خاص-أثير
زارها: د. محمد بن حمد العريمي
عندما زرت أذربيجان مؤخرا قمت بحجز ثلاثة أيامٍ في مدينة (قبلا) التي تقع في الشمال الغربي، اعتقادا مني أنني سأجد معالم كثيرة يمكن أن تتسع لها الأيام الثلاثة، ولكن بعد وصولي للمدينة التي هي أقرب إلى مركزٍ صغير اكتشفت أنني يمكن أن أتعرف على معالم المدينة المشهورة في يومٍ واحدٍ فقط، فعدا التلفريك، والمنتجعات الجبلية، وبعض المطاعم المميزة، وسوق المزارعين، لا توجد معالم أخرى مهمة يُمكن للسائح التعرف عليها في المنطقة إلا لو كان يملك سيارة دفعٍ رباعيّ مجهزة تمكنه من ارتياد المناطق الجبلية المحيطة بكل ما تشتمل عليه من معالم طبيعيةٍ ساحرة.

ولأن الثلاثة أيام بالنسبة لسائحٍ مثلي يريد معرفة كل شيء في البلد الذي يزوره كانت فترةً طويلة، لذا كان من المهم البحث عن بدائل أخرى يمكن من خلالها ملء الفراغ، والتعرف على معالم جديدةٍ في هذا البلد الجميل؛ لذا كان الخيار هو زيارة مدينة (شَكي) أو شاكي كما ينطقها البعض، والتي تقع شمال غرب البلاد وتبعد حوالي 90 كم عن (قبلا) في اتجاه الغرب.

شکی أو شاكي هي مدينة تقع شمال غربجمهورية أذربيجان في المنحدرات الجنوبية من جبال القوقاز بالقرب من حدود مقاطعةداغستان الروسية وجمهورية جورجيا، ويبلغ عدد سكانها تقريبا 63000 نسمة، وتبعد حوالي 325 كيلومترًا شمال غرب مدينة باكو.

ولأنها تقع قريبًا من سلسلة جبال القوقاز لذا كان من الطبيعي أن تتمتع المدينة بمُناخٍ لطيفٍ يغري بالزيارة؛ لذا عندما وصلنا المدينة قبيل الظهيرة كانت درجة الحرارة لا تزيد عن 15 درجة مئوية، وسط غيومٍ تغطي السماء ورذاذٍ متقطعٍ أضفى على المكان جمالا فوق جماله، وكثيرةٌ كانت توقفاتي على الطريق المؤدي إليها بحثا عن توثيق مناظر طبيعيةٍ قد تدوم في الذاكرة طويلا.

كانت زيارتنا الأولى في المدينة لقرية (كيش) القديمة التي تتميز بمنازلها الصغيرة ذات البلاط الأحمر، وشوارعها الضيّقة المرصوفة بحجر الإسكافي، والبوابات الخشبية المنحوتة، وكانت فرصةً لالتقاط الصور المتنوّعة، كما دخلنا كنيسة كيش الألبانية التي تقع بوسط القرية والتي تم تحويلها إلى متحف، وهي تحكي تاريخ دخول المسيحية إلى شمال البلاد، ويقال إنها كانت بالأساس معبدا وثنيًا تم تحويله فيما بعد إلى كنيسة رسولية، ومن خلال عمليات التنقيب التي تمت في مطلع الألفية الثالثة عُثر على العديد من الآثار من بينها بقايا جثث تعود إلى القرن الخامس الميلادي.

ولأن الثقافة الإسلامية فرضت نفسها على المدينة في فترات لاحقة لذا ليس من الغريب أن يلمح الزائر أثناء تجواله في المدينة عددًا من المساجد الأثرية من بينها مسجد خان، ومسجد عمر أفندي، ومسجد جليلي.

بعد تركنا للقرية القديمة توجهنا باتجاه قلعة شاكي، وقصر (الخانات) الذي كان يُعد المقر الصيفي للحكام، مخترقين شوارع وسط المدينة الأنيقة التي تعج بالمحلات ذات الأنشطة المتنوعة، وقبل وصولنا إلى القلعة والقصر مررنا بالسوق القديم حيث (الخان) الذي تحيط به العديد من المحلات التي تعرض للسلع والبضائع المحلية التقليدية، فكانت النية زيارة الخان وما حوله من محلات بعد الانتهاء من جولتنا في القلعة والقصر.

تقع قلعة شاكي حول قصر شاكي خان أو قصر (الخانات)، وهي تعد واحدة من المباني الأكثر شهرة في جنوب القوقاز، وتم تكملة بنائها في منتصف القرن الثامن عشر، ويحيط بها سور حجري ضخم وسط حديقةٍ واسعةٍ من الزهور وعدد من الأشجار الضخمة التي تعود زراعتها إلى بدايات القرن السادس عشر تقريبا، وتضم القلعة عددًا من الآثار مثل السيوف والبنادق القديمة ولوحات تحكي جانبًا من الصراعات القديمة التي حدثت بها، وأدوات موسيقية خشبية تمثل العصور السالفة، بالإضافة إلى لوحات رائعة التصميم مصنوعة من الفسيفساء الملون المتداخل مع الخشب وهى من الحرف الأساسية في المدينة.

بعد خروجنا من القلعة دخلنا قصر (الخانات) الذي كان يتم ترميم بعض مبانيه، وهو قصر قديم يعود تاريخ بنائه إلى عام 1762، ويتكون من عدة أجزاء تم تحويل بعضها إلى متاحف، وتم ترميمه بين عامي 1955-1965، ويجسّد هذا القصر روعة التقليد المعماري الأذربيجاني، ومن بين ما يميزه الزجاج الملوّن الذي يغطي بعض شرفاته ونوافذه والذي تم جلبه من مدينة البندقية.

كانت محطة توقفنا الأخيرة في المدينة هي في سوقها التقليدي لشراء الهدايا التذكارية التي تميّز المدينة، لذا فقد توقفنا بالقرب من (خان) المدينة الشهير، حيث إن المدينة كانت ضمن المدن المشهورة بصناعة الحرير، وتقع على طريق الحرير؛ لذا لم يكن من الغريب وجود (الخانات) التي كانت تضم عددًا من المحلات، والمخازن، وغرف الإيواء للتجار القادمين من الشرق والغرب، ولا يزال الخان القديم الذي يتكون من ثلاثة طوابق موجودًا حيث تم تحويل المحلات التي تقع في واجهته إلى مقاهٍ، ومحلات تحف تذكارية، ومحلات حلويات تمتاز بها المدينة، كما يحتوي على عدد من المطاعم التي تقدم نماذج من أطباق المطبخ الأذربيجاني، في حين يتم عرض السجاد الشهير داخل فنائه، كما تقع بالقرب من الخان عددًا من الشوارع التجارية التي تخصصت في بعض الأنشطة كصناعة الحلويات، والمجوهرات، والتحف وغيرها، وكانت فرصة ذهبية لتناول وجبة الغداء المكونة من الكباب الأذري الشهير في أحد المطاعم التقليدية القريبة، ثم التجوال في المحلات القريبة حيث اشتريت عددًا من المناديل الحريرية، وطبقين من بقلاوة شاكي الشهيرة.










المراجع:
1- دليل أذربيجان السياحي، http://azerbaijanff.org/sheki-activities/.
2- موقع المسافر العربي الإلكتروني، https://www.ar-traveler.com
3- موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة https://ar.wikipedia.org/




