حسابات وهمية وحروب واقعية: من يحرّك المعركة الخفية؟

حسابات وهمية وحروب واقعية: من يحرّك المعركة الخفية؟
المعركة الخفية
خاص - أثير
لم تعد الحروب تُحسم فقط في ميادين القتال، بل باتت تُدار على نطاق أوسع داخل فضاء المعلومات، فإلى جانب الدبابات والصواريخ، تبرز ”الجبهة الخفية“ المتمثلة في التضليل الإعلامي، وإنشاء الحسابات الوهمية، وإدارة الحملات النفسية التي تستهدف العقول قبل الأجساد، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم أهداف القوى المتصارعة.
التضليل الإعلامي: تعريف يتجاوز الكذب إلى هندسة الوعي
يُعرَّف التضليل الإعلامي في أدبيات الاتصال السياسي بأنه إنتاج أو إعادة توجيه معلومات مضللة بشكل ممنهج بهدف التأثير على الرأي العام، وزرع الشك، وتوجيه الإدراك الجمعي نحو رواية محددة تخدم طرفًا سياسيًا أو عسكريًا.
ولا يقتصر التضليل على ”الكذب المباشر“، بل يشمل:
• الانتقاء المتعمد للمعلومات وإخفاء أجزاء أساسية منها
• تضخيم أحداث هامشية وإهمال أخرى جوهرية
• التلاعب بالصور والفيديوهات
• إنشاء حسابات وهمية تبدو كأصوات شعبية حقيقية
• صناعة ”رأي عام اصطناعي“ عبر الجيوش الإلكترونية
وقد أشار باحثون في دراسات حديثة إلى أن الحملات الرقمية المنظمة التي تديرها جهات دولية باتت أكثر تأثيرًا من الدعاية التقليدية، خصوصًا في بيئات الصراع المفتوح.
الجذور التاريخية: التضليل كأداة حربية قديمة
التضليل ليس ظاهرة رقمية حديثة، بل هو جزء أصيل من تاريخ الحروب:
الحرب العالمية الثانية: نفّذ الحلفاء واحدة من أشهر عمليات الخداع العسكري المعروفة باسم ”عملية مينسميت“، حيث جرى اختلاق هوية ضابط بريطاني وهمي لخداع ألمانيا النازية بشأن موقع الغزو الحقيقي.
الحرب الباردة: اعتمدت القوى الكبرى على الإذاعات الموجهة، وتجنيد الصحفيين، وبث الشائعات داخل المجتمعات المعادية، كأدوات رئيسية في الصراع الأيديولوجي.
حرب فيتنام: لعبت الصور المنتقاة والتغطية الإعلامية دورًا حاسمًا في تغيير المزاج الشعبي داخل الولايات المتحدة نفسها.
• هذه الأمثلة تؤكد أن ”إدارة الرواية“ كانت دائمًا جزءًا من الإستراتيجية العسكرية، وليست مجرد نشاط إعلامي جانبي.
كيف تعمل حملات التضليل الحديثة؟
مع التحول الرقمي، تطورت أدوات التضليل بشكل جذري، وأصبح يعتمد على منظومة متكاملة تشمل:
• الجيوش الإلكترونية : حسابات آلية أو شبه آلية تُستخدم لإعادة نشر رسائل محددة بكثافة لخلق انطباع زائف بالانتشار.
• الحسابات المزيفة ذات الهوية المقنعة: حسابات تتقمص صفة ”صحفي“ أو ”محلل| أو ”ناشط“ لبناء الثقة.
• التضليل البصري: تعديل الصور والفيديوهات أو إعادة استخدام مواد قديمة في سياقات جديدة.
• الاستقطاب العاطفي: الاعتماد على محتوى يثير الخوف أو الغضب لارتفاع قابلية تداوله.
وتشير تقارير بحثية إلى أن هذه العمليات غالبًا ما تكون مرتبطة بشبكات منظمة أو جهات تسعى للتأثير على الخصوم داخل الفضاء الرقمي خلال فترات الأزمات.
