تاريخ عمان
أثير- د.محمد بن حمد العريمي
تطالعنا كتب التاريخ ووسائل الإعلام المختلفة بالعديد من الأسماء البارزة المهتمة في المجالات المختلفة كالتاريخ، وعلوم الدين، والأدب، وغيرها من المجالات، لكننا لا نقرأ كثيرًا عن باحثين مهتمين في تأريخ وأرشفة أخبار الطقس والمناخ، ورصد الأحوال الجوية.
وخلال الفترة الأخيرة شدني أحد الحسابات في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) كون صاحبه يعرض لمعلومات تاريخية لافتة للاهتمام حول تاريخ الأحداث المناخية في السلطنة خلال الفترات الماضية، ويدعم هذه المعلومات بوثائق يبدو أن جهدًا كبيرًا قد بُذل في سبيل الحصول عليها، فكان الفضول للاقتراب من هذه الشخصية والحديث عنها في هذه السطور عبر “أثير”.
هو الباحث الشاب حارث بن حمد السيفي ابن الثلاثة والعشرين ربيعًا، وسليل أسرةٍ عريقةٍ أنجبت العديد من العلماء والمشتغلين في مجال علوم الدين والتاريخ وبقية العلوم، خريج الكلية التقنية العليا والمتخصص في الهندسة الكيميائية الذي ذهب بعيدًا ليهتم بمجال قد لا يلقى اهتمام الكثير من الباحثين لأسباب عديدة تتعلق بندرة معلوماته، وصعوبة الحصول عليها، وصعوبة تقديمها كذلك للقارئ العادي على الرغم من اجتهادات متفرقة لبعض الباحثين ومن بينها ما يقوم به قريبه الباحث محمد بن عبدالله السيفي من تأريخ لبعض الأحداث المناخية، وباحثون آخرون كذلك.

اهتمام مبكّر
يقول السيفي إن حب الأرشفة المناخية منبعه حبه للطقس ومشتقّاته، فقبل دخوله الكلية التقنية كان يتابع منذ الصغر الأجواء والسحب والأمطار وينتظر قدومه متابعًا للنشرات الجوية التي يعرضها تلفزيون سلطنة عمان بعد أخبار الساعة 2 ظهرًا و5 عصرًا والـعاشرة ليلًا، ومع تأثر السلطنة بالأنواء المناخية في 2007 “جونو” انتقل للبحث عن هذه المواضيع عبر الإنترنت على الرغم من صغر سنّه، ثم دخل في عالم المنتديات وبدأ حب البحث والتقصي.
وعن بدايته الفعلية في الأرشفة المناخية يقول إنها كانت بعدما تم تعيينه مشرفًا على قسم التوثيق بمنتدى الخيمة العمانية عام 2011 تقريبًا حيث بدأ بتدوين الأحداث المناخية أولًا بأول والبحث عن التواريخ الأقدم، ومع الأيام وجد نفسه لا يفارق التوثيق والبحث عن الأحداث القديمة وتجمعت الكثير من الصور والبيانات والمستندات والوثائق الرقمية على جهاز الكمبيوتر لديه، وقام بترتيبها وتنظيمها للاستفادة منها بشكل أفضل، وبدأ في السنوات الأخيرة بالتحرك في العالم الافتراضي بذهابه للجهات الحكومية المختلفة طالبًا المعلومات والبيانات المتعلقة بالطقس والمناخ.
جهود بارزة
جهود واضحة بذلها الباحث في هذا المجال من العلوم من بينها تجميع المعلومات لتأليف كتاب شامل للأحداث المناخية في السنوات الماضية الأخيرة كونها مطلوبة للباحثين من تخصصات مختلفة، كما قام بإعداد أوراق أرشيفية مختلفة عن ذكر وتفصيل وتفسير لعواصف 2-3 مايو 1981م، عاصفة أغسطس 1983 المدارية، أحداث إعصار 1963م المداري، بالإضافة إلى ورقة بحثية من 18 صفحة عن الإعصار المداري مكونو.

كما قام بالتوفيق بين الأعمال الأرشيفية وربطها بالظواهر الجوية العالمية والأقليمية وأهمّها ما كتبه عن علاقة أمطار جبال الحجر الصيفية بمؤشر القطبية الهندية، بالإضافة إلى تحويل بيانات الأمطار التابعة لوزارة البلديات ما قبل سبتمبر 1992 من شكل ورقي إلى شكل رقمي وقد أخذت منه عاما كاملا كون البيانات هائلة تصل لأكثر من 209 محطات وبعض المحطات تعود لعشرات السنوات وبياناتها يومية وليست شهرية.
كما وقع بيد الباحث وثائق تم تحويلها رقميًا تابعة لسفن البحرية البريطانية فقام بتنقيح الآلاف منها واحتفظ بـ 1461 وثيقة منها 60 وثيقة تذكر الأمطار والعواصف الرعدية التي تعرضت لها البلاد خلال الفترة من نوفمبر 1913م إلى يناير 1924م.
وبعد أن كان المتعارف عليه أن أول رصد جوي كان قد بدأ منذ عام 1890م، حصل الباحث على وثائق لرصد جوي للفترة من 1877 إلى 1890م وهي أقدم من المعروف سابقًا، ثم الاكتشاف الأخير وهو العثور على معلومات حول رصد جوي قديم وجده في أحد الكتب القديمة يعود لشتاء 1835م الذي هو أقدم من الاكتشاف السابق بـ 40 سنة وهو من الإضافات الرائعة والمهمة في مجال المناخ العماني.
معلومات وملاحظات واستنتاجات
ملاحظات واستنتاجات عديدة خرج بها الباحث حارث السيفي من جهده في المجال؛ أبرزها أنّ ما يُقال لدى كبار السن حول قضايا الطقس والمناخ ليس صحيحًا بالإجمال فإنه يحتمل الخطأ، فقد وُجِدَ الكثير من موجات الجفاف التي عانت منها عمان في مختلف القرون وليس كما يُشاع أن أمطار السابق أكثر، بل الأصح أنْ يُقال بأن الفترة السابقة الفلانية ممطرة والفترة الفلانية السابقة جافة ومن الملاحظ أرشيفيًا أن الأمر كله عبارة عن دورات مناخية للخصب والجفاف فلا يلبث جفاف إلا يعقبه خصب والعكس صحيح.

