جعفر سلمان – كاتب وروائي من البحرين
أتردد كثيرًا في تسمية الإلحاد الذي بدأ ينتشر في مجتمعاتنا بالظاهرة، لسبب بسيط، وهو أن الظواهر يمكن قياسها ومراقبتها وبالنتيجة يمكن دراستها وفهمها، بينما الإلحاد المنتشر حاليا في أغلبه ليس سوى خبط عشواء بلا هدف أو فكر أو علم، فالأمر ينتشر وكأنه موضة لدرجة أنه ذكرني بموضة الكيكي التي انتشرت مؤخرًا، وعند تدقيق النظر فسنجد أن هناك الكثيرين بالفعل يجدون الأمر (كووول) لا أكثر ولا أقل.
تواصلت مع العديد منهم باستعمال مواقع التواصل الاجتماعي (المكان المفضل لديهم) محاولًا رصد سبب الإلحاد، وللأسف لم أتمكن من ذلك في أغلب الحالات، فالبعض لا يعرف حتى لماذا ألحد ويكتفي بالتفاخر أنه ملحد وكفى، بينما آخرون يرفضون النقاش في تلك الشبهات التي يلقونها لأنها قولبت ولقنت لهم ولا يستطيعون بالتالي الدفاع عنها فنراهم يصرون على طرح الأسئلة ورفض استقبالها، وللأمانة وجدت أغلب من امتلك القليل من الحجة وقد وضعوا السبب على داروين ونظرية التطور خاصته، رغم أن عددا لا بأس به من هؤلاء لم يقرأوا حرفًا من كتابه أصل المخلوقات، وبعضهم وضع السبب على الدين الإسلامي نفسه، الذي عرفوه من خلال انعكاس صورته على مرآة صدئة عبارة عن رجل دين أدخل نفسه في متاهات فكرية غرق فيها وأغرق من معه، فبات الإسلام في نظرهم هو نفسه الهراء الذي تلفظ به هذا أو ذاك.
في الواقع المشكلة كبيرة وموجودة عند الطرفين، الملحدين والمؤمنين، فكلاهما يناقش في مسائل لا يمكن أن تثبت بالطريقة العلمية التقليدية، فلا المؤمنون يستطيعون إبراز دليل مادي علمي يثبت وجود إله، ولا الملحدون يستطيعون إبراز دليل علمي مادي يثبت العكس، رغم محاولات بعض الملحدين التهرب من الأمر بادعاء أن النافي لأمر ليس ملزمًا بإثبات نفيه، بينما الحق أن كلاهما أطلق حكمًا على قضية، أحدهما بالإيجاب والآخر بالنفي، والحاكم على قضية لابد له من إبراز دليله، والواقع هنا أن التيه والجهل أصبحا سيدا الموقف.
في أحد المواقف الذي صادفني مع أحدهم، كنت أجلس مع الأصحاب في أحد المقاهي (التي نادرًا ما أتردد عليها) حين انضم لنا شاب في مقتبل العمر، ربما بالكاد وصل لسن العشرين أو الواحد والعشرين، شاب ترتسم معالم التمرد على هيئته بشكل واضح رغم أنه لم ينطق بحرف واحد طيلة الجلسة إلى أن نحا الحديث ناحية الدين.
سألني بلا مقدمات “هل تستطيع إثبات وجود الله؟” فأجبته بلا تردد “لا، لا أستطيع ذلك، فكل الأدلة على وجود الله هي أدلة عقلية وأنت تستطيع التشكيك فيها كلها”
سكت قليلًا ثم سأل “ماذا تعتقد أن يكون مصيري كملحد في الآخرة” فأجبته وبلا تردد أيضًا “لا أعرف، فأنا لست بمقام أن أتحدث وأقرر نيابة عن الله”
بان الضيق عليه قليلًا وهو يسأل “كيف إذن تؤمن بوجود شيء وأنت لا تستطيع إثبات وجوده؟” أجبته بتلقائية “لأني أؤمن فلا أحتاج لدليل مادي ليقوم عليه إيماني، فالإيمان يختلف عن المعرفة التي تقوم على الدليل، فأنت تعرف بأن لديك رأسا ولا تحتاج للإيمان بذلك، لكنك تؤمن بأن فلانا من الناس يحبك مثلًا دون أن تمتلك دليلًا على إيمانك، وقد يكون يخدعك من حيث لا تعلم، فإيمانك ذاك لن تستطيع اثباته لي ولو بقينا نتحدث إلى الصباح، فالمسألة لا تقبل الدليل العلمي وكذلك الإيمان أيضًا لا أستطيع اثباته لك لأنه خاص بي”
لم يدم النقاش معه طويلًا، فالشاب معتاد على أسئلة معلبة وجاهزة ليحاول أن ينقض بها أجوبة معلبة وجاهزة يتوقع أن يسمعها من الآخرين، ولما اختلفت الأجوبة قليلًا تورط واضطر إلى تغيير الموضوع.
