مسقط-أثير
إعداد: د.حميد بن مهنا المعمري
عندما تعشق الطبيعة فإنها لا تمزح ولا تُجامل، وتُشهر حبها، وتُنادي بأعلى صوتها لمفردات الطبيعة أنّي أحببت فلانا فأحِبّوه، فتحبه كل الجمادات، ويتترجم ذلك الحب بنحته على صفحات صخورها ليكون شاهدا صادقا ودليلا ماديا تقدمه لبني الإنسان على صدق ما تدّعيه وتزعمه، ذلك بأنهم قوم لا يفقهون معنى ذلك الحُب، لأنهم لا يشعرون به، ولا يحسونه، ويحتاجون دليلا ملموسا شاهدا على ذلك الزعم، {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، ولسان حال الطبيعة تقول بأنّ لي في عشق عمان شاهدا ودليلا.
وعُمان -بحمدالله- منذ الأزل إلى يومنا هذا لم تعرف من بين مفردات معجمها اللغوي الحقد على أحد بل كانت ولا تزال صافية في نياتها، حكيمة في تعاملها، صادقة في قولها، ملتزمة بمعاهداتها، تمد يدها للقريب والبعيد، لم تتلوث سماؤها بسحب دُخُان القلوب السوداء التي تنفث سمّا زعافا. تلك الصفات أهّلت عمان بأن تكون محبوبة لدى الجميع بلا استثناء بل وأصبحت بتلك الصفات مما ذكرت ومما لم أذكر وسيطا دوليا لمعالجة القضايا المستعصية في الشرق والغرب، ولذلك ليس بغريب على الطبيعة أن تنحت خارطة سلطنة عمان على ظهر (صخرة شرجة الرخامية)، إحدى روافد وادي الحاجر ببلدة حاجر بني عمر بمحافظة جنوب الباطنة بولاية الرستاق، وإن كان ذلك الأمر يثير الدهشة والاستغراب بأنْ تقوم الطبيعة بيدها ماسكة فرشاتها تنحت خارطة بجميع حدودها الجغرافية وحتى ذلك الرأس العماني الشامخ (رأس مسندم) حاضرا كأنه تاجٌ يتربع على رأس هرمٍ، دون تدخلٍ ليدِ الإنسان التي طالما شوهت الطبيعة.. إنّه أمرٌ عجبٌ.
فنحْت أو نقش هذه الخارطة بدون تدخل يد الإنسان، على ظهر صفحة صخرة صمّاء صلداء يلهمنا درسا-نحن أهل عمان- وجوب حماية كل شبر من هذه الأرض الطيبة المباركة، بل حفظ كل ذرة من ذرّات ترابها العسجدي.

وبجانب خارطة عمان نجد على نفس الصخرة ذاتها خارطة ما يسمى بالقارة السمراء أو السوداء، قارة أفريقيا، واللافت للنظر أنّ الطبيعة أبت على نفسها إلا أنْ تخالف تلك التسمية؛ لأنها الأدرى بطباع البشر فرسمت القارة السمراء باللون الأبيض، وما ذاك إلا دليل على أنّ المظاهر عند الطبيعة خدّاعة وأنّ المعوّل على الصدق هو النيات وما تُخفي الصدور.
ووجود خارطة قارة أفريقيا راقدة بجنب خارطة عُمان درسٌ آخر نستلهمه من أنّ الإمبراطورية العمانية التي لم تغب عنها الشمس حين من الدهر؛ والتي جابت الأرض طولا وعرضا، وخاصة في قارة إفريقيا، يجب على أبنائها أن يحفظوا التاريخ جيدا، وأنْ يستعيدوا مكانتهم التاريخية بين الأمم، وأنْ يكون حاضرهم موازيا لماضيهم العظيم بقيادة سلطانهم المفدى.

وبينما نحن نعيش نفحات نوفمبر المجيد كان لزاما علينا أنْ نُيمم تهانينا الزاكية شطر هزبر السلاطين وقائد جحافل العمانيين ابن بجدتها، ومنقذ سفينتها من ظلمات بعضها فوق بعض كادت أن تُقوّض أركان المجتمع وتُزلزله، لولا لطف الله بعباده، وربطه على قلب السلطان هيثم أيده الله؛ فكان رابط الجأش، يقود سفينة الأمة العمانية بحكمة وثبات إلى ساحل الأمان والرخاء والاستقرار.
ومما يزيدني دهشة وإعجابا وإكبارا أن تتخذ الطبيعة صخور حاجر بني عمر دفترا وسجلّا لها، لتحفر فيها صدق حبها وعظيم إنتمائها لهذه الأرض الطيبة، وحفظ أمجادها التاريخية ليتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل.

وفي السياق نفسِه، يتقدم أهالي حاجر بني عمر الكرام بتقديم تلك الصخرة الثمينة هدية عن كافة العمانيين خالصة له من دون الناس، بهذه المناسبة الجليلة علينا جميعا، وعلى المعنيين باختلاف مهامهم القيام بواجبهم لإكرام تلك الهدية، بما يليق بها من إكرام خاصة وأنها تحتفظ بأغلى وأعلى كنز عماني إنها خارطة عمان، وخارطة الأمجاد العمانية وكل عام وجلالته والعمانيين بصحة وعافية، والوطن من علو إلى علو.
للتواصل مع الدكتور:
halmamaree@gmail.com





