رصد – أثير
على مدى ثلاثة عقود، كان كل مقترح لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يصطدم بالاستعارة البلاغية ذاتها: “الفراغ”. فقد قيل مراراً إنّ انسحاب واشنطن سيشرع الأبواب أمام الفوضى، حيث ستتوسع قوى إقليمية، وتهيمن الصين على الخليج العربي، بينما ستسارع روسيا لملء أي مساحة شاغرة، وقد أسهمت هذه الصورة النمطية لشرق أوسط فوضوي بطبيعته ويمقت “الفراغ الاستراتيجي” في إطالة أمد التورط الأمريكي في المنطقة أكثر من أي حجة مبنية على المصالح القومية الأمريكية الفعلية.
ومع مغادرة آخر القوات الأمريكية للعراق، وعمليات الإجلاء المؤقتة من القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج، فقد حان الوقت، برأي دورية ناشيونال إنترست الأمريكية في مقال لها رصدته “أثير”، لتجاوز هذه الاستعارة التي وصفتها بـ “البالية”، فالشرق الأوسط ليس غرفة فارغة تنتظر من يسكنها، بل هو حيّ مكتظ بقوى إقليمية طموحة، ومسلحة تسليحاً جيداً، وتتبادل الشكوك فيما بينها. لقد أدارت هذه القوى صراعاتها، قبل فترة طويلة من وصول أول مجموعة حاملة طائرات أمريكية إلى الخليج العربي، وعلى الأرجح ستستمر في ذلك بعد رحيل آخر تلك الحاملات.
ما كلفة التدخل الأمريكي في المنطقة؟
غالباً ما تؤدي القوة الأمريكية إلى الإخلال بتوازن المنطقة، فقد دمر غزو العراق عام 2003 الدولة العربية الوحيدة التي كانت توازن قوة إيران. كما خلّف التدخل في ليبيا عام 2011 دولة فاشلة وسوقاً للسلاح يغطي منطقة الساحل بأكملها، كما أسفر عقدان من عمليات “مكافحة الإرهاب” إلى خلق عدد من المتمردين يضاهي من تم القضاء عليهم، وإذا كان من المفترض أن تعمل الولايات المتحدة كمنظم لحرارة المنطقة، فمن الواضح أن مؤشرها قد توقف عند درجة “الحرارة الزائدة”، وذلك على حد قول الصحيفة.
تكمن المشكلة الأعمق فيما وصفته ناشيونال إنترست بـ “الخطر الأخلاقي”، فالضمانات التي تقدمها القوة العظمى تتيح للأطراف الإقليمية التصرف بتهور، فعلى سبيل المثال أرجأت الحكومات الإسرائيلية اتخاذ قرارات صعبة بشأن الفلسطينيين، معتمدة على حق النقض (الفيتو) الأمريكي في الأمم المتحدة. من جانبها، بنت إيران سياستها الخارجية على مقاومة “الشيطان الأكبر”، وهو موقف سيفقد الكثير من جاذبيته المحلية والإقليمية بمجرد أن تحزم القوة العظمى أمتعتها وترحل.
إنّ فك الارتباط لن يحول المنطقة إلى فردوس، بل سيفرز واقعاً مألوفاً أكثر يتمثل في: توازن القوى الإقليمية. حيث سيتعين على الأطراف الفاعلة الرئيسية التعامل مع بعضها البعض مباشرة بدلاً من ممارسة الضغوط على واشنطن للانحياز إلى طرف دون آخر.
ملامح الشرق الأوسط ما بعد أمريكا
من المرجح أن يتسم الشرق الأوسط في مرحلة “ما بعد أمريكا” بما يلي:
- إسرائيل كقوة إقليمية، لا كدولة تابعة: تمتلك إسرائيل أقوى جيش واقتصاد في محيطها، فضلاً عن رادع نووي. هي لا تحتاج إلى قوات أمريكية، بل ما ستخسره هو الغطاء الدبلوماسي. وهذا قد يكون تحديداً ما سيجبر قادة إسرائيل على السعي نحو ترتيبات مستدامة مع الفلسطينيين والعالم العربي، بدلاً من الاعتماد على واشنطن لإدارة الوضع الراهن إلى أجل غير مسمى.
- دول خليجية تتكفل بأمنها: تستطيع دول الخليج تحمل تكاليف أمنها، وبناء علاقات دفاعية مع تركيا وباكستان وفيما بينها.
- صين حذرة: تود بكين استمرار تدفق النفط الخليجي وحركة البضائع الصينية، وقد تتوسط الصين في اتفاقيات بين الحين والآخر، كما فعلت بين الرياض وطهران، لكنها تابعت ما فعله الشرق الأوسط بالقوة الأمريكية، وهي ليست في عجلة من أمرها لتكرار التجربة.
لقد تآكل منذ سنوات المبرر التقليدي للهيمنة الأمريكية في الخليج، والمتمثل في “النفط”. فالولايات المتحدة تعد الآن منتجاً ومصدراً رئيسياً للطاقة، والنفط يُتداول في سوق عالمية، حيث يحتاج المنتجون إلى البيع بقدر حاجة المستهلكين للشراء. ولا يوجد أي تحول محتمل في القوى الإقليمية يمكن أن يقطع الإمدادات العالمية لفترة طويلة. ورغم أن الصدمات السعرية تشكل خطراً حقيقياً، إلا أن التعامل معها يمكن أن يتم عبر الاحتياطيات الاستراتيجية وتنوع الأسواق، وليس من خلال النشر العسكري الدائم.
كيف يعيد التاريخ نفسه هذه المرة؟
لا شيء مما سبق يشير إلى انسحاب مفاجئ أو فوضوي، فالسياسة العقلانية تقضي بـِ“: انسحاب تدريجي للقوات، مع الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، وتوجيه رسالة واضحة للعواصم الإقليمية مفادها أن أمنها بات مسؤوليتها الأولى. ويمكن للولايات المتحدة أن تستمر كشريك تجاري، ومورد للأسلحة بناءً على صفقات، ووسيط نزيه في بعض الأحيان. لكنها لن تستمر في لعب دور الضامن الأمني، أو الحكم، أو كبش الفداء للمنطقة.
وترى الصحيفة بأن التاريخ يُقدم تذكيراً مهماً هنا، فعندما انسحبت بريطانيا من التزاماتها “شرق السويس” عام 1971، كثرت التنبؤات بوقوع الكارثة. غير أن دول الخليج، التي لم تعرف سوى الحماية البريطانية حتى ذلك الحين، لم تنهار، بل تكيّفت الدول المحلية وظهرت ترتيبات جديدة. ومن المرجح أن يتكرر السيناريو ذاته، فستبقى المنطقة مضطربة، تماماً كما كانت تحت كل هيمنة إمبريالية بدءاً من العثمانيين وصولاً إلى الأمريكيين، ولكن هذا الاضطراب سيخص سكان المنطقة أنفسهم، وسيكون لديهم الحافز الأكبر لاحتوائه.