لم يكن ذلك الشاب حالة شاذة في مجتمعاتنا، شخص حفظ بعض الحجج ولم يناقشها بينه وبين نفسه، حفظ بعض المعلومات ولم يكلف نفسه عناء التأكد منها، ثم أخذها كسلاح يضرب بها شرقًا وغربًا وهنا نجد أنفسنا أمام مشكلة كبيرة أخرى نعاني منها في هذا الموضوع، مشكلة متصلة بتركيبتنا الفكرية كشعوب عربية، وهي عدم وجود القدرة لدينا على قول كلمة (لا أعرف) وفي هذا الأمر يتفق الملحد مع المؤمن، فالموضوع متصل بكبرياء وماء وجه، فلا المؤمن مستعد لإظهار نفسه بأنه لا يعرف ولا الملحد كذلك، فبتنا ندافع عن الجهل في كثير من الأحيان رغم يقيننا أنه جهل.
نحن إذن أمام معضلة مركبة من جهل وعناد، أسوأ خليط ممكن لممارسة الخطأ، جهل بسبب الحكم بلا دليل وعناد يتمثل برفض الاعتراف بعدم المعرفة، وبالنتيجة يكون الخروج من هذه المعضلة أصعب من غيرها، ومواجهتها أشرس، ومحاولة حصرها في إطار معين لفهمها هي العبث بعينه.
أنا على قناعة تامة أن التشويه الأكبر لديننا الاسلامي يأتي من المتدينين أنفسهم، فيكفي مثلًا ما قامت به داعش تحت راية الإسلام لتشويه صوة الدين لعشرات السنين القادمة، ويكفي ظهور أحمق يرتدي عباءة الدين بعلبة ماء يحاول من خلالها إثبات أن الأرض مسطحة لإظهار ديننا كدين متخلف، أو يكفينا خروج أحد السفهاء ينكر وصول الأمريكان وغيرهم إلى الفضاء لأن النفاذ من السماوات يحتاج لسلطان إلهي والله تعالى لم يعط هؤلاء سلطانا، نعم يكفي أولئك لتشويه صورة الدين، ولكن الباحث الحق لابد وأن يستطيع تجاوز هذا السفه، والنظر لما خلفه، ولابد وأن يستطيع التفريق بين مقال أو شبهة ألقاها على متدين وأحرجه بها وبين الدين نفسه، فهو في النهاية باحث في الدين لا المتدينين.
لا أريد الغوص كثيرًا في تلك المقالات أو موضوع الشبهات التي يطلقها الملحدون والتي عجز عنها الكثيرون، فلا المجال يسمح ولا المقام كذلك، فطرح تلك الشبهات يستدعي تأليف كتب لا كتابة موضوع صغير كهذا لا يتجاوز حجمه الألف كلمة ، لكن أريد التركيز على فكرة مهمة وهي أن الإلحاد أو الإيمان حالتان فكريتان لا علاقة لهما بالعلوم التجريبية القائمة على الدليل والقياس والملاحظة، ولذلك يكون العبث بعينه محاولة إثبات الايمان أو نفيه باستعمال طرق علمية.
ومن هنا ربما أستطيع إطلاق دعوة لمن يتخذ الإلحاد سبيلا، أدعوهم من خلالها لترك القشور والتوجه للب المسألة، ترك التاريخ الإسلامي المدون الذي كتب جزء كبير منه من قبل دول وهيئات سياسية ولأغراض سياسية والتوجه للقرآن، ترك ما يقوله فلان وعلان من الناس والتوجه لقول الله تعالى.
عزيزي الملحد ضع في اعتبارك أنك لن تستطيع الوصول للحق من خلال القرآن إلا عندما تقبل عليه متعلمًا لا عالمًا، لن تستطيع فهمه إلا عندما تقبل عليه متجردًا من كل النتائج المسيقة والفهم والمسبق، واختصارًا أقول اقبل على القرآن لتفهم وأنت تفهم، اقبل عليه لتتعلم وستتعلم.





