د.راشد البلوشي يكتب: الموتى والزمن وأينشتاين

د.راشد البلوشي يكتب: الموتى والزمن وأينشتاين
د.راشد البلوشي يكتب: الموتى والزمن وأينشتاين

د. راشد بن علي البلوشي- أستاذ اللغويات المشارك- جامعة السلطان قابوس

كلما خطر ببالي ألبرت أينشتاين ونظريته “النسبية”، أجد عقلي يسبح في فضاءات مليئة بالأسئلة وبمحاولات الإجابة عنها. وعلاقة الزمان بالمكان في نظرية أينشتاين، كما أفهمها أنا، هي أن الزمان يوجد عندما يوجد المكان، أو أن وجود البعد الزماني يعتمد على وجود الحيز المكاني، بمعنى أنه لا يوجد زمان بدون مكان. ولذلك فإن الزمن يتوقف أو يقترب من التوقف كلما زادت السرعة واقتربت من سرعة الضوء (حيث لا مكان يحد الجسم المتحرك)، وهي فكرة نسبية الزمن، فكرة أينشتاين العبقرية.

 تُذكرنا هذه الفكرة بحقيقة أن أهل الجنة “لا يهرمون”، أي إنهم “لا يشعرون بمرور الزمن” أو أن “أجسادهم لا تشعر بالزمن”. أعلم أن السؤال المنطقي الذي يتبادر إلى الذهن الآن هو “إذا كان أهل الجنة لا يشعرون بمرور الزمن، فهل هذا لأن الجنة “لا مكان” أو لأنها مكان “ينعدم فيه البعد الزمني”؟ أظن أن الإجابة الصحيحة هي الثانية، فالجنة خيرُ مكان، ولكن طبيعة الحياة في الجنة لا ترتبط بالبعد الزمني، فهي مكان لا يحده الزمان أو لا يرتبط به البعد الزمني ولذلك فأهل الجنة لا يبلغون مثلاً الأربعين أو الخمسين من العمر (كيف ذلك؟ لا أعرف، ولكني أظن أن هذا مرتبط بكون الجنة “مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ“، أي أيضاً، لا أعرف). فالعقل البشري قاصر في ما يخص القدرة على التفكير في مثل هذه المسائل. وهذا أيضاً يذكرنا برحلة الإسراء والمعراج وكيف أنها، رغم أحداثها ومحطاتها الكثيرة، استغرقت وقتاً قصيراً جداً بمقاييسنا الدنيوية، حيث أن أحداث الرحلة السماوية وقعت في مكان لا يرتبط بالزمن أو لا تنطبق عليه قوانين البعد الزمني كما نعرفها نحن (وحتى أحداث الرحلة إلى بيت المقدس تمت بقدرة الله الذي خلق المكان والزمان وهو القادر على تفعيل قوانينهما وتعطيلها).

“، أي أيضاً، لا أعرف). فالعقل البشري قاصر في ما يخص القدرة على التفكير في مثل هذه المسائل

وهذا التفسير يدلل على ما قلناه في بداية هذا المقال من أن الزمان لا يمكن أن يوجد من دون المكان، ولكن المكان يمكن أن يوجد من دون الزمان، كما هو الحال في الجنة (ولا أعرف إذا كان أينشتاين قد قال بإمكانية وجود “مكان من دون زمان”)، فالزمان يعتمد على المكان وليس العكس. فالحياة في الجنة هي “الحيوان”، كما وصفها خالقها في الآية 64 من سورة العنكبوت “وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ“، بمعنى أنها الحياة الدائمة الخالدة وكذلك الخالية من المسؤولية والعمل والتكليف (ولذلك فلفظة “الحيوان” في اللغة العربية تطلق على الكائن الذي يعيش الحياة الخالية من التكليف والمسؤولية). ومن وجهة نظر لغوية، أظن أن الجزء الأخير من كلمة “الحيوان” وهو “ان” (أو الزيادة على كلمة الحياة) يدل على المبالغة والزيادة في المعنى (والمبالغة هنا في انعدام التكليف والزيادة الترف والنعيم)، كما في الفرق بين “تَعِب” و”تعبان” وبين “جائع” و”جوعان”.

وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ

 نعود الآن إلى فكرة ارتباط الزمان واعتماده الوجودي على المكان. في آخر مرة خطرت ببالي هذه الفكرة، حاولت ربطها بحقيقة أن الموتى لا يشعرون بالزمن، فالآخرة بالنسبة للموتى تبدأ بمجرد موتهم. ويصح القول بعدم الشعور بمرور الزمن أيضاً في شأن النائمين، كما قال أصحاب الكهف، والذين ناموا 309 سنوات ولكنهم ظنوا أنهم ناموا يوماً أو بعض يوم، كما يقول الله تعالى في الآية 19 سورة الكهف “قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ“، وهو ما قاله سيدنا عزير بعد أن أماته الله مئة عام، كما تنص الآية 259 من سورة البقرة “فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ“.

قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ

وقد ثبت أن الدماغ في حالة النوم يصل إلى مرحلة قريبة من حالة الدماغ في حالة الوفاة، ولكنه يعود للحياة، بإذن الله، وهو ما تشير إليه الآية 42 من سورة الزمر “اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ“. وهو أيضاً ما يشير إليه الحديث الشريف، عَن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ، قَالَ: كَانَ النبِي صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: “بِاسمِكَ أَمُوتُ وَأَحيَا” وَإِذَا قَامَ قَالَ: “الحَمدُ لِلهِ الذِي أَحيَانَا بَعدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيهِ النشُورُ”.

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

فحقيقة أن الموتى لا يشعرون بالزمن تدل على انعدام (مرور) الزمن بالنسبة لهم، وإذا صدقنا بذلك فهذا يدل على أن الموتى إما لا يشعرون بالمكان (ولذلك فهم لا يشعرون بالزمان) أو بأنهم لا يحتويهم مكان (وبذلك لا يحتويهم زمان)، والاحتمال الثاني يعني إما أنهم يسبحون في فضاء (لا-مكان) أو أنهم يتحركون بسرعة عالية (تعادل سرعة الضوء أو تقترب منها، حيث يتوقف الزمن). والاحتمال الآخر هو وجود أرواح الموتى في مكان يتعطل فيه البعد الزمني. في ما يلي، سوف نقول (و العلم لله) بأن جميع هذه الاحتمالات يمكن أن تكون صحيحة.

أولاً، فالموتى لا يشعرون بالمكان، أي اللحد الذي يسكنونه، لأنهم أجساد ميتة خالية من الروح، ولذلك فهذه الأجساد لا تشعر، كما يقول الحق تبارك وتعالى في الآية 22 من سورة فاطر “وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ“. وحتى ولو قلنا بأن أرواحهم تكون معهم بشكل غير دائم (أي من حين لآخر، حيث أنهم أحياناً يسمعون، كما يدل مثلاً حديث “السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَار قَومٍ مُؤْمِنينِ وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ لاحِقُونَ، ودِدْتُ أَنَّا قَدْ رأَيْنَا إِخْوانَنَا”)، فهذا أيضاً لا يعني أنهم سيشعرون بالزمن، وذلك لأنهم لا يشعرون بالمكان، فالزمن بالنسبة لهم متوقف لأن المكان متوقف، أي لا يتغير بالانتقال من مكان لآخر، كما يفعل الأحياء، مما يشعرهم بمرور الزمن، وأيضاً لأن الأموات لا يشعرون بالدورة اليومية للوقت (من الصباح إلى المساء) ولا بالدورة الأسبوعية ولا غيرها، فالزمن بالنسبة لهم متوقف، هذا طبعاً إن كانوا يشعرون في ألحادهم، بأي طريقة.

وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ

ثانياً، يمكن أيضاً القول بأن الموتى لا يحتويهم مكان معين، فأجسادهم الميتة راقدة في ألحادها، وأما أرواحهم، التي تشعر، فهي لا توجد في مكان محدد المعالم والأبعاد حتى تشعر بمرور الزمن مع تغير معالم المكان. وذلك لأنها تسبح في الفضاء وتسير بسرعة عالية جداً، شبهها “العائدون من الموت”، كما يسميهم البعض، بسرعة الريح، ولعلهم يقصدون سرعة الضوء (لأن “سرعة الريح” هي مضرب المثل في السرعة عند العرب. يقولون “أسرع من الريح” و”أسرع من البرق” و “أسرع من الطّرف”، والشاهد هنا هو أن البرق ضوء وكذلك الطّرف، وهو البصر، متعلق بالضوء). وذلك لأن الأرواح من الله تعالى، كما تنص الآية 29 من سورة الحجر “إِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ“، والله تعالى نور، كما يصف ذاته العليَّة في الآية 33 من سورة النور “اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ”.

إِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ

وربما كان عدم إحساس الموتى بالزمن ناتج عن انعدام الزمن في الحيز المكاني الذي توجد أو تتحرك فيه الأرواح، حيث إن الأرواح تتحرك بسرعة الضوء (وهي 300000 كيلومتر في الثانية)، وذلك لأنها نور من رب العزة والجلال، أي أن الزمن يتوقف لأن السرعة هي سرعة الضوء، وهذا من مبادئ النظرية النسبية (no time). ولكن الأرواح تتحرك باتجاه بارئها، وعرشه جلت قدرته فوق السماوات والجنة، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم “إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ”. ولكن حركة الأرواح، رغم سرعتها، إلا أنها تقطع مسافة كبيرة جداً، حيث أن عرض الكون يقترب من 93 مليار سنة ضوئية (فما بالك بطوله وارتفاعه؟)، وربما تكون أرضنا في واحد من أكوان متعددة (وليس كوناً واحداً فقط، كما يظن البعض). وإذا أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن الكون في اتساع دائم (يقول الله تعالى في الآية 47 من سورة الذاريات “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ”)، فإن المسافة التي يجب على الأرواح أن تقطعها أيضاً في تزايد دائم، مما يعني أن الأرواح في حركة دائمة منذ لحظة موت الأجساد إلى يوم الحساب، ولكن لأن سرعة حركة الأجساد هي سرعة الضوء، فإن الزمن ينعدم، ولذلك فإن الموتى لا يشعرون بمرور الوقت، كما يشعر به الأحياء.

وهذا ما نفهمه من شهادات العائدين من الموت، حيث يُجمعون على أنهم كانوا يرون أجسادهم، وهذا يدل على أن أرواحهم هي التي كانت تتحرك وترى (وربما ارتبط هذا بحقيقة ارتباط البصر بالروح، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “اِنَّ الرُّوحَ اِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ”). وأيضاً يقول معظمهم أن أرواحهم كانت تسير (أو أنهم كانوا يسيرون) بسرعة عالية جداً في فراغ هائل أو في نفق في آخره ضوء، حيث يكونون يفكرون بالمكان الذي هم فيه والوجهة التي يتحركون باتجاهها، وهم في خوف وهلع شديد (و لا يفكرون بأب أو بأم أو بأخ أو بمال أو بوظيفة أو بملك. قال تعالى في الآيات 34-37 من سورة عبس “يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ”). وبعضهم من يشعر بسعادة غامرة وهو يشاهد “النور” الذي يراه، ولكن هناك من يبلغهم بأنه لا يزال عندهم متسع من العمر وأن عليهم الرجوع، ولكن الأحداث في هذه التجربة تحدث بسرعة عالية جداً. وهذه السرعة العالية تدل على بطء الزمن أو حتى توقفه، أي أن البعد الزمني قد تم تعطيله (في ذلك المكان الذي يقول بعض “العائدين” منه أنهم رأوا فيه أناساً كانوا يعرفونهم)، فهل هذا المكان هو ما نعرفه بالبرزخ؟ ربما هو، لأن هذا أيضاً يتفق مع الاحتمال الثالث وهو أن أرواح الموتى توجد في مكان يتعطل فيه البعد الزمني، وهذا يدل على أن هذا المكان (كالجنة، والنار، والعياذ بالله) لا تسري عليه قوانين الزمن التي نعرفها. نسأل الله حسن الخاتمة.

شارك هذا الخبر