذا كانت المسألة مجرد حالة وقتيه نظرا لما تتطلبه تلك الفترة من التعليم أن يقوم به ( فترة الاختبارات، نتائج الطلبة انجازات التعليم أو اخفاقاته)، أم أن الاهتمام يحمل طابع الاستدامة والواقعية، وبالتالي تحول هذ الحوار المجتمعي حول التعليم إلى شواهد عمل توجه التعليم نحو أولوياته وتتجنب إشغاله بقضايا شخصية أو أفكار بات البحث فيها يجانب التحول المجتمعي ويعيد في الذاكرة حالة التأزم الفكري أو الانغلاق المعرفي والتشاؤم واليأس المتراكمة التي ما زالت تلاحق البعض حول نظريات التعليم وفلسفة عمله، وعلى عكس ذلك عندما يجد المجتمع في حديثه عن التعليم فاتحة أمل ومدخل لإعادة هندسة الواقع التعليمي بطريقة تعيد للتعليم هيبته وتضمن له نجاحاته وتؤصل فيه مسارات القوة في نواتجه، وتبرز حالة التقارب مع ما تطرحه مراكز البحث والتطوير من نظريات ومستجدات ومحددات نوعية تنقل التعليم إلى مرحلة القوة الفكرية وتجلياتها لصناعة انسان واعي في عالم متغير، عندها يصبح الحوار حول التعليم ظاهرة صحية تستحق التشجيع والتأطير الإيجابي لها في ذاكرة المجتمع.
من هنا نعتقد بأن التجديدات الحاصلة في منظومة التعليم بالسلطنة في العقدين الماضيين ومسارات التقييم والمراجعة التي وجهت الأوامر السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه إليها حول سياسات التعليم وبرامجه وخططه وما نتج عنها من إنشاء مجلس للتعليم، منطلق لرؤية أعمق تضمن منح شركاء التعليم قوة الرأي الواحد المتعدد المصادر، وتعظيم القيمة المضافة لما يٌطرح من أفكار ومرئيات عبر شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها ودراستها بشكل علمي يتجاوب مع منطق التجديد الذاتي، ويعبر عن مسار تنافسي يوفر أدوات قياس ما يريده المتعلم من التعليم وما يمكن أن يحققه التعليم له في ظل اتساع طموحه وتغير متطلبات الواقع الذي يعيشه. فهل سيؤدي الترقب المجتمعي لنتائج أبنائه في اختبارات الدبلوم العام عن استمرارية شغف البحث في مسار تطوير التعليم والمشاركة الفاعلة في أجندته؟



