رغم التحذير منها: لماذا أصبحت القروض أسهل الحلول؟

رغم التحذير منها: لماذا أصبحت القروض أسهل الحلول؟
رغم التحذير منها: لماذا أصبحت القروض أسهل الحلول؟
أثير - ريما الشيخ
راتب أول، وظيفة جديدة، شعور بالاستقلال، ثم تبدأ القائمة المعتادة بالتقسيط: سيارة، هاتف جديد، بطاقة ائتمانية، وربما قرض شخصي يُستخدم لترتيب “بداية الحياة”.
بالنسبة لكثير من الشباب، لا تبدو هذه القرارات خطيرة في البداية، بل تبدو طبيعية، وأحيانًا ضرورية لمجاراة إيقاع الحياة الحديث ومتطلباته المتزايدة.
لكن خلف هذا المشهد الذي يتكرر يوميًا، تتشكل علاقة معقدة بين الإنسان والمال؛ علاقة تبدأ غالبًا بحلم بسيط لتحسين الحياة، وقد تنتهي أحيانًا بسنوات طويلة من الالتزامات والضغوط المالية والنفسية.
ومع اتساع ثقافة التقسيط وسهولة الوصول إلى التمويل، لم تعد القروض مجرد وسيلة استثنائية تُستخدم عند الحاجة القصوى، بل أصبحت جزءًا من نمط الحياة لدى كثيرين، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف المعيشة واتساع دائرة المقارنة الاجتماعية التي تدفع البعض إلى الإنفاق لإثبات “المكانة” أكثر من تلبية الاحتياج الحقيقي.
العالم يحذر من ثقافة الديون
هذا التحول لم يعد محل نقاش فردي فقط، بل أصبح محور اهتمام المؤسسات الاقتصادية والمنظمات العالمية، التي بدأت تحذر من ارتفاع ديون الأفراد والأسر، وتأثير ذلك على الاستقرار المالي والاجتماعي وحتى النفسي.
فبحسب تقارير صادرة عن البنك الدولي، فإن ضعف الثقافة المالية يُعد من أبرز الأسباب التي تدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات اقتراض غير مدروسة، موضحًا أن المشكلة لا ترتبط دائمًا بحجم الدخل، بل بطريقة إدارته وفهم الالتزامات المرتبطة به، خصوصًا عندما يتحول جزء كبير من الراتب إلى أقساط ثابتة لا يمكن التراجع عنها بسهولة.
هذا التحذير يتقاطع مع ما تشير إليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، التي ترى أن التوسع في أنظمة التقسيط والتمويل الاستهلاكي غيّر أنماط الإنفاق لدى الأفراد، خاصة فئة الشباب، حيث أصبح الوصول إلى المنتجات والخدمات أسرع من القدرة الحقيقية على تحمل تكلفتها على المدى الطويل.
وتوضح المنظمة أن سهولة الحصول على التمويل قد تدفع البعض إلى اتخاذ قرارات شرائية مرتبطة بالمقارنة الاجتماعية أو بمحاولة مجاراة أنماط الحياة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يؤدي لاحقًا إلى ضغوط مالية متراكمة تستنزف الدخل الشهري وتقلل من فرص الادخار والاستقلال المالي.
أما صندوق النقد الدولي IMF، فيحذر من أن ارتفاع ديون الأسر بشكل مبالغ فيه قد ينعكس ليس فقط على الأفراد، بل على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بشكل عام؛ لأن نسبة كبيرة من دخول الأفراد تذهب لتغطية الالتزامات بدلًا من الادخار أو الاستثمار أو بناء أمان مالي طويل الأمد.
ورغم ذلك، لا تتعامل المؤسسات المالية الدولية مع القروض باعتبارها أمرًا سلبيًا بالمطلق، إذ تؤكد أن التمويل قد يكون وسيلة فعالة لتحسين مستوى الحياة أو تأسيس مشروع أو امتلاك منزل، إذا استُخدم ضمن حدود القدرة المالية الحقيقية ووفق تخطيط واضح ومدروس.
هل المشكلة في القرض أم في طريقة استخدامه؟
وسط هذا التوسع في ثقافة الاقتراض، ترى الشيماء بنت سيف الفليتي، اختصاصية تواصل وإعلام في البرنامج الوطني للاستدامة المالية وتطوير القطاع المالي “استدامة”، وعضو في مبادرة الإطار الوطني لتعزيز الثقافة المالية، أن القروض بحد ذاتها ليست أمرًا سلبيًا.
وأشارت، خلال حديثها مع “أثير”، إلى أن القروض هي أداة وفرتها المؤسسات المصرفية والبنكية لتسهيل حياة الناس، مؤكدة أن طريقة استخدام هذه الأداة هي التي تحدد طبيعة النتائج التي سيصل إليها الفرد لاحقًا.
