أثير- د.سالم بن سلمان الشكيلي
ظهرت في العقود الأخيرة من القرن الماضي مصطلحات سياسية عدة ، ذات دلالات مختلفة أوجدتها المناخات السياسية والأمنية والاقتصادية السائدة في بعض البلدان ، مثل الطابور الخامس، والدولة العميقة ، وحكومة الظل ، والثورة المضادة ، وجماعات الضغط ، والعلمانية ، وغيرها من المصطلحات الكثيرة الأخرى .
ونشأت ظاهرة الدولة العميقة أو المتجذرة في تركيا في عام ١٩٢٣، حيث شكّل مصطفى كمال أتاتورك مجموعة سريّة تتكون من بعض ضباط القوات المسلحة والشرطة وبعض رجال القضاء والبيروقراطيين للحفاظ على الدولة العلمانية حتى لو تطلب ذلك قتل المعارضين أو المخالفين للعلمانية ، وأعطى لهذه المجموعة السرية كذلك حق اعتقال أي شخص لا يؤمن بالأفكار العلمانية ، وإيداعه في معتقلات غير معلومة يتعرض فيها للتنكيل والتعذيب بقسوة مفرطة ، لا تقيم وزنا لشفقة أو رحمة .
وانتقلت فكرة الدولة العميقة إلى الاتحاد السوفيتي الشيوعي والدول السائرة في فلكه ، ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية الرأسمالية ، مع اختلاف المفاهيم بقدر المناخات السياسية والفكرية السائدة في كل بلد ، دون إغفال لتركيبة السلطة الحاكمة فيها ، ولهذا فإنه من الطبيعي جدًا أن نجد مفهوم الدولة العميقة مختلفًا في الدول الغربية وأمريكا عنه في الدول الآسيوية والإفريقية وخصوصًا الدول العربية .
وتختلف التعريفات التي قيلت بشأن مفهوم الدولة العميقة، فذهب أحدهم إلى أنّ الدولة العميقة هي دولة غير مرئيّة وسريّة وتوازي الحكومة العلنية الشرعيّة ، فكما هو واضح يحيط بالدولة العميقة الغموض والسرية وعدم القانونية ، ثم ما لبث هذا التعريف أن توسع ليبيّن أكثر طبيعة القوى الغامضة ، بحيث تشمل بعض الأشخاص والجماعات في المجتمع المدني، بالإضافة إلى القطاعات الاقتصادية والنخب الثقافية والإعلامية والرموز السياسية ، وطبقة رجال الأعمال .
وتعمل الدولة العميقة على الحفاظ على مصالحها ، وهي من أجل ذلك تعرقل وتوقف أي محاولة للتغيير التي يرون من وجهة نظر أصحابها، من شأنها الإضرار بالمصالح المتشابكة للقوى الغامضة في الدولة العميقة ، وذلك من خلال استخدام كافة الوسائل لتحقيق أهدافها، ولو أدى ذلك إلى تنفيذ عمليات اغتيال لكل من يعارضها أو يقف في طريقها ، انطلاقًا من مفهوم الغاية تبرر الوسيلة ، وهي وسائل كرّسوها وطوّروها وأتقنوا استخدامها من أجل تحقيق تلك الغايات التي ترسخ وجودهم ومكانتهم .
وبحسب رأي الباحثين في هذا الشأن ، فإنّ الدولة العميقة أوضح ما تكون في حالة التحول الديمقراطي، وخصوصا في البلدان التي رزحت ردحاً من الزمن تحت وطأة الاستبداد ، لإدراك هذه القوى الغامضة ، بما ستؤول إليه الأمور من انتخابات حرة ، وظهور قيادات وزعامات جديدة تعمل على تغيير الأوضاع القائمة ، وبسبب قوة وسيطرة تلك القوى فإنه في كثير من الأحيان يكون مصير محاولات التغيير الفشل .
