‏محمد الهادي الجزيري يكتب: هذيان الوجع

‏محمد الهادي الجزيري يكتب: هذيان الوجع
‏محمد الهادي الجزيري يكتب: هذيان الوجع

هذيان الوجع
‏مجموعة قصصية لمحمد المسلاتي
‏” تطلّع إلى النافذة الشمس لم تشرق بعد “


‏محمد الهادي الجزيري

‏أن تكون ليبيًا تعيش الفوضى والمأساة وتكتب هذا الفنّ القصصي فذاك أمر صعب ..وأن تنقل كلّ ذلك الدمار في سياق منظّم ومرتب فحقيقة تستحق عبارات الشكر والامتنان ..فمنذ ثمانية أعوام والشعب العربي الشقيق يعاني الويلات والأستاذ محمد المسلاتي يلتقط الألم تلو الألم ليكتب جرحه النازف ويصوّر لنا ما يراه وما يتكبّده من آلام وفقر وموت …
‏في ” هذيان الوجع ” يدخلنا الكاتب عالما لم نعتد دخوله ..فهو غريب وفاجع ..ومع ذلك ثمّة نصيب من الحياة والفنّ والضحك المرّ ..وثمّة قسط للذات لتبكي مصيرها بعيدا عن الأوباش والمرتزقة ممّن باعوا الوطن …..
‏في قصة أولى يدين الكاتب تفكير كلّ واحد من أبناء البلاد ..ويبدأ إدانته بفكرة اجتماع ورجل مكلّف بالحضور وتقديم محاضرة..لكنّه يسهو لوجود ” قرد/ لعبة ” في حقيبته ..وينطلق القرد في القاعة أمام دهشة الجميع واستنكارهم إلى أن يتمكن المحاضر من السيطرة عليه ..ولكنه يباغتنا برسائل من الجميع ..ينهي بها القصة:


‏” اشتر لي قردا مثل قردك الآلي اللعين لتسلية الأولاد، سأدفع لك ثمنه مهما بلغ، لا تخبر أحدا من الأعضاء، فليكن الموضوع في غاية السريّة بيننا ..”

‏يتواصل القصص ويمضي بنا المسلاتي إلى رمز ليبي وعربي كبير قاوم الاستعمار الإيطالي وأهدى حياته ثمنا لليبيا ..ألا وهو عمر المختار ..ففي القصة الموالية ” المختار يُعدم من جديد ” يقترح علينا أمنية يتخّيل انبثاقها في ذهن عمر المختار لو يبعث حيّا ويُقبض عليه هذا الأمنية ..ندعوكم لاكتشافها وتجرّع مرارتها كما شاء الكاتب الموجوع ….

‏قال عمر المختار وهو ينظر نحو البعيد
‏” صورة وجهي انزعوها عن أوراق نقودكم المتداولة، لا أطيق أن تتلوّث ملامحي بأصابع اللصوص، وأثرياء الموت، والمأجورين، ووزراء الحكومات الموسمية، والغانيات، والمهرجين من ساسة القنوات التلفزيونية ، والفيسبوك، وتجار الكلام، والمحتالين، والسماسرة، لا أحتمل أن تدعس أيديهم القذرة صورتي المطبوعة على رزم الأوراق المالية التي يجمعونها بشراهة..”



‏” تطلّع إلى النافذة الشمس لم تشرق بعد ”
‏هذه الجملة واردة في نهاية قصة ” انتظار ” تروي بعجالة حياة عجوز وهو ينتظر انتهاء اجتماع ” الكبار ” ليقوم بتنظيف القاعة ..وفجأة حين ينتهي الاجتماع يعثر على أوراق متناثرة تحت المقاعد..ويكتشف في بيته حين تقرأ له ابنته الأوراق أنها تتحدّث عن مرتبات إضافية وعن شراء سيارات للأولاد وعن شراء شقق بالاسكندرية واسطنبول ..وبين هوله وحزنه على ما ضاع من وطنه …يكتب لنا محمد المسلاتي هذه الجملة الصادمة المعبّرة لكنها الحقيقة الموجعة ” تطلّع إلى النافذة الشمس لم تشرق بعد ”
‏لكن الكاتب رغم همومه الجماعية والمهووسة بالوطن وما يحدث له وفيه ..نجده في آخر قصة ينصت لنفسه وينتصر للسؤال الأخير الذي يلقيه الإنسان على ذاته ..وهذا ما يشدّني للمسلاتي فهو في النهاية فرد يواجه موته ويتوق إلى الخلود حتّى في القصة …


‏” ..ظلّ الإطار الخشبيّ معلّقا من دون صورة لسنوات إلى أن جاء من اشترى البيت، فأزال الإطار من الجدار، ووضع إطارا جديدا تتوسطه صورته “

‏أخيرا اخترت لكم قصة قصيرة من خارج مجموعة ” وجع الهذيان ” دأب على نشرها محمد المسلاتي في صفحته على الفيسبوك ..لتأخذوا فكرة عنه ..وقد تطلعون على كتاباته المشتقة من الذات وبعض هذه الذات ..ليبيا…………..

‏” سنوات عجاف، أُصيب الناس بالهزال، حصدهم الموت الواحد تلو الآخر إلى أن اختفوا. أطلَّ الرئيس من شرفة قصره المهيب، خلفه أعيان الحاشية، وأفراد أسرته، أطلق بصره عبرالمساحات الخالية، شعر أنّه من دون شعب، يحاصره الفراغ، هزّ رأسه قائلًا لمن حوله

‏” ليس لي إلّا الاستمرار في الحكم، فلا يوجد شعب لأعلن له عن استقالتي

شارك هذا الخبر