ومن الملاحظات الأخرى هو علاقة الأمطار بعمان ببعض الظواهر الجوية العالمية كاحترار المحيط الهادي وكذلك قطبية المحيط الهندي وغيرها من الظواهر التي يعرفها أهل الاختصاص في مجال الفيزياء المناخية، وكذلك موضوع الأعاصير ففي الأرشيف توجد فترات مرّت على عمان شهدت نشاطا للأعاصير والحالات المدارية منها الفترة بين 1880 إلى 1900م حيث تأثرت عمان بحالات مدارية مختلفة أبرزها إعصار 5 يونيو 1890م الذي أدى إلى وفاة 727 شخصا وتأثرت شمال عمان تأثّرًا هائلًا وهو مشابه لمسار الإعصار جونو ولكن الفرق أن إعصار 1890م دخل اليابسة وانتهى في عمان، وكذلك مرت على عمان فترة ركود للحالات المدارية خصوصًا الفترة من 1900 إلى 1947م .
كما أن درجات الحرارة بشكل عام في ارتفاع في العقود الأخيرة فموجات التطرف الحرارية تتكرر عدة مرات خلال فترات الصيف وآخرها أن قريات سجلت أعلى درجة حرارة صغرى في العالم خلال الصيف الفائت وقد غردت منظمة الأرصاد العالمية عن هذا الموضوع في تويتر.
الغيث العتيق
سيصدر للباحث قريبًا كتاب (الغيث العتيق) وهو كتاب جامع لأحداث وتفاصيل الحالات الجوية الممطرة التي تعرّضت لها البلاد للفترة منذ 1979م وإلى التواريخ الأقدم، وأقدم تاريخ يحتويه حتى اللحظة هو لعام 742م وأقرب تاريخ لنوفمبر 1977م، وهو تسهيل للباحثين عن معلومات للفيضانات وأهم الأحداث المناخية التي تعرضت لها عمان لعمل الدراسات المختلفة على ذلك.
والكتاب حتى كتابة هذه الحروف يتكون من 148 صفحة وهو في زيادة مستمرة خصوصًا بعد قراءة وثائق السفن البريطانية الأخيرة، ويشتمل على معجم معاني مصطلحات الطقس المحلية، وخمسة فصول توثق لأحداث هطول الأمطار؛ الأول يشمل المرحلة الزمنية من عام 742م إلى نهاية دولة النباهنة عام 1624م، والثاني حوادث الأمطار خلال دولة اليعاربة إلى نهاية القرن الثامن عشر، والثالث حوادث الأمطار خلال القرن التاسع عشر، والرابع حوادث الأمطار بين عام 1900 إلى 1949، والخامس حوادث الأمطار من عام 1950 إلى 1979م، بالإضافة إلى فصلين لملحقات الصور.
تحدّيات
وحول التحديات التي يواجهها مجال البحث في تاريخ الأرصاد الجوية الخاصة بعمان، يرى الباحث بأن ندرة البيانات هي أكثر التحديات في مجال البحث الأرشيفي المناخي، وبناءً على هذه العقبة فإن البيانات تكون متفرقة جدًا فكتاب مكون من 200 صفحة يمكن أن تجد فيه سطرًا واحدًا فقط يتحدث عن أمر متعلق بالمناخ ، كما أن الوقت المبذول للبحث والتنقيب عن هذه الشذرات كبير نظرًا لندرتها وتفرّقها والبحث عنها كالبحث عن إبرة في كومة قش.
الأمر الآخر أن البيانات العمانية المتعلقة بالمناخ بعضها موجود في وثائق مخطوطة وغير مطبوعة مع صعوبة قراءة خط اليد، والكثير من المعلومات والبيانات موجودة في الكتب الأجنبية المختلفة والصعوبة تكمن كذلك في البحث عن مصادرها وبعض المصادر مكتوبة بخط اليد وباللغة الإنكليزية الأمر الذي يعيق ويصعّب فهم المحتوى والذي ربما لا يحتوي على بيانات مهمة فيضيع الوقت سدى.




