تقرير كشف عن فراغ تنظيمي: من يكفل حقوق مواهبنا الصغيرة عند انتقالها إلى الخارج؟

عن الكاتب

تقرير كشف عن فراغ تنظيمي: من يكفل حقوق مواهبنا الصغيرة عند انتقالها إلى الخارج؟
تقرير كشف عن فراغ تنظيمي: من يكفل حقوق مواهبنا الصغيرة عند انتقالها إلى الخارج؟
أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
حين يغادر طفل عُماني موهوب في كرة القدم إلى نادٍ خارج سلطنة عُمان، تبدو الخطوة في ظاهرها بداية لحلم كبير، وربما طريقاً مبكراً نحو الاحتراف. لكن خلف هذا الحلم، تبرز قضية تستحق التوقف عندها: مواهب يافعة تغادر بيئتها الرياضية المحلية من دون إطار واضح ينظم انتقالها، أو يضمن حقوقها، أو يحدد مسؤولية الجهات المعنية عن مستقبلها.
القضية لا تتعلق فقط بخسارة الأندية المحلية لمواهب يمكن أن تشكل نواة لجيل جديد من اللاعبين، بل تتصل بما هو أبعد من ذلك؛ بأطفال ينتقلون في سن مبكرة إلى بيئات رياضية وتعليمية مختلفة، وأولياء أمور يجدون أنفسهم أمام قرارات كبيرة من دون مظلة تنظيمية واضحة.
وهنا يبرز السؤال: هل يمثل خروج الموهبة العُمانية في سن مبكرة خطوة مدروسة نحو صناعة لاعب محترف، أم أنه فراغ تنظيمي قد يضع حقوق الطفل ومستقبله أمام احتمالات غير محسوبة؟

حين يصبح الحلم قضية حقوق

لا يمكن النظر إلى انتقال المواهب الصغيرة بمعزل عن حقوق الطفل، فالمسألة لا تقف عند حدود كرة القدم، وإنما تمتد إلى حق النشء في الحماية والرعاية والتعليم والنمو في بيئة آمنة.
وفي هذا السياق، أشارت اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي لعام 2025م، إلى رصد انتقال عدد من الأطفال العُمانيين من ذوي المهارات الرياضية الواعدة إلى خارج سلطنة عُمان للالتحاق بأندية خارجية بهدف التدريب أو الاحتراف المبكر.
وبحسب ما أوردته اللجنة، فقد لوحظ في بعض الحالات قيام أولياء أمور أطفال غير المرتبطين بعقود مع الأندية العُمانية بتسجيل أبنائهم في أندية خارجية، من دون إشراف من الاتحاد العُماني لكرة القدم، وهو ما قد ينعكس على حقوقهم الأساسية المكفولة بموجب النظام الأساسي للدولة، وقانون الطفل، والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.
ولم تكتفِ اللجنة برصد الظاهرة، بل دعت إلى تنظيمها، إذ رفعت خطاباً إلى الاتحاد العُماني لكرة القدم أوصت فيه بإعداد تنظيم قانوني يحد من الممارسات المرتبطة بانتقال اللاعبين القُصّر، بالتنسيق مع الجهات الوطنية والآليات الدولية المختصة.
وترى اللجنة أن هذا التنظيم ينبغي أن يضع قواعد واضحة تحمي حقوق اللاعب دون سن 18 عاماً، سواء كان مسجلاً لدى الاتحاد أو غير مرتبط بعقد مع أي نادٍ داخل سلطنة عُمان، خصوصاً في حالات الانتقال الدولي، وبما ينسجم مع القوانين الوطنية والاتفاقيات المعنية بحقوق الطفل واللوائح المعتمدة لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).

لماذا يغادرون مبكرا؟

وراء كل طفل يغادر، قصة مختلفة؛ أسرة ترى في الخارج فرصة أفضل، وموهبة تبحث عن بيئة أكثر تطوراً، ونادٍ محلي قد لا يملك الإمكانات الكافية للاحتفاظ بها. لكن اجتماع هذه العوامل قد يصنع ظاهرة أكبر من الحالات الفردية.
في مقدمة الأسباب يأتي تفاوت مستوى الاهتمام بقطاعات المراحل السنية، إذ تواجه بعض الأندية تحديات مالية وفنية تحد من قدرتها على تطوير الأكاديميات وتوفير منظومة متكاملة تشمل التدريب المتخصص والرعاية الطبية والتأهيل البدني والنفسي.
كما أن غياب أطر تعاقدية وتنظيمية واضحة لبعض المواهب الصغيرة يفتح المجال أمام انتقالها خارج المنظومة المحلية بسهولة أكبر، خصوصاً عندما لا تكون مرتبطة بعقود مع الأندية.
وفي المقابل، يزداد تأثير الصورة التي ترسمها كرة القدم العالمية في أذهان الأسر؛ فقصص اللاعبين الذين انتقلوا في سن صغيرة إلى أكاديميات وأندية عالمية تغذي طموحاً مشروعاً لدى أولياء الأمور، لكن الطريق إلى الاحتراف لا يخلو من مخاطر، خصوصاً عندما يتم عبر وسطاء أو ترتيبات لا تخضع لإشراف مؤسسي كافٍ.