أهداف التضليل: تفكيك المجتمع قبل تفكيك الدولة
تركز حملات التضليل عادة على 4 أهداف رئيسية:
• زرع الانقسام داخل المجتمع
• إضعاف الثقة بالمؤسسات (الحكومات، الإعلام، الجيش)
• توجيه الرأي العام الدولي لصالح طرف معين
• خلق ضبابية معلوماتية تعيق الوصول إلى الحقيقة
وفي هذا السياق يصبح ”الواقع“ نفسه محل نزاع، حيث تتعدد الروايات وتختلط الحقائق بالشائعات.
الحرب الأمريكية - الإيرانية على إيران: ساحة مفتوحة لحرب المعلومات
في التصعيد الإقليمي الأخير نتيجة الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، لم تقتصر المواجهة على الضربات العسكرية والاغتيالات أو التهديدات السياسية، بل امتدت بقوة إلى الفضاء الإعلامي الرقمي.
تقارير حديثة أشارت إلى انتشار واسع للمعلومات المضللة، شمل:
• صورًا قديمة أُعيد نشرها على أنها حديثة
• فيديوهات وصور مولدة أو معدلة بالذكاء الاصطناعي
• روايات متناقضة
• حملات ترويج رقمية
وفي متابعة لـ ”أثير“ على منصة “أكس” لوحظ ظهور عدد من الحسابات أُنشئت في مارس 2026، بالتزامن مع التصعيد العسكري جراء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وتحمل هذه الحسابات خصائص متشابهة، من بينها تقارب تاريخ الإنشاء، والنشر المكثف منذ لحظة التأسيس، والتشابه في اللغة والسرديات، والتركيز على القضايا السياسية والعسكرية ذاتها، ويظهر في بعضها إعادة نشر الأخبار بصيغ مختلفة، واستخدام صور ومقاطع متكررة، واعتماد مفردات انفعالية عالية الشحنة.
كما لوحظ توظيف محتوى يستهدف الرموز الوطنية عبر إساءة استخدام الصور والشعارات وإثارة الغضب الشعبي، إلى جانب حالات انتحال لهوية دول أو مؤسسات رسمية لبث روايات مضللة أو خلق انطباع بوجود مواقف رسمية غير حقيقية.
ويشير هذا النمط، في التحليل الرقمي، إلى احتمالات وجود شبكات منسقة تعمل على تضخيم خطاب معين داخل الفضاء العام، فيما يبقى الهدف الأعمق لهذه العمليات أبعد من التأثير السياسي المباشر، ليمتد إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، عبر إثارة الانقسامات، وتضخيم الخلافات التاريخية أو المذهبية، وتقويض الثقة المتبادلة بين الشعوب والروابط الإقليمية.
وينسجم هذا النمط في قراءته الأولية، مع ما يُعرف بـ ”التضليل الإعلامي“، متجاوزًا مجرد نشر معلومات خاطئة، ليصل إلى مستوى أكثر تعقيدًا يتمثل في إعادة هندسة الوعي العام عبر منظومة متكاملة من الرسائل الموجهة.
أجهزة الاستخبارات وحروب المعلومات: علاقة قديمة متجددة
لطالما كانت أجهزة الاستخبارات جزءًا من منظومة إدارة المعلومات في الحروب، سواء عبر:
• اختراق الإعلام
• إنشاء منصات تأثير
• تشغيل شبكات مؤثرين أو حسابات وهمية
• تسريب معلومات انتقائية
وتشير دراسات أكاديمية إلى وجود تداخل بين حملات معلوماتية تديرها دول مختلفة لتحقيق أهداف سياسية متقاطعة، بما يعزز مفهوم ”الحرب متعددة الأطراف على الوعي“ بدلًا من الصراع الثنائي التقليدي.
ختامًا: يظل الوعي هو السلاح الأهم في مواجهة الضباب المعلوماتي، والتمييز بين الحقيقة وصناعتها هو الخط الفاصل بين شخص مُدرك، وآخر يُعاد تشكيل إدراكه دون أن يشعر.
المصادر:
• الجزيرة للدراسات
• تقارير للمنتدى الاقتصادي العالمي
• بي بي سي

شارك هذا الخبر