وإذا كان ثمة من يرى جوانب إيجابية في تعريفاتهم للدولة العميقة ، فإنّ مثل هذه التعريفات لا تلقى قبولا لدى الكثيرين ، ذلك أن هؤلاء الفقهاء وأكثرهم من الغرب ، قاسوا المفاهيم على أوضاعهم ، التي تكاد تختلف كثيرًا عن تلك التي عند غيرهم ، وقاسوها كذلك على التركيبة السياسية والاجتماعية وعلى الأخلاق القانونية، التي يلتزم بها الجميع نزولًا عند أحكام القضاء المستقل تمامًا عن تأثيرات القوى الغامضة إلى حد بعيد.
ووفقًا للتعريف والمفهوم الشائع الذي اخترناه للدولة العميقة ، فإنّ هذه الأخيرة تتصف بسمات عدة لعلّ أبرزها ما يلي :
١ – السريّة والغموض ، فالدولة العميقة غير موجودة ولا يمكن رؤيتها في العلن ، كما حال الحكومة الرسميّة ، ومع ذلك يمكن ملاحظة وملامسة ما تقوم به وآثار نشاطها .
٢ – كيان غير قانوني ، فهي – الدولة العميقة – تعمل بصفة غير شرعيّة وبالمخالفة للقانون ، ويتمثل ذلك في أعمال الفساد والتزوير وأفعال الاغتيالات واضطهاد المخالفين لها ، وهي نظرًا لقوتها وتغلغلها في معظم مفاصل الدولة تكون بعيدًا عن المحاسبة والعقاب .
٣ – تحقيق مصالحها ، ذلك أنّ كل ما تهدف إليه الدولة العميقة هو الحفاظ وحماية وتحقيق مصالحها بأي شكل من الأشكال ، حتى ولو تعارضت مع المصلحة العامة .
٤ – تشابك مصالح القوى الغامضة، مما لا شك فيه فإنّ ديمومة الدولة العميقة، تتطلب تشابك مصالح قواها ؛ الأمر الذي يخلق تبادل المنافع بينها وبالتالي يكون كل الأطراف بحاجة إلى بعضها
٥ – ازدواجية العمق الزمني وعمق القوة ، فالعمق الزمني يفترض بقاء التحالفات السرية لأطول فترة ممكنة بما يلبي في النهاية مصالح القوى الغامضة، وهي تعمل دون كلل أو ملل لإفشال ووأد كل مشاريع التغيير ، أما عمق القوة فيعني قوة وصلابة الدولة العميقة وتمكنها من كافة أجهزة الدولة بسبب انتشار أدواتها في هذه الإجهزة ، وهي تستخدم لذلك قرابة النسب والمصاهرة وتكوين الشركات التجارية ، ومن هنا تنشأ علاقة تبادليّة بين الدولة الرسمية والدولة العميقة.
تلك كانت بعض المفاهيم المبسّطة عن الدولة العميقة، التي يطول شرحها ، وليس هدف هذا المقال إلا إعطاء نبذة مختصرة للغاية ، ومما يتوجب ذكره هنا أن الدولة العميقة تُفسد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتُخلّ بمبدأ المساواة بين أفراد أي مجتمع تظهر فيه إلى جانب إخلالها بمبدأ العدالة الاجتماعية، واهتزاز الأفراد بثقة الدولة ومؤسساتها ، ما يدفعهم إلى التذمر والسخط وربما القيام بأعمال لا تُحمد عقباها تنعكس سلبا على كيان الدولة والوحدة الوطنية لشعبها .
وفي الختام فإننا لا نوافق البتة قول القائلين بخرافية الدولة العميقة ، بل هي كائن وجودي لكنه غير مرئي لأنّ القوى الغامضة تعمل في الظلام وبطرق ملتوية ، ويحالفنا الحظ في الوقت الحاضر لنضرب مثالًا على ما يجري في السودان الشقيق التي تعيش الآن حالة من اللا استقرار وهو شأن داخلي لا نود الحديث فيه أكثر من ذلك ، ونسأل الله بأن يزيل هذه الغمة عن الشعوب العربية التي ابتليت بهذا الداء ، والتي تحاول التخلص منه ، ولنا في الشعبين السوداني والجزائري المثال الحيّ لذلك .