بين الطموح والاحتراق المبكر

الانتقال إلى بيئة كروية جديدة قد يكون فرصة ثمينة للموهبة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى ضغط مبكر إذا لم يراعِ عمر الطفل واحتياجاته النفسية والتعليمية والاجتماعية.
فاللاعب الصغير لا يحتاج إلى التدريب فقط، بل إلى منظومة متوازنة تحافظ على تعليمه، وتراعي نموه النفسي والبدني، وتمنحه بيئة مستقرة تساعده على التطور. وعندما ينتقل الطفل من محيطه الأسري والاجتماعي إلى بيئة تنافسية جديدة في سن مبكرة، فإن غياب الدعم المناسب قد يزيد من احتمالات الضغط النفسي والاحتراق الرياضي المبكر.
ومن هنا، فإن تطوير اللاعب لا يقاس بعدد التدريبات أو قوة المنافسة وحدهما، بل بمدى قدرة المنظومة على بناء لاعب متكامل، داخل الملعب وخارجه.

ماذا يقول “الفيفا” عن انتقال اللاعبين القُصّر؟

وضع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ضوابط صارمة على انتقال اللاعبين القُصّر بين الدول، انطلاقاً من الحاجة إلى حمايتهم من الاستغلال والاتجار بالمواهب، وضمان عدم تحول كرة القدم إلى سوق تستغل الأطفال تحت غطاء الاحتراف، وتنص لوائح الفيفا على قيود مشددة بشأن الانتقالات الدولية للاعبين دون سن 18 عاماً، مع استثناءات محددة تخضع لشروط وإجراءات دقيقة، منها ما شرّعته ”المادة 19“ من لائحة انتقالات اللاعبين.
وهذا الإطار الدولي يطرح سؤالاً مهماً أمام كرة القدم العُمانية: كيف يمكن بناء مسار وطني واضح للمواهب الصغيرة، يوازن بين حقها في تطوير موهبتها وطموحها في الاحتراف، وبين ضرورة حمايتها من أي انتقال غير مدروس؟

مأسسة الحلم

الحل ليس في إغلاق الأبواب أمام المواهب، ولا في وضع قيود تحول دون تحقيق طموحها، بل في بناء منظومة تجعل هذا الطموح أكثر أماناً وتنظيماً، وتجارب دولية، مثل أكاديمية “كليرفونتين” في فرنسا وأكاديمية “أسباير” في قطر، تُقدّم لنا نماذج على الاستثمار المؤسسي في المواهب، من خلال توفير بيئة متكاملة تجمع بين التدريب والتعليم والتأهيل، وتعمل على تطوير اللاعب قبل انتقاله إلى مستويات الاحتراف الأعلى.
وفي الحالة العُمانية، قد يكون التحدي الحقيقي هو الانتقال من التعامل مع الموهبة بوصفها حالة فردية إلى اعتبارها جزءاً من مشروع رياضي وطني؛ مشروع يكتشفها مبكراً، ويحتضنها، ويطورها، ويحمي حقوقها، ويهيئها للاحتراف في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، أكد معالي السيد سعود بن هلال البوسعيدي، وزير الثقافة والرياضة والشباب، خلال اللقاء السنوي للوزارة الذي عُقد في 24 مايو 2026م، أن قطاعات الثقافة والرياضة والشباب تمثل منظومة وطنية متكاملة لبناء الإنسان، وترسيخ الهوية العُمانية، وتعزيز جودة الحياة، وتمكين الشباب.
وأشار معاليه إلى أن الوزارة -تنفيذًا للتوجيهات السامية- ستعمل خلال المرحلة المقبلة على إطلاق حزمة من البرامج والفعاليات النوعية الهادفة إلى اكتشاف المواهب الشبابية وصقلها وبناء قدراتها، وتهيئة البيئة الممكنة لنموها وتطورها، موضحًا أن برامج الوزارة ومشاريعها تُنفذ وفق رؤية تستند إلى مستهدفات رؤية عُمان 2040، وتركز على تعميق الأثر المجتمعي، وتوسيع نطاق الوصول إلى المحافظات، وتطوير الخدمات والبنية الأساسية، وتعزيز حضور سلطنة عُمان ثقافيًا ورياضيًا وشبابيًا على المستويين المحلي والدولي.
ومن هنا، تبدو توصية اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان للاتحاد العُماني لكرة القدم خطوة في اتجاه سد فجوة تنظيمية تحتاج إلى معالجة، فوجود بروتوكول وطني واضح يمكن أن يحدد مسار انتقال اللاعبين القُصّر، ويضمن مراجعة قانونية للحالات، ويحفظ حق الطفل في التعليم والرعاية، ويتأكد من توافق أي انتقال خارجي مع قوانين حماية الطفولة ولوائح الفيفا.
ختامًا: قد تكون أحذية هؤلاء الأطفال صغيرة على ملاعب الاحتراف، لكنها تحمل أحلاماً كبيرة، والمسؤولية ليست في منعهم من الحلم، بل في أن تكون الطريق التي يسلكونها نحو ذلك الحلم آمنة، قانونية، ومدروسة.
يُذكر أن اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان أصدرت اليوم تقريرها السنوي لعام 2025، الذي تضمّن أرقامًا وإحصاءات مفصّلة، إلى جانب نماذج من البلاغات التي رُصدت وتم التعامل معها في مختلف المجالات، من بينها المجالات الإنسانية والصحية والتعليمية والمعيشية والحقوقية وغيرها. ويمكن الاطلاع على التقرير (من هنا).

شارك هذا الخبر