وتوضح الشيماء أن اللجوء إلى القروض يفترض أن يكون قائمًا على حاجة حقيقية ومدروسة، مع فهم واضح للتبعات المالية المستقبلية، لا أن يكون مجرد قرار سريع مدفوع بالرغبة أو بالمظاهر الاجتماعية.
وترى أن بعض الأشخاص يدخلون في التزامات مالية كبيرة فقط لأنهم يشعرون أن عليهم إثبات أنفسهم اجتماعيًا بمجرد الحصول على وظيفة أو راتب ثابت، رغم وجود بدائل أخرى أقل ضغطًا وأكثر أمانًا.
وأضافت أن السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه الفرد على نفسه منذ البداية هو: “هل أنا مستعد فعلًا لتحمل تبعات هذا القرار لسنوات؟”، لأن بعض القرارات التي تبدو بسيطة في لحظتها قد تتحول لاحقًا إلى عبء طويل يؤثر على الاستقرار المالي والنفسي.
المشكلة ليست في الراتب
تؤكد الشيماء أن كثيرًا من الشباب يدخلون الحياة العملية وهم يفتقرون إلى المعرفة الأساسية بكيفية إدارة الراتب أو بناء الموازنة الشهرية، مضيفة أن الحصول على وظيفة لا يعني تلقائيًا امتلاك مهارات التعامل مع المال.
وقالت إن الثقافة المالية لا تقتصر على الادخار فقط، بل تشمل معرفة كيفية إدارة المصروفات، وترتيب الأولويات، وفهم الفرق بين “الحاجة” و”الرغبة”، إضافة إلى معرفة كيفية الاستثمار والتخطيط للمستقبل.
وأشارت إلى وجود أساليب متعددة لإدارة الميزانية، مثل قاعدة “50 – 30 – 20”، لكنها تؤكد أن الأهم من القاعدة نفسها هو قدرة الشخص على خلق توازن يناسب دخله ونمط حياته وشخصيته، دون أن يحمل نفسه أعباء أكبر من قدرته الحقيقية.
وترى أن بعض الشباب ينظرون إلى أنفسهم كضحايا للظروف المالية منذ البداية، بينما تؤكد أن بناء الاستقرار المالي يحتاج إلى صبر وتدرج ووعي، لا إلى استعجال أو محاولة لإثبات المكانة عبر الإنفاق.
وأضافت: “المكانة لها وقتها، والبساطة ليست أمرًا سيئًا كما يعتقد البعض، بل قد تكون الطريق للوصول إلى أشياء أكبر وأكثر استقرارًا مستقبلًا”.
وشددت على أن الأمان المالي والاستقلالية أهم بكثير في المراحل الأولى من الحياة العملية من محاولة إثبات المكانة عبر الإنفاق المبالغ فيه، مؤكدة أن بناء الاستقرار يحتاج إلى صبر وتدرج لا إلى استعجال، قائلة: “لا تستعجل رزقك”.
ماذا تفعل الديون بالإنسان؟
أشارت دراسات منشورة في BMJ Open Journal إلى وجود ارتباط بين تراكم الديون وارتفاع مستويات القلق والتوتر النفسي، خاصة لدى الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في سداد الأقساط أو يعتمدون على الاقتراض المتكرر لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
وتشير الدراسات إلى أن الضغوط المالية المستمرة قد تؤثر على جودة الحياة والعلاقات الاجتماعية وحتى الصحة النفسية، خصوصًا عندما يشعر الفرد بأن راتبه يذهب بالكامل تقريبًا لسداد الالتزامات.
وفي كثير من الحالات، لا يتوقف تأثير الديون عند الجانب المالي فقط، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من القلق المستمر بشأن نهاية الشهر إلى تأجيل خطط مستقبلية بسبب الالتزامات المتراكمة.
في الختام، نستطيع القول إن القروض، كما ترى المؤسسات الدولية وكما تؤكد التجارب الفردية، ليست طريقًا مضمونًا للنجاح، وليست أيضًا عبئًا حتميًا، بل تبقى النتيجة مرتبطة بمدى وعي الإنسان، وقدرته على إدارة المال، والتفريق بين ما يحتاجه فعلًا وما يسعى إليه فقط لإرضاء صورة مؤقتة أمام الآخرين.
فبين قسط يبدأ بحلم صغير، والتزام يمتد لسنوات، يبقى السؤال الأهم: هل نشتري ما نحتاجه فعلًا، أم نشتري صورة نريد فقط أن يراها الآخرون؟
المصادر:
البنك الدولي
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)
صندوق النقد الدولي (IMF)
BMJ Open Journal
البرنامج الوطني للاستدامة المالية وتطوير القطاع المالي “استدامة”

شارك هذا الخبر